الاتحاد

دنيا

توارث المهن.. التزام يقيد به موريتانيون خيارات أبنائهم الوظيفية

مهنة العائلة من دواعي فخر الموريتانيين  (الصور من المصدر)

مهنة العائلة من دواعي فخر الموريتانيين (الصور من المصدر)

سكينة اصنيب (الرباط) - تتوارث الأجيال في موريتانيا المهن مثل ما يتوارثون المال والصفات، ولا تقتصر ظاهرة توارث المهن على أبناء الأغنياء والمشاهير، بل اجتاحت الظاهرة جميع الطبقات والمهن والمجتمعات، وصار مجال عمل الأب أو الأم أو حتى الجد أول باب يطرقه الأبناء بحثاً عن عمل؛ فالسياسيون والأطباء والفنانــون يتســـاوون فـي هذه الظاهرة مع الحدادين والكــهربائيين والنجـارين. غير أن الظاهرة باتت تصطدم باختلاف رغبات الأبناء حيال الوظيفة التي يريدون امتهانها.
تأثير المحيط
يؤكد باحثون أن تأثير المحيط على نشأة الابن وتفكيره يجعلانه يختار مجال عمل أحد الوالدين، وهو ما فعله أحمدو العربي، الذي اختار مجال عمل والده احتراماً وإعجاباً منه بهذه المهنة، ويقول: “لطالما أعجبني مجال التجارة فمنذ صغري، وأنا مولع بالجلوس مكان والدي في متجره والقيام بمهامه والاطلاع على عمليات البيع والشراء. وحين كبرت أصبحت أعي أهمية هذه المهنة، وفضلها ففضلت الاستمرار فيها رغم أن تخصصي الدراسي بعيد عن مجال التجارة”.
ويعتبر المحامي محمد الهمام أن سبب التحاقه بكلية الحقوق وتفضيله لمهنة المحاماة على جميع المهنة، رغم المعدل العالي الذي حققه في الثانوية العامة، والذي خوله الاختيار بين اختصاصات مختلفة، هو رغبته في الحفاظ على الاسم الذي صنعه والده فـي ميدان المحاماة.
وقال إنه التحق بكلية الحقوق بمحض إرادته حيث إنه لم يتعرض لضغوط عائلية تدفعه لدخول هذا الميدان رغم أنه الابن الوحيد في العائلة.
أما علي ممادو فلم يجد سوى ورشة أبيه يحتمي بها من شبه البطالة، الذي أقعده في البيت لمدة سنتين بعد أن تخرج في كلية الآداب قسم اللغة العربية.
ويقول سعيد إن “صعوبة إيجاد وظيفة مع ارتفاع نسبة البطالة، تدفع المجازين إلى البحث عن أية وظيفة تؤمن مدخولا محترما”، مضيفا “لقد ترددت كثيرا قبل العمل بميدان النجارة ليس لأني أخجل من احترافها بل لأني لا أجيدها ويستلزم تعلمها فترة طويلة، وبعد أن فشلت في الحصول على عمل قبلت بها والحمد لله حققت نجاحاً كبيراً”.
ويعترف محمد الخرشي بأنه كان يحلم بأن يصبح طبيباً مشهوراً، لكن والده أصر على أن يدخله مجال المقاولات للحفاظ على تاريخ العائلة المعروفة بتوارثها لهذه المهنة، وللحفاظ أيضاً على “سر المهنة”، حيث يؤكد محمد أن عائلته تجيد هذه الصناعة منذ مئات السنين “فقد تشبعت الأجيال بسر المهنة، وحققت نجاحات كبيرة مكنتها من البقاء وسط سوق المنافسة”.
إثارة الجدل
حول انتشار الظاهرة وتاريخها، يقول الباحث في علم الاجتماع محمد الهيبة إن “إعجاب الابن بعمل والده الناجح يحبب له هذه المهنة فيتخصص منذ المرحلة التعليمية في مجال هذه المهن، ويبذل قصارى جهده ليكمل مشوار أبيه”. ويضيف أن توارث المهن ليس ظاهرة طرأت على المجتمع بل هو معروف منذ القدم، حيث كان رب العائلة يعلم أبناءه حرفته، وما إن يشتد عودهم سيما الابن البكر حتى يقوم مقام الوالد في تسير العمل وتعليم إخوته، فهي إذا ظاهرة متوارثة ومعروفة منذ القدم، وإن كانت قد أثارت الكثير من الجدل مؤخراً، فالسبب أن أبناء العائلة قديماً لم تكن لديهم خيارات كثيرة للعمل، ففي صغرهم لا يجدون من يعلمهم إلا والدهم وحين يصبحوا رجالاً لا يجدون إلا مهنة الأب، إضافة إلى أن المهن قبل قرن من الآن كانت قليلة ما بين التجارة والفلاحة والصيد والصناعة التقليدية، أما اليوم فقد تعددت المهن وتعددت معها خيارات دخول سوق العمل، وحين نصادف أشخاصاً ورثوا مهن آبائهم نعتقد أنها ظاهـرة جديدة على المجتمع”.
ويصنف الهيبة المهن المتوارثة إلى قسمين المهن التي توارثها الأبناء عن اقتناع والمهن، التي كان دافع البطالة، ويقول إن “الآباء يشجعون أبناءهم على اختيار مجال عملهم نفسه، وحين يشعر الأبناء بنجاح آبائهم وتألقهم في مهنهم يقتنعون بدخول هذا المجال، بينما تدفع البطالة والفقر شباب الطبقات المتوسطة إلى العمل في مجال عمل آبائهم رغم أنهم لم يدرسوا تخصص هذه المهن، ولم يقتنعوا بها كمهن تلبي طموحاتهم حيث نجد مجاز في القانون يعمل مع أبيه في ورشة للنجارة”.
وترى الباحثة الاجتماعية عائشة أخطور أن توارث المهن مرتبط بطبيعة المجتمعات العربية ذات العائلات الممتدة، والتي تتنافس في الحفاظ على المال والجاه والنسب.
وتقول إن “الأمثلة كثيرة على توريث المهنة وفي جميع المجالات، لكنها تبدو واضحة في المشاريع الضخمة، فأغلب الأبناء الذين ورثوا مهن آبائهم حاولوا الحفاظ على نجاح مشاريع العائلة واسمها في السوق وتوسيع نشاط المؤسسات التي ينفق الآباء أعمارهم في تأسيسها”.
وترى أن توارث المهن في مجال الصناعات الفنية التي تعتمد على الإبداع والحرفية أمر مستحب، وفي الوقت نفسه تحذر من مسألة توارث المهن العادية وانعكاساتها على تطور الأسرة اجتماعياً واقتصادياً.

اقرأ أيضا