أرشيف دنيا

الاتحاد

المتمردون الصغار·· ضحايا المشاعر المعلبة!!

صلاح الحفناوي:
'هي بالتأكيد مشكلة غريبة·· بل ربما أغرب مشكلة يمكن أن تواجه أي أم·· مشكلتي باختصار هي أن طفلي البالغ من العمر 9 سنوات يعيش بطريقة 'السلو موشن' أو المشاهد البطيئة في المسلسلات والأفلام·· فهو يتناول طعامه في ساعتين·· ويؤدي ربع فروضه المدرسية بصعوبة بالغة لأنها تستغرق كل الوقت المخصص للمذاكرة وطبعا لا يتمكن من إكمال فروضه·· إذا خرجنا معا للتسوق أو الترفيه نضطر إلى التوقف مرات ومرات حتى لا نبتعد عنه لأنه يسير ببطء السلحفاة'·· بهذه الكلمات بدأت أم أحمد من أبوظبي رسالتها التي تتحدث فيها بإسهاب عن معاناتها مع احد أطفالها·
تضيف صاحبة الرسالة: الغريب أن أحدا لا يصدق أن طفلي يعاني من مشكلة البطء الشديد في كل شيء·· وأنه بسبب بطئه الشديد يتغيب عن المدرسة كثيرا أو يذهب متأخرا ويتعرض للتوبيخ والعقاب·· ففرط النشاط والحركة والسرعة في كل شيء هي المشكلة الشائعة بين الأطفال· حتى الطبيب الذي عرضت عليه مشكلة ابني اعتقد أنني أبالغ وأكد لي أن طفلي لا يعاني من أي مشكلة صحية وأن جهازه الحركي وقدراته الذهنية ـ على حسب تعبيره ـ طبيعية جدا·· ولا يحتاج إلى علاج·· ولأنني لم اقتنع بذلك فقد بدأت في إعطاء طفلي منشطات وفيتامينات دون فائدة·· واستخدمت معه العقاب بكل وسائله·· بدءا من الحرمان من المصروف أو مشاهدة التليفزيون في العطلة أوالهدايا·· وصولا إلى الضرب خصوصا عندما يتسبب بطئه في التأخر عن المدرسة·· كل هذا لم يفلح·· لم أعد أعرف ماذا افعل وإلى من أتوجه·· علما بأنني أم لثلاثة أطفال وأن الطفلين الآخرين لا يعانيان من نفس المشكلة ويتصرفان بشكل طبيعي تماما·
انتهت الرسالة الغريبة·· ولفترة طويلة وجدت صعوبة في تحديد التخصص الطبي الذي أعرض هذه الرسالة على احد أطبائه إلى أن استقر الرأي على عرضها على احد الأساتذة المتخصصين في طب الأطفال·
يقول الأستاذ الدكتور سعد منيمنة استشاري طب الأطفال والرضع في المستشفى الإماراتي الفرنسي بأبوظبي إن صاحبة الرسالة ربما تكون قد ساهمت في تفاقم مشكلة طفلها عندما لجأت إلى العقاب في التعامل معه·· وهي بالتأكيد أخطأت عندما بدأت في إعطائه ما وصفته بالأدوية المنشطة·· وهو وصف غامض لا يوضح نوع الأدوية التي استعملتها والتي قد يكون بعضها ضارا جدا بصحة الطفل·· وحتى الفيتامينات لا تخلو من مضاعفات عندما يتم تعاطيها بجرعات تزيد عن الحاجة أو عند تعاطيها بدون سبب صحي·
ويضيف: إن البطء عند الطفل ليس حالة مرضية·· وهو ليس حالة نادرة جدا كما تعتقد صاحبة الرسالة بل متكررة وإن كانت ليست على نطاق واسع أو بنفس قدر انتشار مشكلة فرط النشاط وضعف التركيز التي يعاني منها عدد كبير من الأطفال·
أوجاع وهمية
يضيف الدكتور سعد منيمنة أن مظاهر البطء عند الطفل عديدة ويمكن تقسيمها إلى ثلاث مجموعات رئيسية·· البطء في تناول الطعام، البطء في تحضير الواجبات الدراسية والمذاكرة، والبطء في إنجاز الأعمال اليومية·
