أرشيف دنيا

الاتحاد

جاسم مال الله غواص في زمن الناطحات


حوار وتصوير ـ محمد الحلواجي:
اللؤلؤة·· كلمة ينطقها أبناء الخليج بلذة كبيرة·· ويرددونها باعتزاز ناجم عن اعتقادهم بأنهم يستحقون أن يفخروا به كأبناء لهذه المنطقة من العالم·· منطقةٌ ساخنةٌ جدا·· لكن بحرها ببحرين من العذوبةِ والعذاب·· وسماؤها بسماءين من الفيرُوزِ واللازَوَرْد·· وهواؤها بألفِ رئةٍ عابقةٍ بالعليلِ من النسمات·· والزكيِّ من العطرِ والرائحة·· أو قل: هكذا نشأ الخليجيون ملتحمين بواقعٍ أسطوريٍّ كلَّما حان الحديث مع أجدادهم وآبائهم وأرواحهم عن البحر·· هذا الساحر الهادئ الذي لطالما اعتقدوا أنهم امتلكوه وروضوا وحشيته وتناقضاته·· فيما يملكهم هو بقسوته ولطفه الناعم الذي يدسّهُ في وَقَارِ اللؤلؤة·· تلك الجوهرة البيضاء التي قيل إنها تعادل رسم حرفَ الهاء المربوطة في كلمة 'آه' والحزن الباذخ في نشيد 'الهُولُو واليَامال'·· وقيل إنها دموع البحر الصافية التي ذرفها ندما على غدره بأحبابه الذين أمنوا جانبه وصادقوه أكثر من أبنائهم·· وقيل إنها هداياه النفيسة أيضا لإغراء ضحايا جدد من بحّارةٍ أشدّاء يأتونه طوعا كلما دخل الطرفان في هدنةٍ مؤقتة·· ونسيا آلام الماضي لينخرطا في لعبة المدّ والجزر من جديد·
وبعض الهائمين بسحر البحر ذهب به جموح الخيال أكثر فقال إن اللؤلؤة قطرة مطر سقطت عن قصد في موسم عطش المحار في غمار البحار فتحوَّلت إلى جني ساحر·· وبعضهم اعتقد أنه اقترب من ينابيع المنطق عندما قال إن حبّة رمل دخلت بدافع الفضول لترى الدنيا بعين محارة في مخمل الأعماق·· ولمَّا كانت المحارة ملكةً لا تملكُ يدين تدفع بهما الدخيل الغريب؛ انخرطت في بكائها الأسطوري بدموعٍ حريريةٍ غَلَّفَت بها الوحش الصغير يوماً بعد يوم كي تَنْعَمَ بنعومةٍ لم يختبر طعمها أحدٌ من قبل·
من ينسى البحر؟
'جاسم مال الله' أحد أبناء الإمارات الذين عاصروا بحرَ الآباء وعَصَرَهُمْ بأس المغاصات منذ الطفولة، فعلى الرغم من عيشه في زمنٍ منفلتٍ بتغييراتٍ قاسية وهائلة، وعلى الرغم من انخراطه في مهمة نبيلة في عمله الحالي في القوات المسلحة، إلا أنه لم يستطع نسيان البحر ولم يقدر على فراقه لحظة واحدة، ذلك أنه ترك في أعماقه رائحة الأجداد وأسرارهم الصغيرة، حتى أنه لا يزال يذهب يوميا إلى البحر ليطمئن على وديعته السريّة لديه، ثم يستعطيه شيئا من هداياه كي يوزعها على الباحثين من أبناء اليابسة عن الجمال والدهشة والحظ·· كيف ومتى وأين حدث ذلك؟ وبأية صورة من الصور؟ هذا ما يبوح به جاسم مال الله في جو حميم من صدق المكاشفة·
نبدأ حديثنا مع جاسم مال الله حول بحار اللؤلؤ فيعود بالذاكرة إلى شواطئ الماضي قائلا: 'ولدت في منطقة البطينة بالشارقة حيث بدأ عشقي لفلق المحار وأنا ابن سبع سنوات، وقد كان جدي يدخلني معه إلى البحر يوميا بعد صلاة الفجر في بداية الستينات، لجلب الحجارة البحرية والحصى المستخدم في البنيان أيامها، وأذكر أنه قال لي تعلم السباحة التي ستحتاجها يوما، وفعلا ربطت نفسي بحبل موثق إلى صخرة على السِّيف في أحد الأيام لأتدرب على السباحة بناء على نصيحته فانقطع الحبل فجأة، ورحت أستنجد بجدي عندما أوشكت على الغرق، فقال لي: 'أنظر يا ولد·· إذا كنت تريد تعلم السباحة واكتساب مهنة البحر، فاغرق وأنا سأقوم بإخراجك عندما تصل للقاع'! وقد وصلت إلى منتصف المسافة بين سطح البحر والقاع وأنا أنظر إليه وهو يشير بيديه طالبا مني الخروج، وقد تعلمت منذ ذلك اليوم السباحة والغوص بعد أن امتلكت الجرأة التي لا تمنعني من شيء، وبعد تلك المرحلة بدأ يأخذني للغوص وجلب المحار، وبدأت بممارسة فلق المحّار معه وكنا نبيع ما نحصل عليه من لآلئ للطواويش، وعشنا ردحا من الزمن على هذه الحياة حتى تغيرت الأحوال بعد رحيل أجدادنا وظهور النفط واللؤلؤ الصناعي وتطورت البلاد مع التطور العالمي، لكنني لم أتخل عن عشق المحار الذي أقول لك بصدق إنني مستعد لتحويله إلى وسادة والنوم معه، فلا طاقة لي على فراقه بعد أن عشت أيام عزّه مع آبائنا وأجدادنا الذين رأيتهم ينامون فوق الأكوام الهائلة للمحار بعد أن تمتلىء السفينة عن آخرها'·
وننتقل مع جاسم إلى بداية شبابه وأشهر رحلات الغوص والهيرات ومغاصات اللؤلؤ التي وصل إليها فيؤكد: 'خرجت إلى البحر مع الكثير من النواخذة ولم نترك مغاصة للّؤلؤ لم نسبر أغوارها وأشهر المغاصات التي بلغناها كانت بالقرب من البحرين والكويت حيث كنا نقضي فترات تمتد إلى أربعة أشهر، يعود بعدها بعضنا سالما إلى دياره ويختار الله بعضنا الآخر إلى الدار الآخرة، وأذكر أننا كنا نبحر من منطقة 'الحيرة' في الشارقة وقد كانت تتمتع 'بخيران' بسيطة اختلف شكلها اليوم، كنا نربط محملنا على السِّيف بأمان دون أن يتعرض له أحد، وإذا ما شاهد أيٌّ من الناس محملك وقد انقطعت حباله أو جرفته المياه، فانه ينزل للبحر ويتحمل عناء إعادته، وهذا سلوك ورفعة في الذوق والأخلاق أصبحنا نفتقدها اليوم'· أما عن أجره اليومي فيقول جاسم: ' كانت أجرة البحار اليومية هي روبية واحدة، ولكن هذه الروبية الهندية كانت تساوي الكثير في تلك الأيام فقد كانت تكفي لشراء مؤونة المنزل من لحوم وخضروات وفواكه'·
جوهرة الحظ
ونسأل جاسم مال الله، حول ما إذا كانت مهنة فلق المحار لا تزال تلقى إقبال الإماراتيين أم أنها مهددة بالاندثار؟ فيقول: 'إذا أبقينا عليها فستبقى، أما إذا أهملت ولو لفترة بسيطة فسيكتب لها الزوال، لذلك نحن نحاول تعليمها لأولادنا كي يرثوها بعدنا، وأنا أقول لأولادي دائما: 'انظروا إلي، أنا أعمل في القوات المسلحة لكني لا أترك حياة البحر ولا أترك مهنة فلق المحّار التي أمارسها كهواية، فلا تفرطوا فيها بعد موتي' وأصطحبهم معي دائما لجلب المحار من دبي من المنطقة البحرية الواقعة قبالة فندق حياة ريجنسي حاليا·· ولا نزال نحصل على الكثير من اللآلئ، وقد حصل العديد من زوار أيام الشارقة التراثية على اللؤلؤ عبر عرضنا للمحار بسعر رمزي (خمس دراهم لكل خمس محارات) نفلقها على حظ الجمهور الذي يختار المحار بنفسه ويكون اللؤلؤ من نصيبه إن وجد، فالبعض تظهر له اللؤلؤة من أول محارة نفلقها، والبعض نفلق له الكثير من المحار فلا يحصل على شيء وهذه هي الدنيا، وقد اخترت شخصيا محارة واحدة فقط ذات مرة فظهرت فيها ثلاث لآلئ دفعة واحدة!! فصار الناس يقبلون عليّ لأختار لهم المحار بدعوى أن 'في يدي بركةً' فأقول لهم إن البركة والرزق من تقدير رب العالمين، وإن المحارة عبارة عن صندوق مقفل لا يعلم أحد ما في داخله قبل فتحه، فلا تحزنوا إن لم تحصلوا على شيء اليوم فربما يكون رزقكم مكتوبا في الغد'·
توائم اللؤلؤ!
