الاتحاد

الملحق الثقافي

علي بن تميم: الترجمة اعتراف بالآخر المختلف

يقف مشروع “كلمة” للترجمة الذي تشرف عليه هيئة أبوظبي للثقافة والتراث ولا تألو جهداً في دعمه ورعايته، في طليعة المشروعات الثقافية العربية التي تحظى باهتمام وثقة الأوساط الثقافية الخليجية والعربية. ويعتبر هذا المشروع درَّة المشروعات التي تعنى بالكتاب العربي نظراً لجودة كتبه، وانفتاحه على حقول المعرفة كلها، وسعيه الى تقديم معرفة علمية ودقيقة عن الآخر، وتجسير الهوة القائمة بين الثقافة العربية وحركة التأليف والنشر في الثقافات العالمية، ما يعني الاقتراب من تطور المعرفة وتحقيق التواصل الثقافي بين الحضارات في عصر يزداد فيه الحديث عن صراع الثقافات وتنافس الحضارات.


مما يزيد أهمية المشروع أنه يستثمر في حقل صعب، ربما لا يجد الكثير من المتحمسين للاستثمار فيه، مدفوعاً بالعوائد المعنوية الهائلة التي سيحققها على صعيد النهضة الثقافية، والإسهام إسهاماً نوعياً في عملية التنمية المجتمعية بل في عصبها الأهم: الإنسان. فبغير الإنسان الواعي، المثقف، المتمسك بسلاح العلم والمعرفة لا يمكن أن تنمو المجتمعات أو ترقى، ما يجعل مشروع “كلمة” واحداً من المشروعات المؤسِسة التي تفعل عميقاً في وعي العرب وثقافتهم، بل وتتصل بعلائق تنموية مع الثقافات الأخرى في كافة أطيافها وتجلياتها.. ولأن المقدمة لا تتسع لإيراد مميزات المشروع كلها نترك هنا المجال للأديب والناقد الدكتور علي بن تميم مدير مشروع “كلمة” للترجمة ليتحدث عنه وعن آفاقه وأهدافه واجتراحاته المختلفة.

? بداية.. وما دمنا في أجواء معرض الكتاب وفعالياته، كيف توصّف لنا علاقتك بالكتاب؟ بداياتها الأولى، وهل ثمة من فتح لك باب المعرفة وأخذك إلى القراءة؟
? يذكرني الحديث عن البداية بما يقوله إدوارد سعيد في كتابه “البدايات” عن أن البدايات عادة مليئة بالصخب لأن حواس المرء تكون مشتبكة مع الأشياء. والحديث عن البدايات انشداد إلى القلق المستمر من المستقبل. بدأت علاقتي بالكتاب بشكل منظم بمحض الصُدفة عندما كنت طالباً في المرحلة الإعدادية، وكان الأستاذ المشرف على الفصل يرغب، كنوع من التميز، في إنشاء مكتبة في الفصل. ولما بحث عن طالب يشرف عليها لم يجد أحداً يرفع يده سواي، فاختارني مضطراً لهذه المهمة، ووجدت نفسي مشرفاً على مكتبة صغيرة جداً لا يزيد عدد كتبها عن ثلاثين عنواناً. ولما التحقت بجامعة الإمارات العربية المتحدة توطدت علاقتي بالكتاب. فقد فتحت لي مكتبتها العامرة في السليمي ومكتبة زايد بالعين عالماً آخر، عالماً مليئاً بكل شيء، ووجدت فيها فرصة استثنائية لإشباع نهمي للقراءة. ولا أبالغ حين أقول إن جامعة الإمارات العربية المتحدة كانت العنصر الأساسي الذي أضاء عالماً بأكمله في علاقتي بالكتاب.

