الاتحاد

الملحق الثقافي

الإمارات الأولى عربياً في مكافحة القرصنة

يجمع الكثير من الباحثين والمشتغلين في البحث الاجتماعي وحتى الاقتصادي أن البيئة القانونية الإيجابية المشجعة واحدة من أهم شروط تحقق التنمية بشكل عام، وهو الأمر الذي ينطبق على التنمية الثقافية في تجلياتها كافة. فالتشريعات الملائمة والمناخ الذي يميل أكثر فأكثر الى الحداثة ومواكبة ما يجري في العالم من نمو وتطور تؤدي تلقائياً إلى مستويات أعلى على صعيد التنمية الثقافية. وفي مجال النشر وحقوق الملكية الفكرية تحتل التشريعات والقوانين التي تحمي الملكية الفكرية والإبداعية أهمية مضاعفة.


في العالم العربي يجري الحديث باستمرار عن “فجوة القوانين” التي نجمت عن ثورة المعلومات والاتصالات، وما فرضته من تبعات وأوضاع اجتماعية واقتصادية وثقافية جديدة، أدت إلى ظهور أعباء تشريعية وقانونية غير مسبوقة في التزاماتها ومسؤولياتها وأدوارها. الأمر الذي يتطلب من الدول مراجعة ما لديها من تشريعات وأطر قانونية قديمة وتحديثها لتواكب المستجدات الجديدة.
وتمثّل التشريعات الثقافية المستحدثة واحدة من أهم الحلقات التي فرضتها وتغذيها ثورة المعلومات والاتصالات باستمرار، خصوصاً فيما يتعلق بحقوق النشر والملكية الفكرية وقضايا الإبداع الثقافي وغيرها، ويقول التقرير الثاني للتنمية الثقافية الصادر مؤخراً عن مؤسسة الفكر العربي، إن استجابة العالم العربي لهذا الجانب “متفاوتة من حيث السرعة والنضج إلى حد كبير، وجاءت في معظمها بطيئة وقاصرة، وهو ما يشكل تحدياً أمام التوظيف الثقافي لتقنية المعلومات والاتصالات، خصوصاً فيما يتعلق بالأطر القانونية الحاكمة لحقوق التأليف والنشر والملكية الفكرية وغيرها من القوانين ذات الصلة المباشرة والوثيقة بالإبداع الثقافي عبر القضاء الإلكتروني الرقمي”.
رغم ذلك، ومع الاعتراف بالواقع غير المشجع لما يتصل بحقوق الملكية الفكرية في العالم العربي، تظل هناك فروق بين الدول العربية، كما أورد التقرير نفسه، وتمثل تجربة الإمارات على هذا الصعيد تجربة لافتة تستحق الدراسة، بل إن ايمي هاوس المدير التجاري لاتحاد الناشرين البريطانيين وصفتها حرفياً بـأنها “مثال يحتذى”.

الإمارات نموذجاً
تفيد تقارير وإحصاءات وزارة الاقتصاد، وهي الجهة المنوط بها حماية حقوق الملكية الفكرية في الدولة، بأن الإمارات تحتل المركز الأول عربياً وإقليمياً في مكافحة القرصنة، حيث بلغت نسبة القرصنة 35? في العامين 2008 و2009، وهي نسبة من أقل النسب في العالم. كما أنها ضمن قائمة الـ20 دولة الأولى في حماية حقوق الملكية الفكرية في العالم. وفي التقرير العربي الثاني للتنمية الثقافية الذي أصدرته مؤسسة الفكر العربي مؤخراً، جاءت الإمارات في المرتبة الأولى عربياً والـ 24 عالمياً وفقاً لمؤشر حماية الملكية الفكرية. ومن الزوايا المضيئة في التجربة الإماراتية أن منظمة التجارة العالمية لم تسجل أي ملاحظات على قوانين الملكية الفكرية في دولة الإمارات.