ونبدأ بالبطء في تناول الطعام·· حيث نلاحظ أن الطفل يقضي ساعة أو ساعتين وربما أكثر لإنهاء وجبته الغذائية (الغداء أو العشاء)·· وخلال تناول الطعام يأكل الطفل ببطء شديد، فيمضغ اللقمة في فمه مثلا لفترة طويلة حتى أنه ينساها أحياناً ربما بسبب عدم التركيز والانشغال بالتفكير في أشياء أخرى·· فإذا ما طلبت منه الأم أن ينهي طعامه بسرعة حتى يبدأ في تحضير الفروض المدرسية أو الذهاب للنوم يرد غالبا بأنه لا يستطيع الإسراع في تناول الطعام لأنه يشعر بآلام في البطن أو مغص·· ولأن الطفل لا يعاني من أي مشكلة صحية عضوية فإن عرضه على الطبيب ينتهي إلى تأكيد سلامته وعدم حاجته لأي علاج·· وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية·· الأم تعتقد أن الطفل يتعمد البطء للهروب من واجباته أو للتهرب من النوم وتعتبر ذلك نوعا من سوء السلوك الذي يستوجب العقاب·
الفروض المدرسية
وتتفاقم المشكلة أكثر عندما نصل إلى المظهر الثاني من مظاهر البطء عند بعض الأطفال وهو البطء في تحضير الواجبات المدرسية·· هنا نلاحظ أن الطفل يستهلك وقتا طويلا جدا لإنهاء دروسه وقد يضطره ذلك إلى السهر لوقت متأخر من الليل وبالتالي التأخر في الاستيقاظ صباحا للذهاب إلى المدرسة إلى ضعف التحصيل الدراسي بسبب عدم الحصول على القدر المناسب من النوم وبالتالي ضعف التركيز·· ولا يقتصر البطء على الاستذكار بل يمتد أيضا إلى الإجابة على أسئلة الامتحانات حيث نلاحظ أن الطفل البطيء لا يستطيع الإجابة على كل الأسئلة في الوقت المحدد للامتحان وهو ما يؤثر على نتائجه الدراسية على الرغم من أن الطفل البطيء قد يكون شديد الذكاء وربما متفوقا في المدرسة·· فعلى عكس فرط النشاط فإن البطء ليس له علاقة مباشرة بالتحصيل الدراسي·
وننتقل إلى البدء في تنفيذ الأعمال اليومية المختلفة·· حيث نلاحظ أن الطفل يبقى وقتاً طويلاً يدور في غرفته صباحاً قبل الذهاب إلى المدرسة بحثاً عن كتاب أو قميص أو غير ذلك، فيتأخر باستمرار في الوصول إلى المدرسة ويتعرض بشكل مستمر لتأنيب والديه وتأنيب المدرّسة، بسبب التأخير المتكرر·· ونلاحظ أنه يبقى فترة طويلة لتحضير نفسه قبل الذهاب إلى النوم ويتأخر أيضاً بالأعمال اليومية المختلفة حيث يضيّع بها وقتاً طويلاً مع أن غيره من الأطفال ينهيها بدقائق معدودة·
قصص واقعية
يقول الدكتور منيمنة: أذكر أن أما لطفلين اشتكت من طفلها البطيء وهو ولد وعمره تسع سنوات، ولها أيضاً ابنة عمرها 8 سنوات·· وتصف الأم حالة طفلها قائلة: بعد العودة من المدرسة تنهي ابنتي طعام الغذاء وتذهب بعدها للراحة لفترة قصيرة بعد الغذاء ثم تذهب لتحضير واجباتها الدراسية اليومية وخلال ذلك الوقت يظل ابني جالساً على مائدة الطعام لإنهاء وجبة الغذاء التي تأخذ من وقته يومياً ساعتين أو أكثر·
وتقول أم أخرى 'إن ابني بطيء في كل شيء، في الدراسة، في الطعام، في النوم·· ولكن ليس أثناء اللعب، فعندما يلعب في كرة القدم، لا يبدو بطيئاً بتاتاً، إنه بطيء فقط بالأشياء التي نطلبها منه'·· هذا التناقض يعتبر شيئا طبيعيا فاللعب ليس واجبا عليه بل هو السعادة الحقيقة بالنسبة له·
وإذا استعرضنا الأحداث اليومية التي يمر بها الطفل من الصباح وحتى المساء سنجدها فعلاً كثيرة ومرهقة، يتحملها الطفل بصعوبة في سنواته الدراسية الأولى·
