الاتحاد

تقارير

«داعش» والمعارضة السورية.. رسالة مفزعة

تدل مؤشرات عديدة على أن حادث اغتيال الصحفي السوري «ناجي الجرف» في مدينة «غازي عنتاب» جنوب تركيا، كان يهدف لتحقيق شيئين في آن واحد هما البطش والترويع: البطش، من خلال توجيه ضربة قاصمة للناشطين وجماعات «الصحفيين المواطنين» السوريين، والترويع من خلال إرسال رسالة مفزعة تقول لهم بوضوح: «أنتم لستم آمنين في سوريا».. «لقد عرفوا جيداً من يستهدفون - لقد استهدفوا شخصاً يدركون تماماً أن موته يسبب لنا ألماً، لأنه قريب منا جميعاً»، هذا ما قاله الناشط السوري الكردي «كادار شيخموس»، المنخرط شأنه في ذلك شأن آلاف اللاجئين السوريين في النشاط السياسي، والإنساني، والعمل الإعلامي، والذي يتخذ من مدينة «غازي عنتاب» مقراً له.
وقد أُردي «الجرف» قتيلاً يوم الأحد الماضي في وضح النهار، بينما كان واقفاً بالقرب من برج «أوزور بلازا» الذي يضم مكاتب المنظمات العاملة من أجل سوريا، في انتظار سيارة أجرة تقله إلى منزله، بعد أن أحضر طعاماً لزوجته وبنتيه الصغيرتين من مطعم «فان» القريب، كما يقول أصدقاؤه، وحسب معظم الرويات فإن رجلاً مقنعاً أطلق عليه النار مرتين، وفر هارباً في سيارة غير مرخصة.
كان واضحاً أن اختيار الهدف، وموقع التنفيذ، قد تم عقب حسابات دقيقة، فـ «الجرف» هو رئيس تحرير جريدة «حنطة» الشهرية، التي ترصد، حسب موقعها الإلكتروني، «المشاهدات اليومية في حياة المواطن السوري»، والذي كان قد أخرج مؤخراً فيلماً عن الناشطين الذين قتلوا على أيدي مسلحي تنظيم «داعش» في مدينة حلب السورية عامي 2013، و2014، كما كان ناقداً عالي الصوت لنظام الرئيس السوري بشار الأسد، وأسهم في تدريب المئات على مهام «الصحفي المواطن» في مناطق مختلفة من بلده الذي مزقته الحرب.
وفي حين لم يصدر حتى الآن بيان رسمي من أي جهة عن مسؤوليتها عن الحادث، إلا أن الغالبية العظمى من المهتمين بالشأن السوري، يشكون في أن تنظيم «داعش» هو الذي يقف وراءه. وإذا تأكد ذلك، فسيكون هذا الحادث، هو ثالث حادث اغتيال ينفذه التنظيم ضد صحفيين سوريين في الأراضي التركية، في إطار حملته الرامية لإخراس أصوات هؤلاء الذين ينشرون أي معلومات عن التنظيم، بصرف النظر عن المكان الذي يقيمون فيه.
يضيف «شيخموس» مشيراً لداعش: «إنهم يريدون أن يسرقوا الأمل الذي يوفره المجتمع المدني، والنشطاء الذين لا ينتهجون العنف». ويواصل حديثه قائلا:«إن هذه الحوادث تعني أنهم يخافون من الكاميرا أكثر مما يخافون من المدافع، وهؤلاء المتطرفون قادرون على الوصول إلينا لأننا معروفون ولسنا مجهولين مثلهم، فهم يتخفون وراء أقنعة لأنهم يعرفون مدى قبح وجوههم».
وكان تنظيم داعش قد زعم في الآونة الأخيرة أنه قد اغتال اثنين من الصحفيين السوريين، هما إبراهيم عبدالقادر، وفارس حمادي في مدينة «شانلي اورفا» الواقعة في جنوب شرق تركيا. والاثنان كانا عضوين بالشبكة المعروفة «الرقة تُذبح بصمت»، التي تضطلع بتوثيق أنشطة وانتهاكات داعش في مدينة الرقة، التي يتخذها التنظيم عاصمة لما يطلق عليه «الخلافة الإسلامية».
منذ ذلك الحادث بات الناشطون المقيمون في مدن قريبة من الحدود التركية مع سوريا، يتوخون أقصى درجات الحذر، خصوصاً هؤلاء الذين يركزون في عملهم على داعش.
عن ذلك يقول شريف منصور، منسق برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا المنبثق عن لجنة حماية الصحفيين: «الصحفيون السوريون الذين فروا إلى تركيا طلباً للأمان ليسوا آمنين على الإطلاق.. لذلك فإننا ندعو السلطات التركية لتقديم قتلة ناجي الجرف للعدالة بسرعة وشفافية، وتسريع الإجراءات الرامية لحماية كل الصحفيين السوريين الذين يعيشون على الأراضي التركية».
ويقول «رامي جراح» المؤسس الشريك لـ «آنا برس» التي تغطي أنباء السوريين: إن الاغتيالات الأخيرة تمثل انتكاسة للجهود الرامية لرفع مستوى الوعي، وتسريع وتيرة الحرب الإعلامية ضد داعش، لأنها أدت إلى أن عدداً متزايداً من الصحفيين قد باتوا الآن مترددين في المضي قدماً في مشروعاتهم.
ونشرت لجنة حماية الصحفيين، المشار إليها، تقريراً يوم الثلاثاء الماضي جاء فيه أن هناك 69 صحفياً قد قتلوا بسبب عملهم عام 2015، وأن 40 في المئة من هذا العدد، قد لقوا مصرعهم على أيدي الجماعات الإسلامية الإرهابية، مثل «القاعدة» و«داعش».
ويضيف جراح: «الاغتيال الأخير يمثل رسالة بالقطع.. فداعش بات معزولاً بعد أن تم استبعاده تماماً من ضمن فصائل المعارضة لنظام الأسد، وأي عمل يؤدي لإبراز مدى الاختلاف بين داعش وبين باقي فصائل المعارضة ويأتي من جانب معارضين تحديداً، يمثل خطاً أحمر للتنظيم، وعمل ناجي الجرف كان مثالاً على ذلك».

*دومينيك سوجيل*
*كاتبة فرنسية مقيمة في اسطنبول
ينشر بترتيب خاص مع «كريستيان
ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا