الاتحاد

دنيا

سلوك الآباء ميزان الأبناء


إعداد ـ مريم أحمد:
هل تشعرين أحيانا أن طفلك ليس سوى اعصار من العواطف المتباينة والمختلفة؟
هل يبدو لكِ أن مزاجه متقلب دائما؟
هل أنتِ قلقة من كَوْنِهِ يُظهِر قدرا مبالغا فيه من مشاعر الغضب، أو الإحباط؟
من الطبيعي أن تُراوِد الأم مثل تلك التساؤلات، لكن لا داعي للقلق، فعالم الطفل مليء بفترات من المزاج العاطفي المُتقلب، والغضب يُعَدّ من المشاعر الطبيعية التي يُظهرها الأطفال الصغار· لكن الوالدين يلعبان دورا مهما في توجيه تلك المشاعر الغاضبة بطريقة ايجابية·
وبالرغم من أن تلك المشاعر الصادرة من جهة الطفل قد تخلق أو تسبب قدرا من القلق والضغط النفسي على الأطراف الأخرى، كالوالدين أو الأشقاء، إلا أنها مشاعر تلعب في الوقت نفسه دورا ايجابيا في عملية النمو البشري·
كيف؟
الإجابة في هذا التقرير الذي يشتمل على آراء وجيهة في التعامل مع غضب الطفل·
تقول الدكتورة فرجينيا شِلَر، الاختصاصية والمُعالِجة النفسية ومؤلفة كتاب (مكافآت للطفل: الاستعداد لفهم الرسوم التوضيحية وأنشطة التربية الايجابية): 'الغضب يحفز الفرد على فرض اعتراف الآخرين بحقوقه بهدف تلبية احتياجاته· وبمرور الوقت، قد يتحول الغضب إلى قتال لأسباب مهمة ذات صلة بالعائلة، أو الأصدقاء، أو حتى المجتمع· وفي النهاية، إن لم يَكُن هناك صراع أو قتال صغير في داخلك، فقد لا تكون مُؤَهّلاً تماما لتولّي المسؤولية أو التأثير على الآخرين'·
ولكي يتحول الغضب إلى قوة ايجابية لدى الطفل، فإن عليه تعلّم كيفية التعبير عنه بطرق اجتماعية مُناسبة ولائقة· هنا، نجد أن الأهل يلعبون الدور الأهم في مثل هذه العملية الاجتماعية·
وتضيف فرجينيا: 'ويُفترض من الوالدين أن يكونا المثل الأعلى الايجابي للطفل، وذلك من خلال اللجوء إلى طرق مناسبة للتعبير عن مشاعر الغضب· كما أن بإمكانهما التدَخّل بطرق وأساليب بنّاءة في حال أظْهَر الطفل غضبا مؤذِيًا'·
لحظات تعليمية
عادةً ما تُسنَحُ الفرصة للأهل للتدخل عندما يُعَبّر الأبناء عن الغضب كُلٌّ حسب طريقته· فإذا ما تفاعل الطفل أو تشاجَر مع أحد أشقائه أو أصدقائه بسبب لعبة ما، ومن ثم قام بدفع أو ضرب الطرف الثاني بهدف الاستحواذ على اللعبة، فإن بإمكان الوالدين أن يُحَوّلا ذلك الموقف السلبي إلى تجربة ايجابية تعليمية· ولا شك في أنه بتعليم الطفل الطرق المناسبة لتلبية احتياجاته، كاحترام الدور والمشاركة، فإن الوالدين بذلك يوجهان طفلهما نحو تحكم وسيطرة 'بنّاءة' على الغضب·
وعلى هذا علقت الاختصاصية الاجتماعية ديبورا غيلبرت روزينبيرغ، وهي أيضا مُعالِجة نفسية ومؤلفة كتاب 'صديق الأم الجديد: اهتمي بنفسك بينما تهتمين برضيعك'، وقالت: 'اشرحا للطفل الخطأ الذي ارتكبه، ولا تُظْهِرا غضبكما من تصرّفِه، فأنتما بذلك تفصِلان العاطفة عن السلوك· أو اقترحا عليه طُرُقًا جديدة للتعامل مع الموقف الذي أثار غضبه'·
وفي الوقت الذي نهدف فيه إلى كبح وضبط السلوك غير المقبول، كالعنف ونوبات الغضب، فإن على الأهل ضرورة الأخذ بعين الاعتبار حقيقةَ أنه لا يتوجب عليهم منع الطفل من الغضب· وما سيُساعد الأهل أكثر إدراك مشاعر الطفل السلبية، ومن ثم ترجمة مشاعره لفظيا أو فعليا، وخاصة في حال كان الطفل غير قادر على التعبير عنها· وعلى سبيل المثال، يمكنكما القول: 'يبدو أنك غاضبٌ جدا لأن ماجد أخذ لُعبَتَك'· ومن ثم اقترحا عليه تمضية وقته في شيء آخر، كأن تقولا له: 'لِمَ لا تذهب للبحث عن لُعبة أخرى لتلعب بها'· وقد أشارت ديبورا غيلبِرت إلى أن 'معظم الآباء والأمهات يعلمون مُسبَقًا أن الطلب من الطفل الغاضب أن يتحدث عن مشاعره سيُشَجّعه على التعبير عنها، عِوَضًا عن اللجوء إلى أساليب أخرى جسدية'·
