الاتحاد

تقارير

المواجهة اليابانية للأزمة الاقتصادية

مشاريع البنى التحتية··· هل تنقذ الاقتصاد الياباني من الركود؟

مشاريع البنى التحتية··· هل تنقذ الاقتصاد الياباني من الركود؟

في حي واحد من أحياء العاصمة اليابانية طوكيو عرقلت ثلاثة من مشاريع الأشغال العامة حركةَ المرور في أحد أيام الأسبوع الماضي؛ حيث قام العمال بتجديد خط للغاز، وتركيب أنبوب للماء الصالح للشرب تحت الأرض، وتغيير رمل إحدى الفضاءات المخصصة للعب الأطفال· وتندرج هذه المشاريع وغيرها في إطار البرنامج الاستعجالي الذي تبنته حكومة منطقة طوكيو الكبرى، وهو يقضي بمضاعفة عدد مشاريع الأشغال العامة في المدينة بثلاث مرات، وخلق آلاف الوظائف، والرد على ركود عالمي يضر باليابان التي تعتمد على الصادرات أكثر من أي بلد صناعي آخر·
اليوم، يشهد الاقتصاد الياباني، الذي يعد ثاني أكبر اقتصاد في العالم، أسرع تقلص منذ أكثر من ثلاثين عاماً، بوتيرة أسرع بمرتين مقارنة بالاقتصاد الأميركي؛ حيث تراجعت الصادرات والواردات في شهر فبراير بمعدل قياسي بعد أن انخفضت المبيعات الشهرية للولايات المتحدة بنسبة 60 في المئة تقريباً مقارنة مع العام الماضي· وفي هذه الأثناء، تجرب طوكيو، التي تعد حتى الآن أكبر وأغنى مدينة في اليابان، دواء الأشغال العامة من أجل مقاومة مشاكل التجارة العالمية؛ حيث تقوم بتوظيف جيوش من الرجال والنساء بالخوذات الواقية والأعلام في مشاريع إعادة تعبيد الطرق، وصباغة ممرات الراجلين، وإصلاح الساعات المعطلة أو المكسورة في حدائق المدينة وساحاتها· ونتيجة لذلك، يصعب على المرء اليوم إيجاد حفر أو أرصفة متآكلة أو متصدعة - وكلها أمور نادرة أصلا في هذه المدينة المصونة على نحو جيد·
غير أن هناك جدلا سياسياً ساخناً عبر اليابان حول ما إذا كان يتعين على البلاد أن تقتدي بالعاصمة طوكيو، وتسير على نهجها، فتضع مال دافع الضرائب في الأشغال العامة الكبرى· ومما يجدر ذكره في هذا الإطار أن اليابانيين لاحظوا أن إدارة أوباما تبنت هذه الفكرة كوسيلة لإعطاء انطلاقة جديدة للاقتصاد الأميركي عبر إنفاق مئات المليارات على الطرق وتطوير شبكة الاتصالات وغيرها من مشاريع البنى التحتية·
غير أن المشكلة بالنسبة لليابان تكمن في حقيقة أنها جربت هذا الأمر من قبل وقامت به ومضت في ذلك إلى حد بعيد، وبالأمس القريب فقط· فخلال ''العقد الضائع'' الذي أعقب انفجار فقاعة القطاع العقاري في عقد التسعينيات، أنفقت الحكومة اليابانية أكثر من تريليوني دولار على الأشغال العامة؛ ولكنها بالمقابل حفرت لنفسها أكبر وأعمق حفرة ديْن عام في تاريخ العالم المتقدم ناهزت 175 في المئة من الناتج المحلي الخام للبلاد·
كل ذلك الإنفاق جعل العالم يغبط اليابان على بناها التحتية، حيث تتوفر البلاد على نظام نقل عام لا يضاهيه نظام آخر في العالم من حيث تغطيته وخدماته· كما أن بناها التحتية الخاصة بالاتصالات تتيح أسرع ربط بشبكة الإنترنت، مما يوفر أكبر كم من المعلومات والبيانات بكلفة أقل من أي مكان آخر في العالم· غير أن العديد من المنتقدين يقولون إن الحكومة غالت وبالغت حين بنت من السدود والجسور والمتاحف والطرق السريعة والمطارات ما يفوق حاجتها وأكثر مما ستستعمل على الإطلاق، ولاسيما أن اليابان مجتمع يعاني من الشيخوخة ويسجل أقل نسبة ولادات· وفي هذا الإطار يقول تاكايوشي إيجاراشي، أستاذ السياسة بجامعة ''هوسي'' والخبير في تمويل الأشغال العامة: ''إن بنيتنا التحتية ممتازة··· وبالتالي، فإن المزيد من الأشغال العامة سيكون فائضا عن الحاجة الحقيقية ولن يحفز شيئاً غير قطاع البناء''·
بيد أن رئيس الوزراء ''تارو آسو'' وحزبه الحاكم ''الحزب الديمقراطي الليبرالي'' يفضلان على ما يبدو جولة كبيرة أخرى من الإنفاق على الأشغال العامة حيث يقول ''آسو'' إن هذه المشاريع، مثل بناء الطرق ودفن خطوط الهاتف وغيرها عانت من الإهمال في الماضي ومن شأنها المساهمة في خلق وظائف ما أحوج البلاد إليها·
ومن جانبه، يرى ''ريتشارد كو''، وهو أحد مستشاري ''آسو'' الاقتصاديين وكبير الخبراء الاقتصاديين في معهد نومورا للبحوث أنه إذا كانت اليابان بصدد الغرق في ما يبدو، من المؤكد أنه سيكون أسوأ فترة ركود تمر بها منذ الحرب العالمية الثانية، لا شيء يمكن أن يُنتج مزايا وفوائد اقتصادية أكثر وبسرعة أكبر من إنفاق حكومي كبير على الأشغال العامة إذ يقول: ''يمكنك أن تنتقد الأشغال العامة كما تريد، غير أنه في هذا النوع من الركود الذي تتوقف فيه الشركات والأفراد عن الإنفاق، يصبح الإنفاق الحكومي أمراً أساسياً ولامفر منه ··· إننا في حاجة إلى السرعة أكثر من أي شيء للرد على هذه الأزمة''·
كما يرى ''كو'' أنه إذا كانت الأشغال العامة في عقد التسعينيات قد أثقلت كاهل الحكومة كثيراً، فإنها حالت في الوقت نفسه دون انزلاق الاقتصاد إلى الكساد، رغم انهيار أسعار الأصول بنسبة 80 في المئة بعد انفجار الفقاعة إذ يقول: ''إن معدل البطالة لم يتجاوز أبداً 5,5 في المئة··· والحق أن الأشغال العامة كانت وسيلة فعالة جدا لتحفيز الاقتصاد، وإنْ كانت بعض المشاريع المنجَزة لا تخلو من غباء في الحقيقة''·

بلين هاردن - طوكيو
ينشر بترتيب خاص مع خدمة
لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا