الاتحاد

تقارير

الساحة الأفريقية... أصداء التجربة التونسية

سكوت بالدوف
جوهانسبرج


سرعان ما هبت رياح التغيير التي نحَّت الرئيس التونسي زين العابدين بن علي شرقاً لتختبر زعماء مصر واليمن والأردن؛ غير أنه إذا استطاعت هذه الرياح أن تهب شرقاً عبر شمال أفريقيا إلى الشرق الأوسط، ألا تستطيع أن تهب جنوباً على بلدان أفريقيا جنوب الصحراء؟ فمما لا شك فيه أن ثمة العديد من الحكام المستبدين في البلدان الأفريقية الأخرى والذين حلوا ضيوفاً ثقيلين على شعوبهم، وظلوا في الحكم 20 عاماً أو يزيد؟ ربما.
ولكن المجتمعات المختلفة ترد على نفس الظروف بطرق مختلفة؛ كما أن لكل واحد من بلدان القارة الأفريقية الـ53 بنيته الاجتماعية الخاصة ومواقفه الخاصة تجاه من يوجدون في السلطة. وفي ما يلي أربعة أسباب تفسر لماذا ما زالت أفريقيا جنوب الصحراء صامتة على رغم المظاهرات الحاشدة في شمال أفريقيا.
المشكلة تعود في جزء منها إلى ضعف المجتمع المدني. وضمن هذا الإطار، يرى
أشيل مبيمبي، أستاذ التاريخ بجامعة "ويتووترسراند" في جوهانسبرج، أن تغيير الأنظمة أمر شائع في أفريقيا، ولكنه عادة ما يخرج من فوهات الأسلحة، ولا يأتي نتيجة مظاهرات الشارع. وهذا يعني أن ثمة القليل من المنظمات التي تمتلك القوة على تحدي سلطة الحكام، وتنظيم المعارضين، وتوضيح الأفكار البديلة للحكم التي تجعل الناس العاديين مستعدين للتضحية بأنفسهم من أجلها.
ويقول مبيمبي: "إن منظمات المجتمع المدني كثيراً ما تكون ضعيفة لأنها منقسمة وفق خطوط إثنية؛ كما أن العديد من المنظمات غير الحكومية لا تعدو كونها أنشطة لتحقيق الأرباح، ولذلك فهي غير مفيدة جداً في بناء قيم مجتمع مدني عميق". ولعل النقاش الحالي بين سكان ساحل العاج حول كيفية التعامل مع أزمة الزعامة الحالية في ساحل العاج، بين الرئيس المنتهية ولايته "لورانت جباجبو" والفائز في الانتخابات "الحسن وتارا"، مثال نموذجي لكيف يبحث العديد من أعضاء المجتمع المدني الأفريقي عن أجوبتهم لدى منظمات دولية مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، وليس داخل مجتمعاتهم هم. ويقول مبيمبي: "في ساحل العاج، النقاش هو ما إن كان ينبغي أن يكون ثمة تدخل عسكري للإطاحة بـ"جباجبو" إنهم جميعهم يرغبون في تدخلات أجنبية لحل المشكلة؛ والحال أننا إذا شرعنا في حل النزاعات الانتخابية، فإن القارة برمتها ستكون في حالة حرب مع نفسها، لأن كل الانتخابات تجري في جو محتدم. ثم إن الناس يريدون شخصاً يمنحهم الحرية، لا أن يدفعوا ثمنها بأنفسهم". وثمة مشكلة أخرى تتمثل في نقص التعليم الذي يحفز الهويات الطبقية.
أبلى التونسيون والمصريون بلاء أفضل من حيث تنظيم أنفسهم حول هويات جماعية، وحتى حول إيديولوجيات، وهي عوامل كثيراً ما تكون مفقودة في الدول المنقسمة إثنياً ولغوياً نحو الجنوب. وفي هذا السياق، يقول الأستاذ مبيمبي: "في غياب هويات طبقية قوية، تفشل العديد من المعارضات الأفريقية"، مضيفاً: "إذا كان الناس مقموعين وفقراء، فإن الأغلبية ستثور بالطبع في تلك الحالة على العديد من الدول الأفريقية؛ ولكن الناس يتعاطفون مع الانتماء الإثني، وبالتالي يظلون هادئين، أو يثورون على نطاق أصغر وبالتالي يتم التعاطي معهم بسهولة". لكن هل يستغل بعض الحكام الأفارقة الإثنية ويعملون بمبدأ "فرق... تسد"؟ الدول الأفريقية الواقعة جنوب الصحراء كثيرا ما تكون منقسمة انقساماً عميقاً وفق خطوط إثنية ولغوية؛ حيث يختار العديد من الناخبين زعماءهم من مجموعاتهم الإثنية، أو حتى مجموعات قريبة من حيث النسب، على أمل أن يستفيدوا يوماً ما من علاقاتهم الإثنية الخاصة في جعل الحكومة تحسن أوضاعهم وحيواتهم. وهو ما تؤكده "كورين دوفكا"، الباحثة المتخصصة في أفريقيا بمنظمة "هيومان رايتس ووتش" في دكار، السنغال، والتي تقول: "كثيراً ما يصطف النشطاء السياسيون وفق خطوط إثنية، وليس أيديولوجية".
وتُستعمل الإثنية كوسيلة تنظيمية من قبل الجهات التي تعتبر نفسها اجتماعية، والجهات التي تعد أكثر قومية أو إثنية؛ كما تُستعمل من قبل الأحزاب الحاكمة وأحزاب المعارضة على حد سواء. ولما كانت بلدان قليلة جداً في أفريقيا منقسمة بشكل واضح وفق خطوط إثنية -جنوب أفريقيا على سبيل المثال لديها 11 لغة رسمية، فإن الإثنية كثيراً ما تكون وسيلة مثيرة للانقسامات. وهذا يجعل حركات على الصعيد الوطني في بلدان متنوعة إثنيا مثل السنغال أو زيمبابوي -سواء في حملات ضد شلل لأطفال، أو في احتجاج ضد رئيس ما- أكثر صعوبة.
ويوضح الأستاذ "مبيمبي" أن الانقسامات الإثنية "تُستغل" من قبل العديد من الحكام الأفارقة إذ يقول: "إلى حد كبير، إن الجواب على السؤال حول لماذا فشلت دول أخرى داخل القارة الأفريقية في فعل ما فعله التونسيون هو واقع الانقسامات الإثنية، التي تُستغل من قبل من يوجدون في السلطة". وذلك يجعل الناس العاديين معتمدين على الزعماء الإثنيين لتمثيلهم في طاولة السلطة. وثمة محللون يرون أن الفقر يجعل العديد من الأفارقة لا يرغبون في المجازفة
لقد ساهمت الظروف الاقتصادية في تغذية الاحتجاجات في تونس ومصر، ولكن الأمر لا يتعلق باحتجاجات فلاحين بسطاء، لأن المتظاهرين في معظمهم كانوا من سكان المدن ينتمون للطبقة الوسطى وممن تلقوا تعليماً جيداً - الناس المحميون من الفقر المدقع. ولنتأمل هنا الحقيقة التالية: في مصر، يعيش 20 في المئة من السكان تحت خط الفقر (تقديرات 2005)؛ أما في زيمبابوي، فإن الرقم قريب من 75 في المئة. ولكن ورغم حكومة ائتلافية متصدعة واقتصاد ضعيف، فإن شوارع زيمباوي هادئة، في حين أن شوارع مصر عانت خلال الآونة الأخيرة من اضطرابات.
كثيراً ما يُنظر إلى الفقر المدقع على أنه بمثابة برميل بارود بالنسبة لثورة ما، ولكن الواقع يشير إلى أن احتمال مشاركة رجل لا يعرف من أين ستأتي وجبته التالية، في مظاهرة ما في الشارع هو أقل مقارنة مع رجل لديه فرصة لا بأس بها في الذهاب إلى المنزل وإيجاد وجبة مطهية في انتظاره. وتعليقاً على هذه النقطة تقول "دوفكار" من منظمة "هيومان رايتس ووتش": "إن الناس في بعض البلدان الأفريقية جد فقراء لدرجة أنهم لا يملكون الوسادة الاقتصادية للخروج إلى الشوارع والاحتجاج... إنهم أقل استعداداً أو قدرة على المجازفة في النزاعات السياسية".

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«كريستيان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا