رمضان

الاتحاد

الحوار الوطني بين الحياة والموت


القاهرة ـ 'الاتحاد': فجأة وبلا مقدمات تدهورت الحالة الصحية للحوار الوطني بين الاحزاب وبدا عليه الهزل والشحوب مما تطلب نقله فورا إلى غرفة العناية المركزية·· بعد ان كان فتيا مفتول العضلات قوي البنيان·· وكان يصول ويجول وحده على الساحة·· لكن هذا الحوار الوطني تلقى صدمات وضربات متعددة قذفت به من بؤرة الأحداث إلى هامشها·· وبدا للراصدين ان شهر العسل بين الحزب الوطني الحاكم واحزاب المعارضة قد انقضى وان المشاكل والتعقيدات تهدد بوقوع الطلاق بين الطرفين·
أولى الضربات التي تلقاها الحوار الوطني كانت يوم السادس والعشرين من فبراير الماضي حين فاجأ الرئيس حسني مبارك الجميع بطلبه تعديل المادة السادسة والسبعين من الدستور ليصبح اختيار رئيس الجمهورية بالاقتراع الحر المباشر بين أكثر من مرشح بدلا من الاستفتاء· ومن ذلك التاريخ تحركت بركة المياه السياسية الراكدة لتصبح بحرا متلاطم الامواج·· وقذفت تلك الأمواج العاتية بالحوار الوطني بعيدا ليصبح وحده في جزيرة منعزلة بعيدا عن الخضم والمعمعة· لقد كان تعديل الدستور هو الورقة الأكثر سخونة في الحوار الوطني بين الاحزاب لكن مبادرة الرئيس مبارك انتزعت هذه الورقة من الحوار·· فصار تقريبا بلا أوراق مهمة·· ولم يعد لدى الاحزاب المعارضة بالتحديد ما تزايد وما تلعب به على مائدة هذا الحوار·· سوى مجرد أوراق غير مؤثرة مثل الاتفاق على ما يسمى ميثاق شرف للاحزاب السياسية أثناء الدعاية والعملية الانتخابية·· وهو ما يعني ان الاحزاب تود الاتفاق على خطوط حمراء لا ينبغي تجاوزها وهي تدعو لنفسها في الانتخابات·
وبعد طلب الرئيس مبارك بتعديل الدستور جرت مياه كثيرة في النهر وتحول العراك أو الحراك السياسي من القاعات المغلقة إلى قلب الشارع·· واندفعت تيارات غير حزبية وغير شرعية لتسرق الكاميرا من الحوار الوطني ومن جميع الاحزاب الشرعية على الساحة فرأينا مظاهرات الاخوان المسلمين وحركة كفاية واعتصامات ومظاهرات النقابات المهنية·· والغضبة الهادئة والعاقلة للقضاة والتي تختلف الاراء حول اسبابها، ثم رأينا الفرقعات الإرهابية في ميدان عبدالمنعم رياض والسيدة عائشة ومن قبلهما ميدان الأزهر· وكل هذه التيارات والغضبات والاحتقانات سواء منها الشرعي أو غير شرعي وما هو على حق وما هو على باطل·· كل هذا الضجيج في الشارع يمثل ادانة صارخة للحياة الحزبية في مصر·· ويؤكد ان التسعة عشر حزبا الموجودة على الساحة ليس لها أي وجود حقيقي في الشارع بين الجماهير·· لان كل الاحتقانات في هذا الشارع تعبر عن كيانات موازية قوية خارج العباءة الحزبية الرسمية·
وعلى هذا الاساس كانت هذه الاحداث المتصاعدة في الشارع تعبيرا عن عدم جدوى الحوار الوطني·· الذي هو حوار بين طرشان· وفي اجتماع النادي السياسي للحزب الوطني الحاكم قال صفوت الشريف أمين عام الحزب الذي يقود الحوار الوطني ان الحوار بين الاحزاب قائم ومستمر وانه لم يتلق أي خطاب رسمي من أي حزب مشارك في الحوار بالانسحاب منه كما اشيع·
وقال كمال الشاذلي الأمين العام المساعد للحزب الوطني ان الحوار مستمر وجلساته بلا نهاية محددة وستعقد هذه الجلسات تباعا وفي أي وقت طالما دعت الضرورة الى ذلك·· أي ان الحوار ليس لجلساته سقف أو عدد محدد·· فالكل يعرف متى بدأ لكن لا أحد يعرف متى ينتهي فالقضايا متجددة ومستمرة وتحتاج إلى حوار متواصل بين الاحزاب· وقال ان اللجنة الثلاثية المنبثقة عن الحوار الوطني والتي تضم كمال الشاذلي والدكتور نعمان جمعة رئيس حزب الوفد والدكتور رفعت السعيد رئيس حزب التجمع قد انتهت تقريبا من صياغة ميثاق الشرف الحزبي وتم رفع الأمر الى الرئيس حسني مبارك·
وأكد صفوت الشريف ان الرئيس مبارك طلب من الحزب الوطني اعداد دراسة متأنية لقانون الانتخابات الجديد قبل اقراره بحيث لا تكون هناك ثغرات تؤدي إلى الطعن عليه بعدم الدستورية· وقال ان الدراسة المتأنية التي طلبها الرئيس ستحدد نظام الانتخاب سواء كان النظام الفردي المعمول به حاليا أو نظام القائمة النسبية الذي كان معمولا به من قبل وتعرض للطعن بعدم الدستورية فتم الغاؤه· وان الهدف في كل الأحوال تجنب تعرض الحياة السياسة لأي اهتزاز أو خلل·· كما ان النظام الانتخابي الذي سيؤخذ به ينبغي ان يأخذ في الاعتبار أوضاع المرأة والمستقلين في الانتخابات·