العالم الذي يضيق
? وماذا عن علاقتك بمعارض الكتب؟
? بدأت زيارتي لمعرضي الكتاب في أبوظبي والشارقة منذ كنت طالباً في الجامعة. في ذلك الوقت، لم تكن الميزانية تكفي، فكنت ألجأ إلى تدبيرها من أخي الأكبر وبعض أقاربي علاوة على الوالد لتجميع مبلغ مناسب لشراء الكتب في شتى أنواع المعرفة. كانت المعارف وقتها متسعة، وكنت أقرأ في كل شيء. ثم تغير الأمر مع دخولي الدراسات العليا - يبدو أن عالم المعرفة لا يضيق أمام الإنسان إلا حين يكبر - وكأن هُناك علاقة سلبية وإيجابية في الوقت نفسه بين التخصص والمعرفة. سلبية لأنها تضيق المتسع أمام الإنسان وايجابية لأنها توسع الضيق، حيث تتحدد في نقطة محددة جداً عليك أن تشملها في البحث. عندما التحقت بجامعة الإمارات بدأت في إنشاء مكتبتي التي ربما أخذت حيزاً كبيراً من البيت، رغم أن بعض الكتب ظلّت حبيسة الكراتين لأن لا مكان لها على الرفوف. وتعقّد الأمر أكثر إذ انني يوما بعد يوم وجدت بأن مكتبتي قد أصبحت ضخمة جدا، فصارت المكتبة تنزع إلى العموم والشمول، ثم بدأنا نُشكل مكتبة للأطفال أيضاً، وهنا تعرفت إلى ما يحدث في عالم الطفولة في العالم العربي تحديداً. وأدركت مدى حاجتنا إلى تنمية مكتبة الأطفال لأنهم هم من سيصنع المستقبل. فأدب الأطفال في غالبيته مترجم، وللأسف الشديد فإن أعظم آداب الطفولة والناشئة لم ينقل بعد إلى العربية وهناك محاولات خجولة في تأليف أدب الأطفال بجودة ووفق مقاييس عالمية. هناك ناشرون قليلون جداً قدموا أدباً حقيقياً للأطفال. وهناك ناشرون أقل منهم هم الذين صنعوا أدب الأطفال.

عالم عتبي
? تطمح “كلمة” لإحياء العصر الذهبي للترجمة، وتوفير خيارات متنوعة للقارئ العربي وهي تحديات صعبة بلا شك، كيف تتعاملون مع مثل هذه التحديات؟
? يواجه مشروع “كلمة” جملة من التحديات، فهو مشروع يريد أن يترجم من كل اللغات، ومن كل الموضوعات، وأن يتوجه إلى كل القراء، وهذا تحد كبير في ذاته – رغم أنه يعطي المشروع حضوراً أقوى- يخلق تحديا آخر تتمثل في القدرة على التوفيق بين التوجه إلى النخبة وإلى المجتمع بكل تياراته وأطيافه وإلى قراء من مختلف الأعمار والمستويات في الوقت نفسه. فهذا التوجه يطرح أسئلة جوهرية وصعبة: كيف تختار كتباً من موضوعات بعينها؟ ما حجم الاختيار في كل موضوع؟ ما حجم التوجه إلى الأطفال والناشئة والكبار؟ ما حجم الاختيار من لغة إزاء لغة أخرى؟ وتزداد هذه التحديات تعقيداً إذا ما تساءلنا: ما هو واقع الترجمة بالنسبة للكتب التي تصنف من حيث النوع الاجتماعي، بمعنى أن هناك كتباً للناشئة تتوجه إلى البنات وأخرى تتوجه إلى الذكور، وهناك كتب للكبار تتوجه إلى النساء وأخرى تتوجه إلى الذكور. وهكذا، بقدر ما تطرح التصنيفات العالمية بقدر ما تواجه جملة من التحديات في سباق الاختيار. إلى ذلك، نحن في “كلمة” لا نسعى لنشر الكتاب التجاري، ولفظ التجاري هنا يصف واقعاً من التأليف العالمي الذي يعنى باختيار كتب مؤقتة للجميع وتلك التي تتناول الأحداث العالمية والموضوعات الأكثر انتشاراً، نحن نتوجه الى عامة الناس لكننا لا نريد أن نكون جماهيريين جداً ولا نريد أن نكون نخبويين جداً. نحن نبحث عن عالم بين الاثنين، يمكن القول إنه عالم عتبي، عالم بيني، يقع بين بين. وفي ظل التصدعات الكبرى التي حدثت في المعرفة، وفي ظل ذوبان الحدود الفاصلة بين العلوم والموضوعات العامة، وفي ظل تلاشي نوعية المخاطَب الصارم، وفي ظل توجه الناشرين العالميين ودور النشر العالمية إلى أن تؤلف من أجل الجميع، فإن هذه المهمة لا تصبح سهلة. أعظم مشاريع النشر في العالم اليوم تخلت عن هذا النزوع النخبوي، وأصبحت تعنى بالسلاسل العامة، هنا يمكن الإشارة إلى منشورات جامعة شيكاغو واكسفورد. فسلسلة تاريخ العالم في جامعة اكسفورد وضعت صيغاً معينة للتأليف بحيث يفيد من الكتاب القارئ النخبوي والقارئ العادي. وكان التأليف على هذه الشاكلة تحدياً كبيراً، لكن الجامعة نجحت في استقطاب أهم المؤلفين وكبار الباحثين في الحقل التاريخي.