وبإمكان الوالدين كذلك، كما تُضيف فرجينيا، وضْع خطة مُحَفّزة من شأنها أن تمنح الطفل فرصة للفوز بمُكافآت متواضعة نظير مشاركته ألعابه مع الأطفال الآخرين على سبيل المثال، أو تقديرا لاحترامه لدوره في لعبة ما بدلا عن الضرب، أو الدّفع· وفي خاتمة المطاف، سيُشَجّع ذلك الأطفال على العمل بجهد لاحترام الآخرين، والتحكم في الغضب· وإذا ما شعر الأهل بأن غضب الطفل قد خرج عن السيطرة وأصبح عنيفا، أو مؤذيا، فإن طلب العون سيكون أمرًا مُحبّذاً· وعلى هذا أضافت غيلبرت قولها: ' قد يكون الأهل مُطمَئنّين لمعرفتهم بأن غضب الطفل أمر طبيعي، لكنهم قد يكتشفون أيضا أن الدعم الإضافي والإرشاد ضروريان لأفراد العائلة'·
إيجاد الحلول
تُشير كِرِستين داميكو، وهي مدربة شخصية، إلى أن بإمكان الوالدَيْن مساعدة الطفل بطريقة بنّاءة على التعامل مع الغضب، ولا يكون ذلك عن طريق إحراجه أو إخباره بأن غضبه تصرف خاطئ، فالأطفال بحاجة إلى تعلم كيفية إدراك واكتشاف ما يُثير غضبهم، وعليهم بعد ذلك الاستجابة لمشاعرهم، ولكن بطريقة ' بنّاءة '، ومناسبة· وتُؤكد كِرِستين على أنه من غير المُجدي محاولة معرفة أسباب غضب الطفل حين لا يزال في ثورة غضبه، لذا ' دَعيه يفجر طاقة غضبه أولا، واسمحي له بأن يتصرف وِفْقَ الموقف الغاضب الذي يعيشه في تلك اللحظة· ويمكنكِ مثلا إرساله إلى غرفته ريثما تهدأ ثورة غضبه، أو يمكنكِ الجلوس معه بينما يعبر عن مشاعره·'· وبعد أن يهدأ تماما، تحدثي معه عن السبب الذي أثار غضبه، وساعديه على رؤية كل جوانب وزوايا الموقف· وحاوِلا معًا إيجاد حل جديد يُلبّي احتياجات الجميع، ويرضيهم في ذلك الموقف·
وتُؤكد كِرِستين كذلك على أن بإمكان الوالدين مناقشة الكيفية التي عبّر بها الطفل عن غضبه، كما أن عليهما التأكيد على أن تصرفه لم يكن مقبولا، وأنه بتصرفه ذاك لم يُظهِر أي احترام لنفسه، ولمن حوله· الجدير بالذكر أيضًا أن قراءة كُتُب وقصص تحكي عن أشخاص يتعاملون مع غضبهم بطريقة ايجابية هو أمر قد يفيد الطفل، ويساعده على فهم حقيقة أنه ليس الوحيد الذي تعتريه مثل تلك المشاعر·
سيطرة الوالدين
يحدث أحيانًا ألا يُدرك الأهل أنهم يقدّمون مثلا سلبيا للطفل، من خلال الطريقة التي يتعاملون بها مع الغضب· وهو أمر ينعكس على طريقة تعامل الطفل مع نفس الموقف· تحدثت غِلبِرت عن الأمر، بقولها: 'إذا ما اعتاد الوالدان على الصراخ على بعضهما البعض، أو تسمية الآخرين بأسماء قاسية أو ألقاب مضحكة تنُمّ عن سُخرية، أو اعتادا مثلاً على توبيخ الطفل، فلاشك في أنه سيتعلّم أن تلك طُرق مقبولة للتحكم في الغضب'· وبِناءً على ذلك، تقترح غِلبِرت أن يتعلم الأهل كيفية التغلب والتحكم بغضبهم، والسماح للطفل برؤية واختبار الطريقة التي يتم بها التعبير عن الغضب بصورة ايجابية· وإذا ما شَهِدَ الطفل الطريقة التي يُعَبّر بها والداه عن مشاعر الغضب بعيدا عن العُنف الجسدي، أو التسميات الجارحة، فلاشك في أنه سيُحاول القيام بالمِثل'· وتتفق كِرِستين مع غِلبِرت، بقولها: 'يلعب الآباء والأمهات دورا كبيرا فيما يخص هذا الأمر، فهم يُعَلّمون أبناءهم ما هو جيد، وما هو غير مقبول حين التعبير عن مشاعر الغضب أو الإحباط· ويمكن للأهل القيام بذلك سواءً من خلال ما يتلفّظون به، أو بالطريقة التي يتصرّفون بها في مثل تلك المواقف'· واستطردت قائِلَةً: 'نحن الآباء والأمهات المثال الوحيد للطفل فيما يخص الطريقة التي نستجيب بها لمشاعر الغضب، وعادةً ما يكون سلوك الغضب الطفولي ناتجا عن تقليد أبنائنا لنا'·
مثل أعلى
يُفترض في الوالدين أن يكونا المثل الأعلى الايجابي للطفل، وذلك من خلال اللجوء إلى طرق مناسبة للتعبير عن مشاعر الغضب· كما أن بإمكانهما التدَخّل بطرق وأساليب بنّاءة في حال أظْهَر الطفل غضبا مؤذِيًا·
كما تكونوا يكون أبناؤكم
إذا ما اعتاد الوالدان على الصراخ على بعضهما البعض، أو تسمية الآخرين بأسماء قاسية أو ألقاب مضحكة تنُمّ عن سُخرية، أو اعتادا مثلاً على توبيخ الطفل، فلاشك في أنه سيتعلّم أن تلك طُرق مقبولة للتحكم في الغضب·

اقرأ أيضا