أرشيف دنيا

الاتحاد

لغز أبلة هدى

القاهرة ـ طارق رضوان:
كانت مدرسة الموسيقى 'أبلة هدى' أجمل مدرسات المدرسة، فارعة بيضاء وشعرها اصفر طويل وبعينين خضراويين واسعتين، وعندما كانت تنظر لاحد التلاميذ وتبتسم كان اقرانه يحسدونه لانها نظرت اليه وحده· كانت من أسرة فقيرة تضم سبع اخوات وهي الثامنة ولانها كانت فائقة الجمال تزوجت وهي طالبة في معهد الموسيقى لما تتجاوز السابعة عشرة من عمرها من رجل يكبرها بعشرين عاما· ورغم انها كانت ترفض الزواج وهي صغيرة، إلا ان والدها اقنعها بأن الحياة اصبحت صعبة وفي رقبته سبعة ابناء غيرها ويريد ان يخف الحمل عليه·
كانت تعشق الموسيقى في حين كان زوجها يرى الموسيقى ضوضاء ولعب عيال، ويمنعها من ان تمارس هوايتها في وجوده· وكانت تنتظر لحظة خروجه من البيت فتسرع الى آلة الكمان وتعزف دون توقف وكأنها كانت تعزف لاحلامها التي قُتلت في مهدها·
ولجمال 'ابلة هدى' الفائق كان زوجها يغار عليها غيرة شديدة· كان يريد ان يضعها في حجرة ويغلق عليها الابواب والنوافذ كي لا يراها احد، بينما كانت هي تعشق الحرية والانطلاق·
نقطة ضعف
ودبت خلافات كبيرة بينهما كي يتركها تعمل في التدريس وبعد الحاح متواصل وافق لأنه كان يشعر بضعف شديد امامها بعد ان تأكد من انه عقيم لا ينجب· وكانت هذه المشكلة نقطة ضعفه الكبرى، وجعلته مكتئبا وحزينا اما هي فلم يكن يشغلها هذا الأمر بالمرة، وكانت تختلس دقائق سعادتها وهي تعيش بين الآلات الموسيقية واصوات غناء الاطفال· وتطورت العقدة لدى الزوج وصار شديد الغيرة والشك وكان يراقبها في كل خطوة ويفتش ملابسها وحقائبها وكان يود ان يفتش عقلها واحلامها، وعندما تقدمت به السن زادت الغيرة والشك واصبح لا يهدأ الا بضربها يوميا، وكانت كثيرا ما تذهب الى المدرسة وحول عينيها هالة من السواد لكثرة الضرب، وكانت دائما حزينة ولا يعرف أحد سر حزنها الكبير وازدادت غيرة زوجها ومنعها من العمل لفترات طويلة لكنها كانت تعيش وتتنفس في حجرة الموسيقى وتلح عليه ان تعود لعملها وهو يرفض وبعد الحاح اصدقائها كان يوافق مرغما· وكثيرا ما كان يدخل عليها حجرة الموسيقى في المدرسة ويتشاجر معها امام زملائها في العمل وهي تبكي صامتة ولا ترد عليه وعندما يتركها ويذهب تنهار في حجرتها وتبكي وحيدة· كانت كوردة تذبل وينطفئ بريقها رويدا رويدا، وحزنها الكبير كان يعطيها اعواما كثيرة فوق سنها·
وذات مرة انقطعت عن المدرسة وتساءل زملاؤها عن سر غيابها المفاجئ، وطالت مدة غيابها فذهب الزملاء ليطمئنوا عليها ووجدوا زوجها يحبسها في البيت ولم يجدوا في جسدها جزءا سليما· فقد تشاجر معها وضربها بكل قوته وتركها محبوسة في البيت فاخذها الزملاء وذهبوا بها الى المستشفى ومكثت فيه ثلاثة اسابيع تعالج من الكسور· وعادت إلى البيت لتكمل العلاج وفشل كل المقربين والاهل في اقناع زوجها بالاعتدال معها او ان يطلقها لكنه لا يطيق فراقها ولا يستطيع مقاومة شعوره بالغيرة·
واستمرت حياتها بين شك وغيرة وضرب واصابات وتخرج تلاميذها من المدرسة وودعوا 'ابلة هدى' وهم في حزن شديد لفراقها· وظلت عشرة اعوام بعد ذلك على نفس الحال وكان زوجها قد وصل الى حالة هستيرية في شكه وغيرته حتى انه في احدى المرات ربطها في المقعد ثلاثة ايام كاملة دون ان تتحرك وكان يقدم لها الطعام والماء وترفض وتكتفي بالبكاء حتى جاء الاقارب واستطاعوا ان يحرروها من الحبس والحبال، ووقتها قررت ان تغير حياتها وتعيش الحرية كما تريد هي؛ فهربت من البيت لمدة عام فشل كل من حولها في معرفة طريقها حتى اخوتها وزوجها وظنوا انها قد انتحرت، وبعد عام من الغياب عادت وكانت امرأة اخرى تماما؛ متحررة من كل القيود وتمتلك سيارة فاخرة واشترت شقة جديدة، وكان لها حراس شخصيون يحمونها ويمشون خلفها في كل مكان واصبحت تعيش حياة الثراء·
