الاتحاد

تقارير

التسامح بين الأخلاق والحقوق

سربست نبي
باحث سوري



يتسم "إعلان مبادئ التسامح" الذي أعلنته منظمة اليونسكو (موسكو 1995) بأنه يتخطى الدلالة الدينية المألوفة أو الأخلاقية لمفهوم التسامح. إذ لم يعد التسامح مجرد التزام أخلاقي فحسب، وإنما حاجة سياسية وحقوقية تهدف إلى الاعتراف بالحقوق العالمية للإنسان وإلى ضمان الحريات الأساسية للآخر.
لقد غدا الوضع الإنساني المعاصر، عموماً، محكوماً بالتعايش والنزاع في الوقت نفسه، وهو وضع يقتضي مقداراً كبيراً من التسامح. ففي المجتمعات متعددة الثقافات، يحتل مفهوم التسامح أهمية مركزية. إذ لا معنى للتسامح في أوضاع المماثلة والنمطية في الأفكار والعقائد. من هنا يؤكد "راينر فورست" في كتابه "التسامح في النزاع"، على الارتباط العضوي بين التسامح والتنازع، مشيراً إلى أن التسامح ينبثق عن التنازع ويولد من رحم الخصومات البشرية.
ولا يمكن عدّ التسامح قيمة أخلاقية مجردة ومطلقة، منفصلة عن التاريخ والتطور. وهو ليس مجرد مبدأ يرنو من خلاله الإنسان إلى التعالي على تناقضات الواقع القائم، وإنما يتوقف معناه على ثقافة العصر السائدة، وعلى علاقاته الفعلية. وإذا ما فصلنا مفهوم التسامح عن سياقه التاريخي وعزونا إليه وجوداً مستقلاً عن التاريخ، فمن شأن ذلك أن يفقده كل قيمة إنسانية وعملية.
لم يرقَ مفهوم التسامح إلى مستوى المفاهيم الفلسفية المتماسكة إلا في إطار الصراع بين فكر الأنوار والكنيسة المسيحية خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر. لكنه قبل هذا الزمن بكثير كان موضوعاً للتأملات الفلسفية والوصايا الدينية والأخلاقية.
إن مقولة سقراط الذائعة، "إني أعرف شيئاً واحداً هو أني لا أعرف شيئاً"، تكرّس لوعي التسامح عبر إقرار عميق بالتواضع العقلي، الذي يحتمل القبول برأي الآخر والاختلاف معه في آن معاً.
وكذلك الأمر مع الإمام الشافعي في قوله "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأيك خطأ يحتمل الصواب".
لكن الأكثر حسماً ووضوحاً هو قولٌ ينسب للإمام جعفر الصادق يرفض ويقول: "التعصب حتى للحق خطيئة". وفي الخطاب الفلسفي المعاصر رسخ كارل بوبر مبدأ "اللاعصمة من الخطأ" الذي أكدّ من خلاله على نسبية الحقيقة من وجهة نظر معرفية. ومن منظور أخلاقي أقرّ بضرورة الاختلاف ومشروعيته.
وقد مجّد فولتير الاختلاف والتسامح من خلال جملته المشهورة "قد لا أتفق معك، لكني سأدفع دمي ثمناً لحقك في الكلام". وبخلاف الأخير تحدّث الفيلسوف الألماني "كانط" عن الوقع المتعجرف لكلمة "التسامح". وبالمثل كان غوته يعدّ التسامح مهانة. ويرى أن التسامح ينبغي أن يكون مؤقتاً وإلى حين، وأن يؤدي إلى الاعتراف أخيراً.
كان الألماني الأشد راديكالية "نيتشة" يرى أن غاية الإنسان في الحياة هي السعي إلى امتلاك القدرة والقوة. ومن ثم فمطلب التسامح ليس إلا عقيدة للعبيد والضعفاء الذين يفتقرون للإرادة والقدرة على الانتقام. إن التسامح، من وجهة نظره، هو مؤشر على العجز والانحطاط، ومظهر من مظاهر الخنوع والاستكانة، علاوة على أنه يحمل قدراً كبيراً من المهانة والاحتقار للكرامة الإنسانية.
ولم يجد الماركسي الروسي تروتسكي بدّاً من التشكيك في جدوى التسامح قائلاً: لقد مضى ألفا عام تقريباً مذ قيل "أحبّ أعداءَك"... ومع ذلك حتى الأب الروماني المقدس لم ينجح في تحرير نفسه من كراهية أعدائه.
ويبقى لاعتراف غاندي، قديس اللاعنف، أهمية استثنائية على هذا الصعيد حين قال: "لا أحب التسامح، لكني لا أجد أفضل منه". فقد وجد نفسه مرغماً على الاعتراف بأن شيئاً ما مكروهاً هو الأفضل بين الأشياء التي يراها وهو الأنفع.
خلاصة القول، يؤشر التسامح على الموقف من آراء الآخرين وعقائدهم ومصالحهم، ومقدرة المرء على التعايش مع عاداتهم وأنماط السلوك لديهم. وتبرز الحاجة إلى التسامح بهدف الوصول إلى التفاهم والاتفاق حول المسائل الخلافية ووجهات النظر المتباينة، وبغرض الخروج على المصالح المتعارضة دون اللجوء إلى القسوة أو العنف أو الإقصاء. لكن هل يعني التسامح أن نتسامح مع غير المتسامحين؟

ينشر بترتيب خاص مع مشروع «منبر الحرية»

اقرأ أيضا