منابع الكتب.. مناجمها
? كيف تتشكل قائمتكم من الكتب المرشحة للترجمة، وما هي المناجم أو المنابع التي تتخيرون منها؟
? ثمة مسارب خمسة تضع أيدينا على أهم الكتب المنشورة في الثقافات المختلفة. المسرب الأول يتمثل في الاتفاقات العالمية بيننا وبين مؤسسات دولية تهتم بثقافتها، ونتشارك معها في تبادل خيارات الكتب والمترجمين، ولدينا اتفاقات مع الهولنديين والإيطاليين والهنود والألمان (جامعة جوهانسبيرج في ألمانيا، المؤسسة الهولندية لإنتاج الأدب الهولندي وترجمته وصناعته، معهد الشرق الإيطالي، والمركز الهندي العربي في نيودلهي)، وقريباً سنعقد مثلها مع الفرنسيين والإسبان... وآخرين. هذه المؤسسات الدولية تطلعنا على الإصدارات الحديثة جداً في العالم، وهي تمتلك المعلومات المفيدة جداً فيما ترجم من آدابها إلى العربية، فمعهد الشرق في إيطالي، على سبيل المثال، أنجز بيبليوغرافيا عن كل ما ترجم من الأدب الإيطالي إلى العربي. أما المسرب الثاني فيأتي من “كلمة” نفسها، فنحن لدينا فرق فنية تنظر في القوائم الأكثر مبيعاً التي تصدرها الصحف والمؤسسات ومراكز المعلومات المرموقة، علاوة على أهم الجوائز العالمية وتختار منها. ويأتي المسرب الثالث من اللجان الفنية المتخصصة التي تشكلها “كلمة” للنظر في موضوع ما، موضوع الطاقة، مثلاً، يعني القارئ المتخصص والقارئ العام، والمكتبة العربية تعاني نقصاً فيه، هنا، نختار ثلاثة متخصصين أو خبراء في هذا الموضوع ليرشحوا لنا الكتب التي سيترجمها المشروع. والمسرب الرابع هو المترجمون، فهؤلاء يعرفون ما يدور في حقل الترجمة، وبالتالي يرشحون لنا بعض القوائم التي ننظر فيها. ذلك أننا نحرص على إتاحة الفرصة للمترجم ليترجم كتاباً يحبه، بدلاً من أن يُرغم على كتاب معين، فإن كان لديه كتاب جيد ندرس اقتراحه. والمسرب الخامس يأتي من الناشرين العرب الذين يرسلون لنا قوائم مقترحة ندرسها وننتقي منها. علاوة على أننا نُشارك في أهم المعارض الدولية (فرانكفورت، لندن، نيويورك، معرض بولونيا للأطفال) وهذه المشاركة تجدد قوائمنا بشكل كبير علاوة على أنها ترسخ حضورنا وتعرفنا إلى صناعة الكتاب. كل هذه المقترحات ترسل إلى لجنة التحكيم لتدرسها، وقد تتجاوز أحياناً الـ 600 عنوان وتتقلص إلى 40 أو 60. ولا تفوتني الإشارة إلى أن هذه القوائم يجري تجديدها باستمرار لمواكبة كل جديد في عالم النشر.