وقد اشيع ان خمسة أحزاب أعلنت انسحابها من الحوار الوطني بين الاحزاب بعد ان تم صرف النظر عن مطالب اثنى عشر حزبا باجراء انتخابات البرلمان المقبلة بنظام القائمة النسبية·
الحوار مات
والاحزاب الخمسة التي قيل انها قررت الانسحاب من الحوار الوطني هي الوفد والغد الذي يرأسه الدكتور أيمن نور والناصري الذي يرأسه ضياء الدين داود والدستوري برئاسة ممدوح قناوي والأمة برئاسة أحمد الصباحي·
وقال الدكتور رفعت السعيد رئيس حزب التجمع ان حزبه يدرس الانسحاب من الحوار الوطني لكن القرار النهائي في يد الامانة العامة للحزب·· كما ان الأمر يتوقف في رأيه على مدى التزام الحزب الوطني الحاكم بنتائج الحوار·· مشيرا إلى ان نتائج الحوار الوطني حتى الان محدودة للغاية لكنها مهمة·
وقال الدكتور أيمن نور رئيس حزب الغد ان انسحاب حزبه من الحوار ليس قرارا حتى الآن ولكنه مجرد اتجاه لكن اتجاه حزب نور للانسحاب من الحوار الوطني لا يستند على اسباب موضوعية تتعلق بقضايا خلافية·· وانما على موقف شخصي منه تجاه الحزب الوطني· وقد عبر أيمن نور عن موقفه بصراحة حين قال ان الحزب الوطني يتبنى ميثاقا للشرف الحزبي ويرتكب في نفس الوقت افعالا بعيدة عن الشرف· وقال ان نتائج الحوار الوطني 'صفر' ولم يكن هناك حوار من الاصل ولكن الحزب الوطني اراد طرح رؤيته بلا مناقشة وما على الاحزاب سوى ان 'تبصم' على ما يراه·· مؤكدا انه لم تكن هناك أي ديمقراطية في إدارة هذا الحوار·· فقد كانت اللجنة الثلاثية التي تضم كمال الشاذلي ونعمان جمعة ورفعت السعيد تعد القرارات ويطلب من الاحزاب خلال الحوار القبول أو الرفض دون الالتفات إلى رؤيتها في القضايا المطروحة·
اما ضياء الدين داود رئيس الحزب الناصري فقد لخص موقف حزبه قائلا: الناصري ليس مستمرا ولا منسحبا من الحوار لان الحوار انتهى فعليا ومات دون حاجة إلى اعلان وفاته·· ولم يعد هناك مبرر لاستمراره ولا موضوع يطرح في جلساته ·· فقد استنفد الحوار الغرض الوحيد له وهو التمهيد لانتخابات رئيس الجمهورية· وأكد ان الحوار الوطني لم يحقق أي نتائج ايجابية ولن يحقق هذه النتائج في ظل اصرار الحزب الوطني الحاكم على أسلوبه مع احزاب المعارضة· كما هاجم داود احزاب المعارضة مؤكدا ان هذه الاحزاب لم تتوافق ولن تتوافق ولا جدوى من عودة اجتماعات ما يسمى التوافق الحزبي بينها·
وقال الدكتور السيد البدوي سكرتير عام حزب الوفد ان حزبه أعلن الانسحاب من الحوار الوطني لان احزاب المعارضة توافقت على عدة امور بشأن تعديلات قوانين مباشرة الحقوق السياسية والبرلمان ومجلس الشورى والاحزاب ولكن لم تلق استجابة من الحزب الوطني الذي لن يلتفت إلى آراء المعارضة·· واكتشفنا ان مشروعات التعديل لهذه القوانين هي ما انتهى اليه المؤتمر العام الثاني للحزب الوطني· واعترف بان الحوار الوطني لم يفشل بل حقق نتائج ايجابية لكنها لم تصل إلى مستوى طموح المعارضة بشأن الاصلاح السياسي·
وهاجم ممدوح قناوي رئيس الحزب الدستوري احزاب المعارضة والحزب الحاكم معا وقال ان انسحاب الاحزاب من الحوار الوطني مزايدة وانتهازية·· وحين وجدت هذه الاحزاب ان الحوار لا يعطيها نصيبا جيدا من الكعكة اثرت الانسحاب للحفاظ على ما تبقى من ماء الوجه· وقال ان نظام الانتخاب هو النقطة الفاصلة والقشة التي قصمت ظهر الحوار الوطني لان ثلاثة عشر حزبا طلبت الاخذ بنظام القائمة النسبية لكن الحزب الوطني لم يلتفت لارائها· وأكد ان النظام الانتخابي بالنسبة للاحزاب اهم من التعديل الدستوري·· فاما ان يأتي برلمان معبر عن ارادة الأمة ويعبر بالبلاد هذه المرحلة المهمة من تاريخها واما ان نسير بسرعة فائقة إلى الهاوية· وبعد هذا الجدل بين اصرار الحزب الوطني على ان الحوار مستمر وقائم·· واصرار عدد من احزاب المعارضة على انه فشل·· يبقى السؤال مطروحا: هل الحوار الوطني حي يرزق أم انه مات وشبع موتا وينتظر استخراج شهادة الوفاة؟

اقرأ أيضا