نظرة تاريخية
بدأت الإمارات مسيرة حماية حقوق الملكية الفكرية منذ وقت مبكر، ويذكر تقرير لوزارة الاقتصاد أنه عند تأسيس الدولة تضمن الدستور نصوصاً وقوانين بشأن حماية الملكية الفكرية، ونصت المادة 21 من الدستور على أن الملكية الخاصة مصونة، وأوكلت المادة 121 إلى الاتحاد مهمة تشريع قانون الملكية الفكرية في الدولة حيث نصت على انفراد الاتحاد بالتشريع في الشؤون التالية: حماية الملكية الأدبية والفنية والصناعية وحقوق المؤلفين، المطبوعات والنشر. كما نصت المادة 107 من قانون المعاملات المدنية لدولة الإمارات على أن الحقوق المعنوية هي التي ترد على شيء غير مادي ويتبع في شأن حقوق المؤلف والمخترع أو الفنان والعلامات التجارية وسائر الحقوق المعنوية الأخرى أحكام القوانين الخاصة.
وفي العام 1975 انضمت الدولة إلى المنظمة العالمية للملكية الفكرية، وفي عام 1994م سعت دولة الإمارات إلى الانضمام إلى اتفاقية الجات GATT وهي الاتفاقية المعنية بتجارة السلع والبضائع، وكان من متطلبات هذه الاتفاقية وجود قوانين لحماية الملكية الفكرية فصدر القانون الاتحادي رقم 40 لسنة 1992 بشأن حقوق المؤلف والذي ألغي بالقانون الاتحادي رقم 7 لسنة 2002م في شأن حقوق المؤلف والحقوق المجاورة. كذلك صدر القانون الاتحادي رقم 37 لسنة 1992 في شأن العلامات التجارية وقد عُدّل بالقانون رقم (8) لسنة 2002. كما صدر القانون الاتحادي رقم 44 لسنة 1992م بشأن تنظيم وحماية الملكية الصناعية لبراءات الاختراع والرسوم والنماذج الصناعية، والذي عدًل بالقانون الاتحادي رقم (17) لسنة 2002.
ومع انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية عام 1996 عمدت الدولة إلى تحديث تشريعاتها الخاصة بالملكية الفكرية لتواكب المتطلبات الدولية الحديثة، وتقوم المنظمة العالمية بمراجعة قوانين الملكية الفكرية لدولة الإمارات بشكل دوري، حيث تمت مراجعة تشريعات الملكية الفكرية لدى المنظمة في عام 2001 وجاءت نتائج المراجعة إيجابية.
إلى ذلك، انضمت الإمارات إلى العديد من الاتفاقيات الدولية التي ترعاها المنظمات الدولية الناشطة في هذا المجال ومنها اتفاقية الانضمام إلى منظمة الوايبو عام 1974 اتفاقية جوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة (تريبس ـ Trips) عام 1994. وفي مجال العلامات التجارية انضمت الدولة إلى اتفاقية باريس لحماية الملكية الصناعية عام سنة 1996 وفي مجال براءات الاختراع انضمت الدولة إلى معاهدة التعاون بشأن البراءات عام 1998 ومكتب براءات الاختراع لدول مجلس التعاون الخليجي عام 1998 وفي مجال حقوق المؤلف والحقوق المجاورة انضمت الدولة إلى اتفاقية بيرن بشأن حماية المصنفات الأدبية والفنية عام 2004 واتفاقية روما بشأن حماية فناني الأداء ومنتجي التسجيلات الصوتية وهيئات الإذاعة عام 2004 واتفاقية الوايبو لحقوق المؤلف عام 2004 واتفاقية الوايبو بشأن الأداء والتسجيل الصوتي في عام 2005.

حقوق التأليف والنشر
غني عن القول أن معارض الكتب تعد بيئة خصبة لتشجيع صناعة الكتاب وحركة النشر، ولهذا حظي معرض أبوظبي الدولي للكتاب بعناية خاصة من هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، وبدأت منذ العام 2006 في تطبيق استراتيجية لتطويره، وأنشأت شركة “كتاب” التي نجحت في تحويل المعرض إلى ملتقى ومعرض دولي بكافة المعايير والخصائص. وجاء تأسيس شركة “كتاب” إلا للارتقاء بأداء قطاع النشر في العالم العربي، وجعل أبوظبي مركزاً إقليمياً للنشر من خلال مبادرات عدة أهمها: حملات تشجيع القراءة، وآليات تحسين توزيع الكتاب، ومعالجة قضايا النشر الملحّة في المنطقة العربية وفي مقدمتها مكافحة القرصنة الأدبية وحماية حقوق الملكية الفكرية.
وها هي العاصمة أبوظبي تستضيف مؤتمر اتحاد الناشرين الدولي لحقوق النشر، الذي اختتمت فعالياته أمس الأول، لمناقشة تحديات القرصنة الفكرية وسبل تعزيز الالتزام بحقوق النشر في المنطقة والعالم. وهي المرة الأولى التي ينظم فيها المؤتمر في دولة عربية، وفي هذا مؤشر على المكانة المميزة والثقة التي تحظى بها الإمارات، لا سيما وأن المؤتمر يعتبر منصة عالمية يمكن من خلالها التواصل مع المعنيين بقطاع النشر في العالم، والإطلالة على مستجدات هذه الصناعة المهمة، وعقد الصفقات وتجويد الأداء وتطوير الأدوات لما فيه مصلحة الكتاب والمبدع والناشر، خاصة وأن الإمارات تعتبر سوقاً واعدة على هذا الصعيد، وبإمكانها أن تلعب دوراً مهماً في المستقبل في هذه الصناعة لتوفر البنى التحتية ورأس المال والبيئة التشريعية الآمنة وكل ما يجعل من المشروع النشري مرشحاً للنجاح.

