الاتحاد

دنيا

الغزيون:لم يبق لنا سوى المزاح والهزل لننسى مرارة حياتنا

تقول أم أمين المرأة الأربعينية والتي تحيا في بيت فقير في مخيم اللاجئين بخان يونس جنوب غزة، شاهدت فيلم كذبة أبريل لاسماعيل ياسين منذ سنوات كثيرة وما زلت كل عام أنتظر أن يكذب أحدهم عليّ كذبة واحدة لكي أحلم ولكي أتخيل أن حياتي تتغير.
هذا العام أتمنى لو يكذب أحد الجيران عليّ فيدق بابي في ساعات الصباح الأولى ليقدم لي أسطوانة غاز كنت قد أرسلتها منذ أشهر لموزع الغاز لتعبئتها، ومنذ ذلك الوقت وأنا أستخدم البابور«موقد الكاز» لإعداد طعام أولادي.
ألا تعرفين ما معنى موقد الكاز؟ معناه تعب وإرهاق ومجهود وقذارة من الهباب والسناج المتصاعد من البابور والذي يلوث الأواني ويلون جدران بيتي المطلية بالإسمنت الأبيض الرخيص يلونها بلون أسود قبيح.
أما نيفين، فتقول: لن أتردد عن إحياء كذبة أبريل، وسوف أتصل بصديقاتي في صباح ذلك اليوم لأخبرهن أن الغاز قد وصل للمحطة القريبة من بيوتهن وعليهن الإسراع لتعبئة أسطوانات الغاز الفارغة وآن الأوان للاستراحة من بابور الكاز ومتاعبه.
الأمر نفسه ينطبق على أم عاطف، التي تعاني جحود أبنائها مع فقرها الشديد، فتقول: هذا اليوم أتمنى لو تذكرني أبنائي ومنحوني بعض وقتهم، لا يمكن أن أصدق أن علاقتي بهم تنتهي ببضع شواكل «العملة الإسرائيلية المتداولة في غزة» يلقونها لي في أول كل شهر، أتمنى لو يكذب عليّ أحد أبنائي ويقول لي سأصطحبك في نزهة قصيرة أو زيارة عائلية، أو سأذهب بك إلى طبيب مختص بدلاً من لهاثي على المؤسسات الطبية المجانية والتي لا تقدم لي سوى المسكنات الرخيصة وأنا أعاني من متاعب كثيرة في القلب.
تتنهد نيفين، وتقول: ولكني بعد ذلك بقليل وقبل أن تخرج صديقاتي أو أزواجهن من البيوت جرياً نحو محطة الوقود في هذا الجو البارد، سأتصل بهن ثانية وأقول لهن: كل عام وأنتن مع كذبة جديدة من أكاذيب أبريل!
أما جبر الشاب العشريني، فيقول: أتمنى أن يهاتفني أحدهم في صباح ذلك اليوم ليقول لي أن كل ماحدث في السابع والعشرين من شهر ديسمبر الماضي، وهو أول أيام الحرب على غزة قد كان حلماً وكابوسا مزعجاً، فأنا حتى الآن لا أصدق أن بيتنا قد تحول لركام، حقاً كان بيتاً صغيراً وحقيراً من الصفيح، ولكنه كان يأوينا أنا وأمي وأبي وإخوتي العشرة، الآن أصبحنا بلا مأوى، واستشهد أبي وأختي وأخي الذي كان في الثانوية العامة ويحلم بدخول الجامعة رغم فقرنا، كلما تخيلت أنني وأمي ومن بقي من إخوتي على قيد الحياة أصبحنا بلا مأوى وبلا مصدر رزق، أحرك رأسي وأهزه بعنف وأتمنى لو استوقفني أحدهم في الشارع، وقال لي: كل عام وأنت مع كذبة أبريل أو كذبة ديسمبر أو أي كذبة بخير.
أبو أحمد شاب في الثلاثينات من عمره، يقول: أتمنى أن يقول لي أحدهم في ذلك اليوم أن بيتي لن يعد محطة لتوليد الكهرباء، فقد اشتريت مولداً صغيراً للكهرباء من تلك المولدات التي يتم تهريبها لغزة عبر الأنفاق، وأستخدمه نتيجة لعدم توافر التيار الكهربائي في منطقتنا منذ مدة طويلة، صوته عال ومزعج ولا يكف الجيران عن الشكوى منه، وتحدث بيني وبينهم المشاكل وهو في الوقت نفسه لايفي بالغرض منه، فلا أستطيع تشغيل أي جهاز كهربائي مثل الغسالة والفرن، فقط أستخدمه للإنارة حتى لا يتخبط أطفالي بالجدران والأثاث ويصابون بالحوادث، كما حدث مرات عديدة، أتمنى لو يعود التيار الكهربي منتظماً على مدار الساعة ليكف الجيران عن الشكوى وأتوقف أنا عن تشغيل المولد وتزويده بالبنزين الذي يتم جلبه أيضاً من الأنفاق.
أما محمد الطفل ابن الثانية عشرة من عمره، فيقول: أتمنى لو يرفع الحصار عنا، هل حقاً هناك كذبة أبريل؟ لو يكذب عليّ أحدهم بأني لم أعد لاجئاً ببطاقة زرقاء في المدرسة، حيث تقدم لنا «الأونروا» كل يوم وجبة صغيرة لا تكفي لقطتي، وأشعر وأنا أتناولها أني متسولاً، وأتمنى لو يخبروني أن البضائع أصبحت تملأ أسواق غزة وأستطيع شراء الحلوى والشيبس، وكل الأصناف التي حرمت منها منذ مدة، بدلاً من تلك الأصناف الفاسدة التي تملأ الأسواق والتي تسبب لنا الأمراض.
ويضحك محمد ببراءة ويقول: أخيراً، أتمنى لو تكذب عليّ أمي وتخبرني أن أبي قد أصبح يحب قطي الصغير ولن يقذف به من الشرفة، كما يفعل كل يوم.
أما صالح، فيقول: يوم كذبة أبريل سوف أتصل بأصدقائي العاطلين عن العمل لأخبرهم أننا حصلنا على عمل مؤقت لأشهر قليلة ضمن برامج «الأونروا»، التي تنظمها للخريجين العاطلين، فأنا منذ سنوات ثمانية بلا عمل ولدي عائلة ولا نعيش إلا على مخصصات «الأونروا» التي لولاها لمتنا من الجوع.
يردف صالح: أصبت بجلطة في ذراعي ولا أجد عملاً يصلح لي، سأكذب على عائلتي في الصباح وأخبرهم أني وجدت عملاً فهم قد سئموا وجودي الدائم في البيت

اقرأ أيضا