أرشيف دنيا

الاتحاد

الشموع مُحارِبة الظلام العنيدة


دمشق ـ عمّار أبو عابد:
وجد الشمع في حياة البشر منذ أقدم العصور، فبعد أن اكتشف الإنسان النار اكتشف الشمع الطبيعي الذي أخذه من خلايا النحل، ومع تطور البشرية اتخذ الشمع أبعاداً جديدة ومناحي عدة، فارتبط بالأعياد المقدسة والزيارات لبيوت الله سواء المساجد أو الكنائس والأديرة· وفيما بعد اتخذت الشمعة صفة المؤنس للأصدقاء والأحبة لما تخلقه من أجواء خاصة في الأماكن والسهرات·
والشمعة هي كائن حي بالمفهوم التجريدي لأنها تتنفس الأوكسجين، وهي مرتبطة بمفاهيم العبادة والحب والجمال·
أماكن وجود الشمع
وجد الشمع في الطبيعة على شكلين: شمع العسل الذي يستخرج من المناحل، والشمع الموجود في بعض الشجيرات الصغيرة، وهي قليلة الوجود، لكنها تكثر في قسم من أمريكا الجنوبية، وبعض مناطق آسيا الشرقية واليابان، وبعد تطور مفهوم الصناعة عند الإنسان، وقبل اكتشافه النفط صنع الشمع من دهون الحيوانات، ثم من خلال تكرير النفط في المعامل البتروكيميائية·
استخدامات الشمع
الشمع عالم واسع جداً، وله استخدامات عدة سواء في الزراعة أو الصناعة أو الزينة أو الإنارة أو الطب، وبشكل عام يستخدم الشمع الطبيعي في المجال الطبي، كالمواد التجميلية وبعض الأدوية وتحديداً شمع العسل، أما في مجال الإنارة، فلقد تقلص دور الشمع بعد اجتياح الكهرباء للمنازل والحياة الجديدة كلها، وأصبح يستخدم كرمز في المناسبات السعيدة فقط، ولذلك أصبحت صناعة الشمع تتجه نحو الاهتمام بشكل الشمعة من ناحية جمالية، وصناعة الأشكال والألوان المختلفة منها·
لم يرتبط الشمع بطائفة بعينها أو بديانة بذاتها، إنما ارتبط بالإنسان وبعباداته مهما كانت، ولذلك اتخذت الشمعة رمزاً متشابهاً في الأديان بشكل عام، وهي رمز النذر، ولذا يتم إشعالها عند تحقق الأمنيات·
ومن هنا اتخذت الشمعة معنى الأمل، وتحقيق الأهداف الغالية للإنسان· ومن المناسبات التي مازال تقليد إشعال الشمع جارياً فيها هي أعياد الميلاد، واختلفت تقاليد هذا الإشعال، فبعد أن كان يشعل الشخص شمعة عن كل عام مر بحياته، أصبح العيد يؤجج بشمعة واحدة كبيرة وجميلة، إما على شكل شجرة أو قلب أو ذات أضلاع أو بزخرف معين، وهذه الأشكال توضع إلى جانب قالب الكاتو، ويعود تعامل كل شخص مع الشموع حسب حالته النفسية ومعتقداته وأسلوبه في الحياة، فكثيراً ما نجد أشخاصاً يحبون الشمع ذا الشكل الجميل لتزيين منازلهم، بينما نرى آخرين يشعلون شموعاً غالية الثمن وجميلة جداً وذات خيط غير نظامي، وبالمقابل هناك من لا يهتمون إطلاقاً بالشموع وباشعالها، والآن انضم عيد الحب أو عيد القديس فالانتاين كمناسبة سعيدة، تشعل فيها الشموع بالإضافة إلى أعياد الميلاد والأعراس والنذور وغيرها·
صناعة الشموع اليدوية
حدثنا الحرفي الفنان إميل إلياس عن صناعة الشموع اليدوية فقال: يصنع الشمع بطريقتين: الأولى في قوالب جاهزة، وهذه يتم تصنيعها يدوياً أيضاً، ورغم وجود قوالب جاهزة من أوروبا، إلا أننا فضلنا تصنيعها يدوياً، ولذلك جهزنا ورشة عمل متكاملة بدءاً من صناعة القوالب حتى تجهيز الأفران للتجفيف ثم التلوين،