حملة وطنية
تحرص وزارة الاقتصاد على إزالة كافة المعوقات والتحديات الناجمة عن تعديات القرصنة، وتبذل جهوداً ملموسة لنشر الوعي بأهمية حقوق الملكية الفكرية للدور الرئيس الذي تلعبه في مسيرة التنمية الشاملة، ولتوفير بيئة سليمة خالية من تعديات وانتهاكات القرصنة التي تؤثر سلباً على الثقافة الإبداعية والفكرية للمؤلفين وأصحاب الاختراعات والابتكارات.
وفي سبيل ذلك، أطلقت الوزارة في العام 2009 حملة وطنية لحقوق الملكية الفكرية تحت شعار “لنكن شركاء في حمايتك وحماية الآخرين” استمرت اسبوعين، واستهدفت توعية الجمهور بأهمية مفهوم حماية الملكية الفكرية وانعكاسه على الاقتصاد الوطني، بالإضافة إلى منع الممارسات التجارية غير المشروعة، وحماية حقوق المستهلكين، وتضمنت عدداً من الأنشطة والفعاليات الجماهيرية التي غايتها الوصول الى الجمهور في كل مكان. ولكي تحقق الحملة غرضها حرصت الوزارة على الاستعانة بكافة أوعية الاتصال والمعرفة: نشرات، كتيبات، ندوات، محاضرات، عروض فيلمية، إعلانات تلفزيونية وإذاعية، لوحات إعلانية في الشوارع وغيرها.
وما هذه الحملة سوى خطوة من خطوات كثيرة تقوم بها الإمارات من أجل توفير بيئة سليمة خالية من تعديات وانتهاكات القرصنة، التي تؤثر سلباً في الثقافة الإبداعية والفكرية للمؤلفين، وأصحاب الاختراعات والابتكارات. وفي السياق نفسه، تعمل جمعية الناشرين الإماراتيين على تسليط الضوء على أهمية حقوق الناشر، ومتابعة الجهود المبذولة من أجل حماية حقوق الملكية الفكرية التي تسهم بلا شك في تطور الفعل الإبداعي والارتقاء بالحياة الثقافية في الدولة، لما تمارسه من تشجيع وتحفيز للمؤلف ليبدع وللناشر لينشر في جو من الثقة والقناعة بأن الدولة تحمي حقوقه، وتحترم عقول مبدعيها. وفي هذا دعم وتطوير للإنتاج الإبداعي والابتكار والتميز، وكلها في النهاية تصنع حالة إبداعية مواتية للرقي الثقافي والمعرفي، وتحريك عجلة النشر في الإمارات لتمضي بوتائر أعلى.
وتسجل الإمارات حضوراً لافتاً على صعيد التعاون والتنسيق المشترك مع المنظمة العالمية للملكية الفكرية، واتحاد الناشرين الدوليين، والاتحاد العربي لمكافحة القرصنة، واتحاد الناشرين البريطانيين، وغيرها من المؤسسات والجهات، عبر تبادل المعلومات والخبرات في مجال حماية حقوق الملكية الفكرية، لحشد الجهود لمواجهة أشكال التعديات التي من شأنها أن تؤثر في أصحاب الابتكار والاختراع، وبالتالي ضمان حماية حركة النمو الاقتصادي من التحديات الناجمة عن القرصنة، وانتهاك حقوق الملكية الفكرية. لكن هذا بالطبع لا ينفي وجود بعض التجاوزات كما في كل شيء في الحياة، ولهذا ينبغي التشديد على ضرورة وأهمية التنسيق بين الجهات المعنية بحماية حقوق الملكية الفكرية بهدف منع الانتهاكات وتقليص القرصنة في الأسواق والحفاظ على الإنجازات التي تحققت خلال السنوات الماضية.

اقرأ أيضا