أرشيف دنيا

الاتحاد

مأساة أسرة مهاجرة


إعداد-هالة دروج:
في مساء الحادي والعشرين من نوفمبر عام 2005 كانت السيدة رحاب عامر تعيش في إحدى ضواحي ميشيغان التي تقطنها أكثرية مسلمة، وكانت قد انتهت للتو من حمام اثنين من أطفالها وعلى وشك البدء بحمام طفلها الثالث سمير البالغ من العمر عامين عندما رن الهاتف· وضعت الأم سمير في حوض الاستحمام وتوجهت للرد على الهاتف وما أن وصلت إليه حتى سمعت صوت ضربة· أسرعت رحاب عائدة لترى ما حدث لتجد طفلها في الحوض مستلقيا على ظهره فاقدا للوعي فطلبت مساعدة زوجها الذي هم بالاتصال بالاسعاف لكن الطفل توفي في اليوم التالي أثناء وجوده في المستشفى·
كان فقدان سمير بالنسبة الى المهاجرين اللبنانيين رحاب وزوجها أحمد تجربة أكثر من مريرة· لكن ما مر بهما بعد ذلك كان أشد مرارة· فقد أصدرت المستشفى شهادة وفاة تشير فيها إلى أن سمير قد قتل على يد أمه· وبالرغم من أن هيئة المحكمة برأتها من تهمة القتل من الدرجة الثانية كانت شهادة الوفاة كافية لتدمير حياة الزوجين لأكثر من 19 عاما·
فعلى مدى هذين العقدين عاشت العائلة حالة من الفرقة والشتات بسبب هيئة الخدمات الاجتماعية التي ظلت مقتنعة بذنب الوالدين ورفضت عودة أطفالهما إليهما· ومرت رحاب بظرف سلبت منها ابنتها الصغيرة بعد يوم واحد من ولادتها· وبالرغم من معركتهما الناجحة لإثبات براءتهما شعر الزوجان أن أبناءهما الذين أصبحوا الآن كبارا باتوا غرباء عنهما ومقربين جدا من الأسرة التي تبنتهم وقامت برعايتهم خلال السنوات الماضية·
براءة·· ولكن!
بعد سبعة أشهر من وفاة الطفل سمير أصدرت المحكمة قرارها ببراءة رحاب من الجريمة المنسوبة إليها، إلا أن الخبير المسؤول في هيئة الخدمات الاجتماعية رفض أن يسمح بعودة طفليها إليها إذ كانا قد وضعا في ملجأ بعد يومين من وفاة شقيقهما سمير· وقد ظل المسؤولون يعتقدون أن الابن الأكبر محمد علي الذي كان في الثالثة من عمره آنئذ وشقيقته سهير توأم سمير كانا ما يزالان في خطر·
بعد أربعة أشهر من براءتها أنجبت رحاب ابنتها زينب وهي ما تزال تتذكر كيف جاء المسؤولون من هيئة الخدمات الاجتماعية في اليوم التالي بعد خروج زوجها من زيارتها وأخذوا الطفلة منها· وقد قال هؤلاء أنه بالرغم من تبرئتها إلا أن القضية ما تزال تتضمن الكثير من الحقائق التي لم يريدوا إفشاءها والتي تشير إلى خطأ رحاب في تلك الحادثة· على مدى السنوات الست التالية سمح للزوجين بزيارات قليلة تحت المراقبة لأطفالهما الذين تنقلوا بين ملاجئ كثيرة· ثم في عام 1992 أخذ الأطفال الثلاثة بدون معرفة والديهم للعيش مع الزوجين إيسي وويلارد ستامبر اللذين يعيشان على بعد ساعة تقريبا من سكن رحاب وزوجها اللذين لم يتمكنا من رؤية أطفالهما لأكثر من تسع سنوات· خلال هذه الفترة تغير اسم محمد علي البالغ من العمر الآن 22 عاما إلى آدم وتحولت سهير وزينب إلى سوزان وزيني· وأصبح هم رحاب الوحيد أن تثبت لأبنائها أنها بريئة·
ظلت رحاب تعيش مع زوجها في منزلها المكون من طابقين والذي تزين جدرانه صور الأطفال وهم صغار· قضت الأم أوقاتها بالبكاء فهي لا تعرف شيئا عن مصير أبنائها وتنتابها مشاعر الذنب الممزوجة بالغضب من الظلم الذي تعيشه هي وزوجها· في الطابق العلوي ما تزال غرف الأطفال على ما كانت عليه فأسرتهم مرتبة تنتشر فوقها الكثير من الدمى، حتى ملابس الأطفال النظيفة والمكوية ما تزال معلقة فيها·