و كل ذلك من خلال دراسات دقيقة للغاية· والطريقة الثانية لصناعة الشمع هي المنحوتات الشمعية، وهي تعتمد على التجريد في الرسم، وهي طبعاً من دون قوالب·
طرق التصنيع
ويضيف الفنان إميل: أما طريقة التصنيع فتتم بتذويب الشمع الأبيض، وصبه في القوالب، حيث يذوب الشمع الجيد ضمن درجة حرارة تتراوح بين 60 ـ 70 درجة· أما الشمع المراد صناعة كتل كبيرة منه سواء تماثيل أو منحوتات، فيذوب بدرجة حرارة أعلى، وقد تصل إلى 150 درجة مئوية، وهنا على الصانع توخي الحذر الشديد في التعامل مع مادة الشمع في حرارة كهذه، لأنها تصبح خطرة، لسرعة اشتعالها وهبوب النيران بها· ولا يتم تذويب الشمع في درجات حرارة عالية إلا نادراً ولأعمال محدودة· وبعد ذلك يصب الشمع المذاب ضمن القوالب الخاصة· وبعد التجارب وجدنا أن الألمنيوم هو الأفضل لصناعة القوالب، لما له من طواعية في التشكل، وسهولة تسخينه وسرعة تبريده، وهو بعكس النحاس الذي يؤثر في الشمع، ويتفاعل معه، ويغير لونه·
مرحلة التجفيف
وبعد صب الشمع تبدأ مرحلة تجفيفه جيداً، وهو يبدأ بالجفاف من السطح الخارجي الملتصق بالقالب تدريجياً، وباتجاه الداخل، ولا بد من إتمام تجفيف وسط الشمعة حتى تأخذ قواماً مستقيماً، ويجري التأكد من ذلك، بلمس سطح الشمعة، فهو يبقى فاتراً طالما أن هناك كتلة داخلية غير جافة· وعملياً يتم تجفيف الشمع بوجود حرارة معتدلة بعيداً عن الرطوبة، وبمكيفات خاصة، وهو يمر بمرحلة عجينية، سهلة التشكل، تتيح لنا تنفيذ بعض الأعمال التجريدية· ويجب الانتباه إلى أن أكثر ما يؤثر على الشمع هو الحرارة الزائدة التي قد تفسد شكله، أما البرودة، فلا تؤثر كثيراً به·
حجم الشمعة وتلوينها
ويركز الفنان إميل على أهمية سطح الشمعة الخارجي، بحيث تظهر براعة الصانع وخبرته بعدم وجود فقاعات أو انتفاخات على السطح، ويرى أن التناسب مهم جداً بين الشمعة وخيط الاحتراق، فكلما كبرت الشمعة يجب أن تزيد سماكة الخيط·
وبالنسبة لورشة الفنان إميل فإنها لا تنتج كتلاً كبيرة من الشموع، إلا حسب الطلب أو التوصية، لأن الطلب على الشموع ذات الكتل الكبيرة قليل، نظراً لتكلفتها العالية·
ويجري تلوين الشموع بألوان وصبغات زيتية خاصة بالشمع، وهي تختلف عن مواد الألوان المستخدمة في الرسم الزيتي، وتمنح الشمعة لوناً لامعاً وبريقاً أخاذاً·
سوق الشموع
تباع الشموع بمختلف أشكالها وألوانها على مدار العام، إلا أن الطلب عليها يشتد في عيدي الميلاد ورأس السنة، ومنذ عدة سنوات أصبح الطلب عليها يشتد أيضاً في عيد الحب (فالانتاين) حيث أصبح الشمع الأحمر الذي يتخذ شكل القلب، يلقى رواجاً واسعاً في هذه المناسبة· أما القطع الفنية المصنوعة من الشمع فتباع بحسب رغبات الزبائن، وتتراوح أسعار الشموع ما بين (25) ليرة سورية أي ما يعادل نصف دولار أميركي، وتصل إلى ستة آلاف ليرة سورية، أي ما يزيد على مائة دولار أميركي، وذلك حسب حجم الشمعة وقيمتها الجمالية· ومهما كان سعر الشمعة فإن قيمتها الرومانسية هي الأهم فهي رفيقة المشاعر الدافئة، ويقال منذ القدم: أشعل شمعة خير من أن تلعن الظلام· وقيل أيضاً: ظلام العالم بأسره لا يستطيع أن يطمس ضوء شمعة صغيرة·

اقرأ أيضا