الاتحاد

تقارير

لبنان وتركيا: علاقات تكسر الحواجز الذهنية

د. محمد نور الدين
مدير «مركز الدراسات الاستراتيجية» في بيروت


شكلت زيارة رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري إلى تركيا محطة مهمة في العلاقات التركية اللبنانية.
فللمرة الأولى يلتقي وفد لبناني، بقيادة رئيس الوزراء وعضوية ثمانية وزراء، مع وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو، والرئيس التركي عبدالله غول، ورئيس الوزراء طيّب رجب أردوغان، وعدد كبير من كبار أصحاب الأعمال والمستثمرين.
والأهم أن الاجتماعات أسفرت عن نتائج غير مسبوقة في تاريخ العلاقات الثنائية، أهمها قرار إلغاء تأشيرات الدخول بين البلدين للمرة الأولى في تاريخهما منذ أن كانا جزءاً واحداً من الدولة العثمانية التي دخل لبنان عقب انهيارها تحت الانتداب الفرنسي.
فالذهنية التي سادت في لبنان منذ عقود كانت سلبية بشكل عام تجاه الحالة التركية. وقد كانت هناك نظرة مسيحية سلبية تجاه صورة التركي الذي كان، وفقاً لهذه النظرة، يعتبر المسيحيين خلال الفترة العثمانية، مواطنين من الدرجة الثانية. وكان السعي لاستقلال لبنان عن السلطنة العثمانية، بمبادرة من القادة المسيحيين الدينيين على وجه التحديد.
وقد أضيف إلى العامل المسيحي في هذه النظرة السلبية تدفق عشرات الآلاف من المواطنين العثمانيين من أصل أرمني خلال الحرب العالمية الأولى إلى لبنان، لاسيما بعد مجازر عام 1915 بحق أرمن تركيا من جانب قادة الاتحاد والترقي الحاكمين في الدولة العثمانية، حيث شكل أولئك الأرمن فيما بعد عاملا أساسيا في الحسابات السياسية المحلية اللبنانية. لذا شكل العامل المسيحي، بما فيه شقه الأرمني، عقبة أمام استعداد اللبنانيين لإقامة علاقات جيدة مع تركيا.
لكن العامل المسلم لا يقل أيضاً عن العامل المسيحي، حيث أن إلغاء الخلافة لاحقا وتأسيس الجمهورية في عام 1923 أثار حنق المسلمين الذين كانوا يتوقون لبقاء تركيا زعيمة للعالم الإسلامي.
لذا فالتوجهات العلمانية لتركيا "الكمالية" لعبت دورا سلبيا في النظرة اللبنانية في بُعدها الإسلامي لتعزيز العلاقات مع تركيا.
ولا شك أن العامل الثالث تجلى في اعتراف تركيا بإسرائيل وإقامة علاقات تحالفية معها، فكان بالتالي عاملا مؤثراً جداً في برودة العلاقات اللبنانية، كما العربية عموماً، مع تركيا منذ عام 1950.
ولم تكن العلاقات اللبنانية التركية في يوم ما ممتازة، إلا على مستوى السلطة السياسية وفي أوقات كان فيها توجه السياسة اللبنانية يميل إلى الموالاة الكاملة للولايات المتحدة الأميركية، نتيجة لمصالح مشتركة ضد حركة القومية العربية التي رفع لواءها الرئيس المصري جمال عبد الناصر.
وفي الواقع، ما كان ممكنا تحقيق زيارة الرئيس الحريري، وبالحجم الذي تمت به أيضاً، لولا توفّر مجموعة من العوامل؛ أهمها على الإطلاق وجود سلطة جديدة في أنقرة تحت لواء "حزب العدالة والتنمية" الذي أعطى لعلاقات تركيا مع محيطها المشرقي أولويّة كبيرة.
لكن تطور العلاقات التركية مع سوريا كان في منتهى الأهمية لتتقدم العلاقات التركية مع لبنان. فتركيا رغم كل شيء تحاذر أن تقارب العلاقات مع لبنان بعيداً عن التنسيق الوثيق مع سوريا، بحيث يمكن القول بكل ثقة إنه لولا العلاقات الجيدة بين سوريا وتركيا ما كان ممكناً لزيارة الحريري أن تسفر عن النتائج التي حققتها، حجماً ونوعاً.
وبمعزل عن طريقة ممارسة العلمانية في تركيا، والتي بُدئ بها رسميا في نهاية الثلاثينيات، بعد تجارب عملية منذ نهاية العشرينيات، فقد كان اعتماد العلمانية في بلد متعدد دينياً ومذهبياً مثل تركيا، صمام أمان لترسيخ الاستقرار الداخلي، خصوصاً في مجتمع إسلامي متشرّب بتقاليد الثقافة الإسلامية، لكنه كان متخماً بجراح الصراعات المذهبية، بين السنّة الذين يعدون الآن حوالي 45 مليون نسمة، والعلويين الذين يقدر عددهم بنحو 20 مليون نسمة. لذا كانت العلمنة حلاً واقعياً لمجتمع متعدد الديانات والمذاهب، وهو ما يمكن أن يستفيد منه لبنان الذي تنخره الطائفية والمذهبية وتحول دون تقدمه على كل المستويات.
مع ذلك فإن التجربة التركية نموذج من حيث المبدأ، لكن ليس لجهة التطبيق الذي شهد ثغرات كثيرة، إذ أن العلمنة الموجودة في الدستور والقوانين كانت تترجم غالباً على أرض الواقع تمييزاً ضد العلويين، كما ضد الحريات الشخصية والدينية، ومنها منع ارتداء الحجاب في الجامعات في بلد مسلم بنسبة 99 في المائة.
وقد تشكّل التجربة التركية نموذجا ًللبنان من حيث المبدأ، إن لم يكن من حيث الممارسة دائماً.
ومن هذا المنطلق، قد يستطيع لبنان، من خلال الحريات الدينية والسياسية التي يقدمها لمواطنيه، أن يشكّل نموذجاً لتركيا، الأمر الذي يعود بالفائدة المتبادلة على الدولتين من خلال علاقات أكثر ثقة ورسوخاً، ترتكز على المصالح السياسية، إضافة إلى المصالح الاجتماعية والثقافية.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«كومون جراوند»

اقرأ أيضا