معايير الترجمة
? كيف تختارون الكتاب الذي سيترجم؟ وما هي المعايير التي تضعونها في الاعتبار عند الاختيار؟
? هناك معايير عديدة تحدد الاختيار، أولها اللغات التي نترجم منها والتي تحكمها نسبة التأليف العالمي، وكما هو معروف فإن أكبر نسبة تأليف تقع في اللغة الإنجليزية (أكثر من 90 في المئة يؤلف باللغة الإنجليزية). ولا أذيع سراً إذا قلت إن أي كتاب له قيمة يترجم إلى الإنجليزية (وأحياناً قبل أن يصدر بالبولندية أو الهولندية أو غيرها من اللغات)، وهذا يفسر النسبة المرتفعة في عدد الكتب المترجمة عن الإنجليزية. وثاني المعايير هو الموضوع فنحن نركز على الموضوعات التي نجد أن هناك حاجة ملحة لترجمتها، سواء لنقص في المكتبة العربية، أو لأهميتها بالنسبة إلى سياقاتنا الثقافية لأننا لا نريد أن ننفلت من التفاعل مع واقعنا المحلي. هذا أمر مهم، وأي مشروع ترجمة يطير في الفضاء لا ينجح، والمشروع الحقيقي هو المشروع الذي يتمسّك بسياقه المحلي والإقليمي والعالمي. وفيما يخص الموضوع نحن لا نختار كتاباً فقط، بل نحرص على اختيار كتاب يحمل مقاربة جديدة، ويأتي هذا في إطار رغبتنا في تسليط الضوء على المنهجيات المتنوعة والكيفية التي تطور بها البحث العلمي في العالم. وثالث المعايير هو اختيار المترجم، ويتم بناء على القوائم الموجودة لدينا والتي تضم أسماء مئات المترجمين، فنفحص سيرة المترجم لمعرفة مدى قدرته على ترجمة الكتاب ثم نطلب منه ترجمة خمس صفحات فقط ترسل الى لجنة التحكيم لتقول رأيها فيها: فإما ترفضها أو تقبلها أو تقبلها مع اشتراط مراجع، ومع ذلك نحن نقوم بمراجعتها توخياً لأفضل مستوى من الدقة. وبعد الانتهاء من الترجمة يأتي إخراج الكتاب في طباعة جميلة وحلة أنيقة تعبر عن الاهتمام العام بالكتاب في سياقات أبوظبي الثقافية.

? تحدثت عن سياق محلي وإقليمي وعالمي، هل يمكنك تحديد نسبة كل سياق من هذه السياقات في الكتب الصادرة عن “كلمة”، أم أنه من الصعب الفصل بينها تماماً؟
? أعتقد أن من الصعب تجزئة الأمور، فموضوع الطاقة المستدامة، مثلاً، هو موضوع ذو سياق محلي وإقليمي وعالمي، وأبوظبي استضافت مقر الطاقة نظراً لما تتمتع به من سمعة دولية كبيرة وعلاقات قائمة على الاحترام المتبادل. مثل هذا الموضوع يعني الكثير للسياق المحلي والإقليمي والعالمي، خاصة في ظل التداخل الكبير بين الدول وشيوع المعلومات. في موضوع الطاقة المستدامة لدينا أكثر من 3 كتب، وهناك 7 أو 8 كتب للناشئة، وسبق أن أطلقنا حقيبة أبوظبي للأطفال، والآن سنطلق حقيبة أبوظبي للناشئة، وهذا يصب في سياق التفاعل بيننا وبين السياق المحلي.

التوزيع.. كعب إخيل
? من المعلوم أن التوزيع هو كعب إخيل أو الحلقة الأضعف في عملية صناعة الكتاب، في ظل الحديث عن قارئ عربي لا يقرأ، وكاتب لا يوزع أكثر من ثلاثة آلاف نسخة، كيف تنظرون الى توزيع الكتاب؟
? أعتقد أن هذه الأقوال فيها شيء من المبالغة. المشكلة في رأيي ليست مشكلة قارئ بل مشكلة جودة وخيارات في تقديم الكتاب. هناك سوق للتوزيع وهناك اهتمام من القراء، لكن هذا لا ينفي أن هناك مشكلة في التوزيع، لا تستطيع حلها جهة واحدة. هيئة أبوظبي للثقافة والتراث استحدثت قسماً للتوزيع، وبدأت في دراسة ستعلن عنها في المستقبل لإنشاء آلية جديدة للتوزيع، لكن مشكلة التوزيع هي مشكلة القوانين المتغيرة التي تحكم حرية انتقال الكتاب من بلد إلى آخر. أما عن “كلمة” بشكل خاص فكتبنا موجودة في منافذ كثيرة للتوزيع في الإمارات، وهي تغطي معظم دول العالم العربي تقريباً، إضافة إلى حضورنا في معارض الكتب العربية والدولية.

