الاتحاد

تقارير

إصلاح القضاء: التحدي المقبل لأفغانستان

كيث بي. ريتشبرج
كابول



خلف الجنود المقاتلين والمدربين العسكريين، وإلى جانب عمال المساعدات وخبراء الزراعة، هناك المحامون؛ إذ يجوب الخبراء القانونيون من وزارة الخارجية الأميركية أرجاء العاصمة والأقاليم في مسعى لإنشاء نظام قضائي وسجني فعال في بلد محطم حيث العدالة في كثير من الأحيان إما مؤخَّرة أو مسلوبة أو غير موجودة.
ويُعد هذا الشعور السائد بعدم وجود عدالة في أفغانستان أحد الأسباب الرئيسية للإحباط الشعبي من حكومة الرئيس كرزاي؛ شعور تستغله "طالبان". غير أن الجهد الأميركي بدأ منذ فترة في إظهار مؤشرات على إحداث بعض التأثير. فبعد دورة تدريبية دامت سبعة أشهر لفائدة المدعين العامين وضباط الشرطة، قال عبد الظاهر، وهو مدع عام من إقليم تخار، "إن الأفغان معتادون في هذا البلد على تعذيب المشتبه فيهم، لكننا في هذه الدورة تعلمنا أن نتوقف عن هذه الممارسات لأنها غير قانونية، وتعلمنا كيف نعامل المشتبه فيهم المحتجَزين لدينا".
والواقع أن المشاكل هنا تطال كل مستويات النظام القضائي، من الشرطة إلى المحاكم إلى السجون. ولأنه لا يوجد عدد كاف من المحامين، فإن العديد من المشتبه فيهم الموقوفين يحاكَمون وتصدر في حقهم أحكام بالسجن دون الاستعانة بمحام مثلما ينص على ذلك الدستور الأفغاني؛ كما أن العديد من السجناء يقبعون في السجون حتى بعد انقضاء المدة القانونية لاحتجازهم دون محاكمة. هذا في حين يظل آخرون في السجن أشهرا بعد انتهاء فترة محكوميتهم لأن قضاياهم يطويها الإهمال والنسيان.
بعض هذه المشاكل كانت واضحة خلال جلسة محكمة عقدت مؤخرا في مكتب الاستخبارات الرئيسي للبلاد (مديرية الأمن الوطني) التي تحاكم المشتبه في علاقتهم بالإرهاب. ففي قاعة مكتظة، تلا المدعي العام التهم بينما كان أحد القضاة الثلاثة يجري مكالمة بهاتفه المتحرك والآخر منهمكا في إرسال رسائل نصية قصيرة. لم يكن هناك حاسوب ولا هاتف ولا كهرباء؛ وكان المدعي العام يحمل وثائق القضية في كيس تسوق بلاستيكي. أخبر القاضي عبد الباسط بختياري أحد المتهمين بأن حكما بالسجن ست سنوات قد صدر في حقه بتهمة الانتماء إلى "طالبان"، لكنه أردف أن بوسع المتهم استئناف الحكم. وطالب المدعى عليه الذي استشاط غضبا بالحصول على نسخة من الحكم، لكن القاضي صاح في وجهه: "ليست لدينا ناسخة! هل تتوقع من القاضي أن يدفع مقابل ذلك من ماله الخاص؟".
ومن جانبهم، يشتكي القضاة من أنهم لا يتوافرون على معدات، ولا سيارات للذهاب إلى المحاكم، ولا هواتف توفرها لهم الحكومة، والأهم من ذلك كله، غياب الأمن. فالعديد منهم يتلقون التهديدات، وبعضهم تعرض للاختطاف، وآخرون قُتلوا. ويحكي بختياري أنه اضطر خلال محاكمة حساسة إلى نقل عائلته إلى مكان سري لستة أشهر وسحب أطفاله من المدرسة، ويقول: "إن كل هذه الأمور تتسبب في عدم تحقق العدالة... إن العدالة لا يمكن تطبيقها في هذا البلد".
والواقع أن الجميع تقريبا متفقون على أن النظام مبتل بالفساد. فالأغنياء، أو الأشخاص الذين لديهم معارف في السلطة، قلما يواجهون العقاب؛ والقضاة والمدعون العامون -الذين بالكاد تبلغ رواتبهم 200 دولار في الشهر- يتلقون الرشى بشكل روتيني من أجل إسقاط التهم أو تضييع ملفات القضايا أو إخلاء سبيل المتهمين. وفي هذا الإطار، يقول هارون مطمئن (22 عاما) والذي كان في طريقه لزيارة ابن عمه في سجن "بولي شرخي" عند أطراف كابول: "إن الأشخاص الذين لديهم المال يستطيعون تأمين إطلاق سراحهم. أما الذين ليس لديهم مال، فلا أحد يكترث لأمرهم".
والواقع أن المسؤولين الأميركيين يعترفون بهذه الشكوك المحيطة بالنظام القضائي هنا، إذ يقول ديفيد جونسون، مساعد وزيرة الخارجية المكلف بمكتب مكافحة المخدرات وإنفاذ القانون: "إنه واحد من أهم التحديات التي نواجهها. يجب أن يكون الناس واثقين من أن العدالة تطبق".
ويعمل المكتب مع الشرطة والمدعين العامين من أجل تطوير نظام محوسب لإدارة قضايا المحاكم. ولهذا الغرض، من المتوقع أن ترتفع ميزانيته التي تبلغ 100 مليون دولار إلى الضعف تقريبا العام المقبل. بيد أن التحدي كبير وصعب، ذلك أن أفغانستان مقسمة إلى 34 إقليما و400 منطقة إدارية صغيرة، علما بأن أقل من مئة من تلك المناطق فقط لديها مدع عام خاص بها، ومعظمها لا تتوافر على محامين أو محاكم.
وضمن الجهود الرامية إلى تنظيم قضاء تتكدس لديه 15 ألف قضية جزائية على الصعيد الوطني، قام متعاقد أميركي بتطوير نظام بسيط نسبيا يُخصص بموجبه لكل قضية رقم وملف ملون إضافة إلى استمارة لتدوين معلومات أساسية؛ مثل اسم المدعى عليه، وتاريخ الاعتقال، واسم ضابط الشرطة الذي نفذ الاعتقال، والمدعي العام، والقاضي. وقد تم إدخال حوالي ثلث القضايا إلى النظام الجديد. غير أن المسؤولين الأميركيين يقولون إنه حتى قبل اعتقال المشتبه فيهم، لابد من تحسين التحقيقات أيضا. ولهذا الغرض، أقاموا دورات تدريبية لفائدة ضباط الشرطة والمدعين العامين. ويقول غلام محمد، وهو ضابط شرطة في إقليم تخار منذ 25 عاما: "لم أكن أعرف شيئاً عن البصمات أو اختبارات الحمض النووي... لكني الآن تعلمتُ الكثير من الأمور الجديدة".

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست»

اقرأ أيضا