الاتحاد

تقارير

مصر والقلق العربي

عبدالله عبيد حسن

لاشك أن أيام وليالي الغضب الشعبي المصري التي بدأت عقب صلاة الجمعة الماضية قد شدت انتباه واهتمام كثيرين في شتى بقاع الأرض.
ولاشك أن الإدارة الأميركية ليست وحدها التي أصيبت بحالة من "القلق"، كما عبرت التصريحات والمتابعات الأميركية المستمرة.
فما بين النظام المصري والإدارة الأميركية من العلاقات والمصالح ما يدعو واشنطن للقلق وتقديم الكثير من "النصائح " وحث القيادة المصرية على أن تتعامل بجدية والاستجابة للمطالب المشروعة للشعب المصري، الذي عبر عن غضبه ونصحت الجانبين السلطة المصرية والشعب ألا ينزلق إلى العنف والتخريب.
ولاشك أن الشعوب والحكومات العربية قد تابعت أيضاً بالقلق على مصر. فمصر هي" قلب العروبة النابض"، وهي سياسياً وجغرافياً وديموغرافياً أكبر الدول العربية، ومصر شعباً وحكومة قدمت وضحت كثيراً من أجل أمتها العربية، وحملت وتحمل مسؤولية الشقيق الأكبر بشجاعة، خاصة في مرحلة نهوض حركة التحرير العربية والنضال من أجل الوحدة العربية، فلمصر في قلب وعقل كل عربي مكانة خاصة قد تختلف الزاوية التي ينظر منها لمصر بين عربي وآخر لكن تظل مصر دائماً كنانة الله في أرضه.
لكني أزعم أن السودانيين كانوا أكثر قلقاً وأن معظم الأسر والبيوت السودانية ظلت ساهرة حتى الفجر ليلتي الجمعة والسبت، تتابع ليس فقط بقلق، بل بخوف، محطات التلفزيون التي تواصل البث المباشر على مدار الساعة.
وهذه الحالة التي تلبست السودانيين، لم نشاهد لها مثيل من قبل إلا عندما أعلن عبدالناصر استقالته عند وقوع كارثة 1967 يمكن أن تُفسر بالعلاقة الخاصة بين السودانيين ومصر.
صحيح أن انفجار غضب الجمعة الماضية في مصر هو أزمة كل الشعوب والبلدان العربية والمطالب التي عبرت عنها الانتفاضة الشعبية المصرية، هي المطالب ذاتها التي نادت بها بعض الشعوب العربية علناً وتختزنها بقية الشعوب العربية وأمتلأت بها القلوب والعقول طوال العقود الماضية التالية "للنكسة".
لكن للسودانيين إلى جانب الهم القومي المشترك، أسبابهم التي جعلتهم يسهرون الليالي ويعيشون في قلقهم منذ أن تم منع الاتصالات التليفونية وشبكات الإنترنت، وأصبح من المتعذر الاتصال من السودان بالهاتف الجوال بمصر.
الآن توجد في القاهرة ومختلف المدن المصرية آلاف مؤلفة من الأسر السودانية التي رحلت عن السودان، واستقرت في مصر خلال العقدين الأخيرين، وتملكت المساكن ويمـارس أربابها أعمالهم في مصر، إلى جانب آلاف الطلاب السودانيين والزوار الكثيرين الذين لم ينقطعوا عن مصر.
لتصور حجم الوجود السوداني في مصر والوجود المصري في السودان، الآن فإن حركة الطيران بين القاهرة والخرطوم بواقع أربع رحلات جوية يومية.
وفي منتصف تسعينيات القرن الماضي كان وزير الداخلية المصري، قد أعلن في بيان رسمي أمام مجلس الشعب أن السودانيين يملكون (آنذاك) أكثر من خمسين ألف عقار في القاهرة وحدها!
الحقيقة التي غابت على أركان النظام العربي القديم المهترئ أن المطالبة والنضال من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وإعادة الحق المسلوب من الشعوب العربية في اختيار حكامهم ليست دعوة جديدة ولا هي صناعة أميركية، والناس يعلمون أن الولايات المتحدة والغرب يعلنون باللسان عن تعاطفهم وتأييدهم لحركات التغيير الشعبية العربية فهم أنفسهم الذين ظلوا -ومايزالون- الأوصياء والشركاء لبعض الأنظمة العربية.
عامة العرب أعربوا عن" قلقهم " عن مصر لا يريدون ولا يؤيدون تخريب وتدمر مصر المحروسة ويعرفون أن أشقاءهم المصريين أحرص من الجميع على أمن وسلامة بلدهم وشعبهم وأنهم هم الذين يحمون مصر ويدافعون عن سيادتها واستقلالها واستقرارها في ظل نظام يؤمن الديمقراطية ويحقق العدالة ويبسط الحريات ويضمن كرامة المواطنين.

اقرأ أيضا