الاتحاد

تقارير

المصالحة العراقية شرط الانسحاب المسؤول

المصالحة العراقية شرط الانسحاب  المسؤول

المصالحة العراقية شرط الانسحاب المسؤول

يلقى إعلان أوباما عن انسحاب معظم القوات الأميركية المرابطة في العراق بحلول شهر أغسطس من العام المقبل ترحيباً كبيراً، لأنه بمثابة إعلان عن وضع حد للحرب الكارثية التي شنتها إدارة بوش· وعلى رغم ما يثيره فينا هذا الإعلان ودنو موعد الانسحاب من شعور بالارتياح، فإن علينا أن نولي اهتماماً كبيراً لرسم استراتيجية الانسحاب هذه· فمثلما كان الغزو حدثاً مفارقاً بالنسبة للعراق وغيره من دول المنطقة -سواء كان من ناحية تحريره للعراقيين من قبضة الاستبداد والطغيان، أم من ناحية الدمار الذي ألحقه بالكثيرين- فسوف تكون مغادرة الجنود الأميركيين للعراق حدثاً كبيراً وفارقاً هي الأخرى· ويكمن الخطر في انسحاب متعجل يقدم الأولويات العسكرية على المعطيات السياسية، ويخفق في الأخذ في الاعتبار برأي الفئة الغالبة من العراقيين والدول الإقليمية المجـــاورة، ولا يأبه كثيراً لهشاشة الوضع الأمني والسياسي في العراق· ولكن ما يطمئن في هذا الأمر أن أوباما أصاب في رؤيته لاستراتيجية الخروج هذه·
ففي الخطاب الذي ألقاه في معسكر ''ليجيون'' بولاية كارولاينا الشمالية في السابع والعشرين من فبراير المنصرم، تحدث الرئيس عن استراتيجية انسحاب تتألف من ثلاثة مستويات وأبعاد، بما فيها الانسحاب المدروس والمسؤول للألوية القتالية من العراق، وتوفير ضمانات استمرار الدبلوماسية المستدامة، حرصاً على استدامة العراق وازدهاره، إلى جانب تبني استراتيجية شاملة للتصدي لمشكـــلات وأزمــات المنطقة إجمالا· وتحدث أوباما تحديداً عن مساعدة الأمم المتحدة في دعمها للانتخابات الوطنية التي تجرى في العراق، والتوسط في إبرام الاتفاقات حول القضايا المختلف عليها بين العراقيين، فضلا عن بناء وتحسين المؤسسات الوطنية·
وقد حذر عدد من كبار القادة العسكريين الأميركيين، ابتداء من الليفتنانت جنرال راي أودورينو وما دونه من الجنرالات، من أن تتبدد المكاسب الأمنية الكبيرة التي تحققت خلال العامين الماضيين، فيما لو لم يكن الانسحاب مدروساً بعناية كبيرة، وتم تنفيذه بما يكفي من الحكمة والحذر· لكن ورغم هذه التحذيرات، فإن عدداً من مسؤولي الإدارة يعولون كثيراً على الانتخابات البرلمانية العراقية المقبلة، ويرون فيها ما يوفر أهم شرط للانسحاب من العراق· وهذا ما أكدته لي المناقشات التي أجريتها خلال الشهر الماضي مع عدد من المسؤولين· فقد رأيت في حديثهم ما يؤكد أخذهم بالانتخابات البرلمانية العراقية المقبلة، دليلا قاطعاً على قدرة العراق على الإمساك بزمام أمره وتولي مسؤولياته كاملة عقب الانسحاب الأميركي منه· بيد أن هذا التعويل الأحادي الجانب على الانتخابات البرلمانية أعرج وفيه خطر كبير على أمن ومستقبل العراق، لعدة أسباب· أولها أن التقارير الإخبارية تشير دائماً إلى شهر ديسمبر المقبل، باعتباره موعداً لإجراء الانتخابات البرلمانية المرتقبة· ولكن الحقيقة أن جدولها الزمني لم يحدد بعد، ولا يزال في انتظار التشريع من قبل البرلمان· وفيما لو أخذنا بدروس الماضي القريب، فليس مستبعداً أن يطول أجل صدور التشريع الخاص بتحديد موعد الانتخابات هذه، خاصة وأنها تنطوي على مخاطر وخلافات كبيرة بين الأطراف المتصارعة· وحسب نص الدستور، من المتوقع أن يجرى الاقتراع بنهاية شهر يناير ·2010 ولكن لنذكر أن انتخابات المحافظات التي أجريت في يناير المنصرم، تأخر الإعلان عن نتائجها لمدة أربعة شهور بسبب الخلافات السياسية التي أثارتها· وحتى إذا سارت الأمور وفقاً للجدول الزمني المحدد لها، فمن المتوقع أن يستغرق تشكيل حكومــــة جديـــدة فترة من الوقت· فبينما استغرق تشكيل الحكومة الجديدة أربعة شهور في عام ،2005 يلاحظ أنه استغرق ستة شهور في عام ·2006 وعليه فليس ثمة سبب واحد يدعونا للاعتقاد بأن الأمر سوف يستغرق وقتاً أقل هذه المرة·
وفوق ذلك كله، فإن إجراء الانتخابات العراقية بحد ذاتها لا يؤكد كثيراً استقرار الديمقراطية العراقية· فطالما تصر عليها واشنطن وتوفر لها البيئة الأمنية الملائمة، فهي تجرى ولا ضير منها· ولكن لا يؤكد ذلك استمرارها عقب الانسحاب الأميركي من العراق، وربما لا يمثل إجراؤها شرطاً لاختيار من يحكم العراق؟ هذا لا يعني عدم تشجيعها أو التراجع عنها من جانب واشنطن· ولكن علينا أن ندرك أن الانتخابات لا توفر ضمانة لاستقرار وتقدم الممارسة الديمقراطية في العراق· وبينما انحسر العنف العراقي، لا يزال النظام السياسي هشاً وعاجزاً إلى حد كبير· وبالنتيجة، لا تزال النزاعات السياسية قائمة حول اقتسام وإدارة السلطة والثروة النفطية في البلاد، وبخاصة إقليم كركوك ومجمل عائدات الثروة النفطية· ومن المؤكد أن هذه الخلافات سوف تقرر المسار الذي سيتخذه العراق بعد مغادرة القوات الأميركية لأراضيه· وإذا أرادت إدارة أوباما خروجاً لا يضطرها لإبقاء عدد مقدر من الجنود، أو العودة مرة أخرى إلى العراق في حال تشرذمه وتشظيه، فإن عليها ألا تعول كثيراً على الانتخابات البرلمانية المرتقبة، بقدر تعويلها على عقد مصالحة وطنية جامعة بين كافة الأطراف العراقية، تؤمن لهم المشاركة في النظام السياسي الذي يعقب المصالحة·
وفي سبييل تحقيق هذا الهدف، ينبغي للإدارة أن تدفع بجهود الأمم المتحدة الرامية إلى لم الشمل العراقي تحت مظلة واسعة شبيهة بتلك التي أقيمت لأفغانستان· وفي خيمة أو مظلة المصالحة هذه، لا بد من مشاركة الدول المجاورة للعراق، لما لها من مصلحة أكيدة في استقراره وأمنه ووحدته· وعلى دول الجوار أن تمد يدها وتدلي بدلوها في عملية المصالحة الوطنية هذه·

جوست هلترمان
نائب مدير برامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمجموعة الأزمات الدولية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة كريستيان ساينس مونيتور

اقرأ أيضا