الاتحاد

أسر ممتدة لا أسرة واحدة


الحديث عن الاسرة وروابطها التي طالها ما طال المجتمع من ثقافات دخيلة تضرب بجذورها دونما هوادة امر شائك وصعب الآن لأن محاولة حصر الاسباب وتحليل النتائج اثبتت فشلها لطبيعتها الهلامية المتداخلة وبالتالي فالحلول والمقترحات لانقاذ الهرم الاسري من الانهيار مازالت عاجزة عن تحقيق الشكل الاصيل للاسرة العربية بكل قناعاته وقيمه التي ميزته عن باقي المجتمعات وسواء كان المرجع لهذه القيم أو تلك المعتقدات دين يوصي خيرا بالآباء ويجعل برهم بعد الايمان بالله مباشرة·· او عرف توارثناه منذ القدم يحرص على احترام الكبير والعمل بمشورته والاعتزاز والفخر بالانتماء اليه·
او حتى عادة دأبنا عليها مقلدين فيها آباءنا دونما تفكير وترسخ في عقلنا الباطن وملك منا الوجدان حب الجد والجدة منذ الصغر فأصبحا بالنسبة الينا الحضن الدافئ والحنان الخالص والتدليل الذي لا ينقطع والحلوى في كل الاوقات·
هذا الشكل الحميمي في اسرنا اصبح يشوبه الكثير من افرازات زمن الانكفاء على الذات والأنانية المفرطة والمصلحة الخاصة ولو على حساب اقرب الناس الينا·
وسواء كانت مفرداتنا الحياتية هي التي ابتلعت كل اهتمامنا وتركيزنا ولم تترك لنا الا خيار العدو خلفها او كان سلم قيمنا الذي تهدمت تدرجاته بفضل انفتاحنا غير الواعي على ثقافات وقيم الآخرين·
فالنتيجة المخزية الاف من دور العجزة والمسنين على مستوى البلاد العربية من الخليج الى المحيط بعضهم اجبرته ظروف الوحدة والآخر وهم كثر اتى بهم ابناؤهم للتخلص من عبء رعايتهم·
وهنا تبدأ مأساة المسن الحقيقية ففي بداية التحاقه بالدار يفاجأ بنظام وقوانين لم يعتدها في منزلة فبدلا من ان يستريح بعد رحلة شقائه في الحياة ويستمتع بدفء الاسرة وحميمة اللمة يجد نفسه وسط غرباء لا يجمعهم سوى الوحدة والمرض وجحود الابناء في اواخر العمر·
ويكون عليه الاستيقاظ مبكرا لأن اغلب هذه النزل تضع مواعيد لتناول الطعام ولترتيب وتنظيف الغرف وهو مطالب بالمحافظة على المكان حوله وان يلتزم الهدوء والا يتدخل في شؤون الآخرين ولا يعترض على شيء·
فقد رأيت عن قرب لخمس سنوات متواصلة منتهى اللانسانية وقتل الروح في مثل هذه الدور·
وتمضي الشهور والسنوات تتباعد فيها زيارات الابناء لآبائهم ويقل الاهتمام لينتهي الحال بهم الى خرف الشيخوخة أو الزهايمر فتبدأ ادارة الدار نفسها في التذمر منهم ومع الوقت يصبحون عبئا ثقيلا الى ان يأتي اليوم الذي يرن فيه هاتف احدهم طالبا منه الحضور لنقل والده أو والداته الى المستشفى لأنها في حالة حرجة وما هي الا بضعة أيام وينتهي كل شيء·
وهناك الكثير والكثير من المآسي والحكايات الحزينة عن احوال المسنين بما يكفي مجلدات ·
من هنا كان الاتحاد النسائي العام موفقا حين خصص جائزة الاسرة المثالية لهذا العام برعاية صاحبة الفضل والايادي البيضاء سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك أم الإمارات للاسرة الممتدة وليته يتبنى حملة قومية شاملة في هذا الاتجاه لتكون كل الاسر ممتدة وليعود الشكل الاصيل لأسرنا العربية التي تضم في احضانها اكثر من جيل ولتبقى دور المسنين لمن ليس له احد يرعاه·
نعم فما احوج الجد والجدة الى البقاء وسط أسرهما والى دفء تواصلهما مع ابنائهما واحفادهما واحساس ذويهم بهم·
وما احوجنا نحن الى وقفة جادة مع انفسنا وما نقوم به تجاه آباء افنوا حياتهم فداء لنا ومنحونا كل الحب والأمان حتى اشتد العود واثروا على انفسهم راضاء لنا·
ما احوجنا ان نبقى الشيوخ الركع الذين قال عنهم الحديث الشريف لولا أطفال رضع وشيوخ ركع وبهائم ترتع لأوشكت السماء ان تطبق على الارض من فعل ابن آدم·
في بيوتنا ترحما بوجودهم معنا واحتماء بهم وبدعواتهم من غضب السماء ويدور الزمان سريعا لنجد أنفسنا مكانهم·· فليتنا نتذكر قبل أن نصبح لا حول لنا ولا قوة·
أمل المنشاوي
صحفية مصرية - أبوظبي

اقرأ أيضا