يقول جاسم: ' اللآلئ جواهر لا تفقد قيمتها وسحرها مهما كبر إغراء انخفاض سعر اللؤلؤ الصناعي أو الأحجار الكريمة الأخرى، وعلى الرغم من انخفاض سعر اللؤلؤ الطبيعي نسبيا إلا أنه لا يزال يتمتع بأسعار أكثر من معقولة في نظرنا، وبخاصة مع الأنواع الكبيرة كلؤلؤة 'الجِيْوَن' التي يتراوح سعرها بين 2000 أو 3000 درهم، أما الأصغر حجما فقيمتها حسب الحجم والنوع بدءا من1500 درهم وتنخفض لبضع مئات من الدراهم، أما اللآلئ الصغيرة جدا والتي تسمى 'الرَفْعَة' فيصل ثمنها إلى 200 درهم أو أكثر أحيانا، ونحن معشر البحارة نجمع الأحجام الصغيرة من اللؤلؤ عادةً لصنع الخواتم وتقديمها كهدايا لعيالنا ليذكرونا بها بعد عمر طويل'·
أما عن الأدوات المستخدمة في فلق المحار فيقول جاسم: 'مهنة فلق المحار على الرغم من تميزها وصعوبتها إلا أنها لا تستخدم غير أداة واحدة فقط وهي 'المفلقة' ولا توجد أداة غيرها يمكن معها فلق المحار بطريقة صحيحة، والمفلقة تحتاج إلى مسك قبضتها الخشبية بطريقة معينة لإدخال الطرف الحاد في منطقة معينة في طرف المحّارة يسمى 'المَنْسَمْ' لفتحها بسلاسة، فاستخدام المفلقة يحتاج إلى قوة وخبرة وحذر وإلا تعرض من يستخدمها لقطع يده، ولذلك نعلم من يرغب بفلق المحار وفقا للأصول الصحيحة حرصا على سلامته'· ويواصل: 'هناك حادثة لن أنساها ما حييت·· فقد فلقت محارة من نصيب امرأة انجليزية في مهرجان دبي للتسوق في العام الماضي ووجدت فيها ثلاثة توائم من نوع 'جِيْوَن' وهذا أمر نادر الحدوث جدا، وقد كانت اللآلئ التوائم بجودة عالية، ولذلك عادت المرأة ذاتها بعد يومين وطلبت أن أفلق لها المحار مرة أخرى بعد أن أختاره لها بيدي، فقلت لها: لقد كنت محظوظة جدا مع تلك المحارة ولا تتوقعي أن يتكرر ذلك بسهولة، فالرزق والحظ بيد الله وليس بيد ابن آدم·
ديمومة التراث
وأخيرا نسأل جاسم مال الله عن النصيحة التي يقدمها لشباب اليوم من واقع تجربته في البحر مع هذه المهنة وغيرها من مهن الأجداد للحفاظ على التراث الإماراتي فيقول: أتمنى من الله أن يوفق أبناؤنا للسير على خطانا فيتبعون نهجنا وسلوكنا حتى لا يأتي اليوم الذي يتم فيه دفن التراث لا قدّر الله، فتراثنا هو تاريخنا وزادنا في الماضي، وأملي كبير في شباب اليوم الذي مهما بلغ من التحصيل والعلم والانخراط في الحياة الحديثة أن لا ينسى تاريخ آبائه وأجداده·· ليستمر تراثنا في الوجود حتى آخر حدود المستقبل·

اقرأ أيضا