لقد راجعتني إحدى الأمهات شاكية بطء ابنها البالغ من العمر عشر سنوات معتبرة أن حالته أصبحت غير طبيعية، فهو يحتاج إلى عدة ساعات للانتهاء من تناول الطعام فيتأخر بذلك عن تحضير دروسه ويتأخر في النوم مساء، ويتأخر كذلك صباحاً في الذهاب إلى المدرسة وفي الأعمال اليومية المختلفة· وبعد الحوار مع الأم والأب والطفل تبين أن هذا الطفل وابتداءً من عمر الستة شهور، كان مطلوبا منه أن يستيقظ يومياً صباحاً في السابعة للذهاب إلى الحضانة، وذلك حتى عمر الثلاث سنوات حين دخل المدرسة التمهيدية أو الروضة·· وبقي بها حتى عمر الخمس سنوات·· وهكذا ظل طوال طفولته المبكرة يخضع لهذا النظام اليومي الصارم·· وكان لا يحصل من أمه على ما يحتاجه من مشاعر الحب والتفهم والاهتمام الشخصي·· فقط مجرد مشاعر معلبة من النوع الجاهز للاستخدام عند الحاجة إلى تأدية الواجب·· واستمر على ذلك في مدرسته الابتدائية، وهو ما جعل كل الأنشطة المرتبطة بالدراسة واليوم المدرسي غير مفضلة بالنسبة له·· يلتزم بها التزام المضطر ويتعامل معها بتراخ·· علما بأن الأم تعمل وهذا ما اجبرها على إدخال ابنها إلى الحضانة في عمر مبكر·
لوحظ خلال اللقاء مع الأب والأم والطفل، أن الأم حادة الطباع، عصبية المزاج، تعارض ابنها باستمرار قائلة له: 'أن بطئك يحيرني، آنت بطيء في كل شيء، في أكلك، في ملبسك، في تحضير دروسك'، وهكذا تتحول المشكلة إلى صراع بين الأم والطفل وهو ما يفاقمها ويزيد من عناده·
أما الأب وحسب قول زوجته وبحضوره 'ليس عنده الوقت للاهتمام بأطفاله فهو منهمك في عمله طوال الوقت حيث يذهب صباحا باكرا ليعود في المساء متأخرا وأطفاله نائمون فلا يراهم إلا يوم الجمعة'، وتزيد الأم قائلة: 'أن ابني على كل حال بطيء كأبيه'·
بالطبع هذه الحالة لا تنطبق على كل الأهل ولكنها من الحالات التي يتحمل فيها الأب والأم بعض المسؤولية·· ونعود إلى تساؤلات صاحبة الرسالة·· أقول لها إن طفلها ليس مريضا·· وبالتالي لا يحتاج إلى منشطات أو فيتامينات أو أي أدوية من أي نوع·· وأن العقاب والتأنيب أو المقارنة بالأشقاء والاستهزاء يفاقم المشكلة ولا يعالجها·· وربما يكون الاهتمام والتفهم ومحاولة تحوي الأمور الثقيلة عليه إلى مهام محببة ومشوقة أكثر تأثيرا·· فهو إذا أنهى طعامه بسرعة سيستمع برحلة جميلة أو بمشاهدة برنامج يحبه·· المطلوب هو التحاور مع الطفل باستمرار لتفهم متاعبه المختلفة وإيجاد الحلول لها·
بالطبع لا توجد أدوية أوعقاقير لعلاج البطء عند الطفل، فكل طفل تختلف قدراته ورغباته وتصرفاته عن الآخر، فمنهم الطفل الكثير الحركة، السريع، النشيط، ومنهم كذلك الطفل القليل الحركة والبطيء وهذا لا يعني أن أحدهما أفضل من الآخر· وبما أن هذه الحالة ليست حالة مرضية فإن علاجها يكون بالتفاهم والحوار والتشجيع وليس بالعقاب والتأنيب، فعلى الأهل محاورة طفلهم وتنبيهه لأهمية الوقت الذي يضيعه سدى حيث يستطيع أن يستفيد من وقته بممارسة الألعاب الرياضية والمفيدة المختلفة، وهنا تكمن أهمية تشجيع الطفل ودفعه إلى السرعة بطريقة المكافأة، فنكافئه إذا أنهى طعامه بسرعة ونكافئه أيضا إذا أنهى دروسه بسرعة·· وهذا يشجعه فيعتاد فيما بعد على إنهاء طعامه وواجباته بشكل أسرع·· ومن المهم أيضا أن يمنح أولياء الأمور أبناءهم ما يستحقون من وقت واهتمام·· فهذا وحده كفيل بالتغلب على معظم مظاهر اضطراباتهم السلوكية·

اقرأ أيضا