قام الزوجان بحملة إعلانية كبيرة للفت الرأي العام لقضيتهما، وتمكنا عن طريق أحد الصحفيين من التعرف على هوية الزوجين اللذين تبنيا أطفالهما الثلاثة· في أغسطس من عام 2002 كان محمد علي قد بلغ الثامنة عشرة وعلى وشك الالتحاق بمدرسة في ولاية تكساس لكنه قرر أن يلتقي مع والديه الحقيقيين وذلك بموافقة والديه بالتبني اللذين لم يكونا قانونيا مؤهلين للسماح بمثل هذا اللقاء قبل أن يصل الأبناء إلى سن الثامنة عشرة· والتقى الابن الأكبر مع والدته ووالده اللذين لم يتمكنا من رؤيته لأكثر من 12 عاما· وفي اليوم التالي قامت عائلة ستامبر بدعوة رحاب وزوجها إلى المنزل لرؤية الابنتين سهير وزينب اللتين لم يرياهما منذ أن كانتا في الثانية من العمر· وكان اللقاء بالتأكيد مؤثرا للغاية حاولت رحاب خلاله أن تؤكد لأبنائها أنها لم تقتل أخاهم سمير· وتتالت اللقاءات واشتركت العائلتان في لحظات سعيدة من الاحتفال بأعياد الميلاد وحضور حفلات التخرج· ووصل الأمر إلى حد المشاركة في الممارسات الدينية فكان الزوجان عامر يقصدان الكنيسة مع أبنائهما ويصطحبانهم معهما إلى الجامع· لكن الفرحة لم تدم طويلا·
الظلم ·· ظلمة
فنشوة اللقاء لم تنس رحاب الظلم الذي وقع عليها من جراء شهادة الوفاة الصادرة من المستشفى التي قضى فيها ابنها سمير· لذلك ظلت تعيش تلك الرغبة العارمة في تصحيح الخطأ الوارد فيها· اعتقدت الأم أن إثبات براءتها سيقرب أبناءها منها أكثر فأكثر· لذلك قدمت التماسا للمحكمة تطلب فيه تشريح جثة ابنها المتوفي وتم ذلك بالفعل وأكد الطبيب المسؤول أن وفاة الصبي كانت قضاء وقدرا·
تقول رحاب: 'كنت أشعر وكأنني أمر في نفق مظلم وأن نتائج فحص جثة طفلي هي الضوء الذي ينتظرني في نهاية النفق· كنت أشعر أن ابني كان يصرخ من قبره في وجه كل من كان سبب في تشتت عائلتنا ليقول لهم أنني لم أقتله وأنه يجب عليهم أن يتركونا نعيش بسلام· لكن ما حدث كان عكس ذلك تماما وكان بالغ القسوة علينا· اعتقدنا أن تشريح الجثة سيضع حدا للكابوس الذي نعيشه· لكن أبناءنا انقلبوا ضدنا· أتمنى أن يكون الزوجان ستامبر موضوعيين ويحاولا إدراك الحقيقة· فصحيح أنهما اعتنيا بأبنائي ولكن لو كانا فعلا يهتمان لأمرهم عليهم أن يتقبلوا عودتهم إلي'· وتحاول رحاب دائما أثناء الحديث عن المسألة توجيه اتهامها إلى الزوجين ستامبر اللذين تبنيا الأولاد·
لكن الزوجين ستامبر لهما روايتهما الخاصة وقد سئما تناول القضية من وجهة نظر الزوجين عامر على مدى السنوات التي امتدت عليها حملتهما الإعلامية· تقول إيسي ستامبر البالغة من العمر 68 عاما: 'نحن لسنا شريرين· كل ما قمنا به أننا اعتنينا بالأولاد ونحن نحبهم كثيرا· ورحاب وزوجها يحبان أولادهما كثيرا أيضا· كان من الممكن أن تسير الأمور بسلاسة لو أنها أرادت ذلك لكنها امرأة عنيفة· لقد تهجمت علي واتهمتني بأنني أقنعت أطفالها بأنها هي من قتلت شقيقهم وأنني وزوجي نشعر بالغيرة من براءتها· أنا لا أستطيع أن أصدق ذلك· أما إعادة تشريح الجثة فهو أمر لم يغضبني أنا بل استثار الأخت التوأم· كل فترة يخرج الزوجان عامر بقصة جديدة في الإعلام ليوجها اللوم والاتهام لنا بأننا السبب وراء جفاء أبنائهما· لكن ذلك غير صحيح ومجرد أن أبدى آدم الرغبة في لقائهما شجعته على الاتصال وأقنعت البنتين بالاجتماع بهما بالرغم من أنهما كانتا تشعران بالخوف وقمنا بتبادل الزيارات لفترة طويلة'·
الغريب أن الأبناء الذين تجاوزوا جميعا السن القانونية لا يبدون حماسا للقاء رحاب وزوجها· وتظل حقيقة ما حدث بين العائلتين في علم الله فكل يروي القصة من وجهة نظره ليبرز أخطاء الطرف الآخر· وفي خضم هذه المعركة يظل الزوجان عامر يعانيان من تشتت أسرتهما ويأملان في أن تحدث معجزة تبدد ظلام الحياة التي يعيشانها· لكن هل تستطيع المعجزة أيضا أن تعيد الزمن عشرين عاما إلى الوراء لينعما برؤية أطفالهما يكبرون في ظل رعايتهما؟

اقرأ أيضا