ورفضت ان تقابل احدا من اصدقائها القدامى، وطلبت مقابلة زوجها لتطلب منه الطلاق لكنه رفض وحاول ان يضربها لكن حراسها ضربوه وألقوا به خارج البيت وهددته ان لم تصل اليها ورقة الطلاق فستقتله ولن يعرف احد من القاتل وبعد عدة محاولات وضغط على زوجها طلقها وتنازلت عن كل حقوقها·
واصبحت 'أبلة هدى' الجميلة الوديعة لغزا محيرا وقال احدهم انها كانت بصحبة رجل ثري اخذت منه كل هذه الثروة· وقال آخر انها عملت مطربة لان صوتها جميل وكسبت ثروتها من الغناء في الملاهي الليلية· وقال آخر انها عملت راقصة بالملاهي وكسبت ثروتها من الرقص، وتكاثرت الشائعات حولها لكن احدا لم يعرف سر هذا الثراء الفاحش·
كانت تنفق ببذخ على اخوتها وامها واشترت لهم شقة كبيرة وانتقلوا اليها ولم تحاول الاتصال بأقرب صديقاتها· وكان لها نفوذ كبير تفعل ما تريد وتشتري اراض زراعية واراض للبناء، واصبحت خلال عام من كبار سيدات الاعمال وتزوجت مسؤولا في احدى الوزارات وانجبت طفلا اطلقت عليه 'حليمو' لحبها الشديد لعبدالحليم حافظ· واصبحت تمتلك ثلاث عمارات وأراضي زراعية واسطولا من السيارات الفارهة وماتت لديها الرومانسية والوداعة لكن جمالها لم يمت فقد كان يزداد كلما تقدمت في العمر·
كان هناك لغز محير في حياتها هو تردد فتيات صغيرات على بيتها كل يوم تقريبا، وكانت تقول انهن عاملات في مصنعها الجديد للازياء الحريمي لكن البنات الصغيرات كن يتغيرن يوميا· وعندما سألها زوجها عن سر هؤلاء الفتيات كانت تقول انها نشرت اعلانا في الصحف تطلب عاملات وسكرتيرات لمصنعها الجديد، واقتنع الزوج بعد ان اعطته نسخا من الصحف فيها الاعلانات التي حدثته عنها· وبعد عدة شهور افتتحت مصنعا جديدا لملابس النساء والاطفال وفي حفل افتتاح مصنعها كان هناك عدد كبير من الشخصيات المرموقة وكثير من المحطات التليفزيونية التي تعلن عن افتتاح المصنع الجديد· واصبحت هدى هانم لغزا محيرا لدى الكثيرين الى ان انكشفت فجأة وانكشف معها لغز ثرائها الفاحش، فقد ألقت شرطة الاداب القبض عليها بتهمة ادارة بيت للدعارة وتحريض فتيات صغيرات على الرذيلة وسقطت معها في القضية 27 بنتا معظمهن تحت عمر 20 سنة، وتبين انها زعيمة اكبر شبكة للاداب وتورطت معها في القضية اسماء شهيرة وكان دخلها الذي قدرته النيابة مئة الف جنيه شهريا من تسهيل الدعارة، واعترفت بانها تغيبت عن بيتها وزوجها لمدة عام وصاحبت احد الاثرياء واخذت منه اموالا طائلة سجلها باسمها لانه كان مدينا للبنوك وعندما قُبض عليه لتعثره في سداد الديون اصبحت تمتلك تلك الثروة الكبيرة· وكانت قد تعرفت على ثلاث فتيات كن معها بصحبة الثري وبدأت عملها المنافي للاداب مع هؤلاء الفتيات ثم وسعت نشاطها واستقطبت فتيات اخريات للعمل معها بمئتي جنيه يوميا· ولكثرة مكاسبها اصبحت تمتلك هذه الثروة الكبيرة، ولكي تخفي مصدر ثروتها اشترت الاراضي والعقارات وتاجرت في الملابس حتى افتتحت مصنعا لم تهنأ به كثيرا حيث القي القبض عليها بعد شهور من افتتاحه وفور القبض عليها طلقها زوجها الثاني واخذ منها ابنها الوحيد 'حليمو'·

اقرأ أيضا