الخائفون من الترجمة
? هناك مخاوف يبديها بعضهم إزاء الترجمة، وهي غالباً ما تتعلق بالقيم والحرص على الثقافة والهوية والخصوصية بل ربما يرفض البعض الترجمة باعتبارها على علاقة بالغزو الثقافي، كيف تنظر إلى هذا الأمر؟
? هذه مخاوف قديمة، بل وضاربة في القدم، تعبر عن جزء من الفهم التقليدي إزاء الترجمة. وهي تصدر عن فئة من المثقفين يعتقدون بوجود ثقافة صافية يخشون عليها ويعتقدون بضرورة حمايتها من اي شيفرات ثقافية أخرى (دخيلة). وهذا في تقديري عائد إلى الطريقة التي يفهمون بها الترجمة. الترجمة ليست نقل كتاب من لغة إلى لغة أخرى بل نقل كتاب من نظام إلى نظام آخر، وفي ظل هذا النقل يسافر الكتاب. وفي انتقاله هذا يكتسب لغة جديدة، منظوراً جديداً، بنية جديدة، إخراجاً جديداً، أي أنه يكتسب تغيرات جوهرية شكلاً ومضموناً. نحن نتحدث هنا في سياق اختلاف القيم، إذن لابد من الاعتراف أن الترجمة (من وجهة نظري) هي موافقة ضمنية على أن الآخر مختلف عنا، وأننا حين نترجم فإننا نعترف بهذا الاختلاف وبالآخر المختلف, وعلينا أن نحترم هذه القيمة. نحن في الترجمة لا نبحث فقط عن التشابه بيننا وبين الآخر، وهذا لا يعني أن مشاريع الترجمة توسع الهوة بيننا وبين الآخر بل تردم الهوة الفاصلة بيننا وبينه. نحن لسنا مشروعاً لترويج الإشاعات، ولسنا مشروعاً للفصل بين الثقافات بل مشروع لربط الثقافات وترقية الفهم المتبادل بين الثقافة العربية وثقافات الآخرين في سياق يؤمن بالاختلاف. وعليه، لابد من التركيز على المضامين الجديدة فيما نترجم. إن اختلاف القيم المقصود هنا ليس القيم الأخلاقية بل المعرفية والعلمية والقيم التي تفسر لنا الاختلافات المنهجية في مقاربة الظواهر، وقيم صناعة الكتاب، وغيرها من القيم التي تختلف من ثقافة إلى أخرى. بعض الاتجاهات التي تتحدث عن العولمة تصدر كتباً خالية من القيم، متسترة بما يُعرف بالقيم الكونية أو العالمية، والنزوع الشائع إلى اعتبار الكتاب لا يحمل قيماً خاصة، وهي، في نظري، كتب غير مهمة لأنها تنزع نزوعاً تجارياً وتريد أن تصل لكل الناس. نحن في “كلمة” نؤمن أن هناك مواطن للاختلاف بيننا وبين الآخرين كما نؤمن في الوقت نفسه بأن هناك قرابة ثقافية بيننا وبينهم، ونحن نحترم القرابة الثقافية ونحترم مواطن الاختلاف، ومشروعنا مفتوح على كل الثقافات. أظن أن مشروعات الترجمة في العالم العربي نهجت طريقين: إما اتجاه نخبوي صرف أو اتجاه تجاري صرف، بحيث إن النخب الثقافية العربية لا تفهم الكلاسيكيات إلا في إطار كونها أدباً أو فلسفة.. وهذا ما وجدناه حين أردنا في “كلمة” أن نقارب النشر، لكن الأدب والفلسفة ليست كل شيء في مجال الكلاسيكيات. كل القوائم التي وصلتنا تصب في ترجمة هيغل وكانط وديكارت وماركس، وهي مقاربات تدور في الفلك نفسه، إنها عبارة عن تدوير للمعرفة، وحين ندور على ثيمة معينة فهذا يعني أن خياراتنا قليلة، وحين تكون الخيارات قليلة فإن هذا يعني وجود خلل وأننا في مسمى التخلف والضحالة والموت. صحيح أن الفلسفة مهمة جداً وأنها مكون مركزي وأساسي في جميع الاتجاهات الفكرية والنقدية، وصحيح أن جسد الفلسفة المعاصرة لم يشفَ من مؤثرات هيجل وديكارت وكانط وماركس لكن هناك إنجازا كبيرا حققه الإنسان. وإن كان لي أن أدعو إلى شيء فإنني أقول: لابد أن نستحدث معرفة جديدة. فالعالم متغير، متشظي، خاصة في المجالات المعرفية, وكفانا دوراناً حول القديم. من هنا اكتشفنا أرضاً خصبة يمكن أن نمتح منها, وعلى سبيل المثال، عثرنا على كتب مهمة في العمارة والأثاث وحقول أخرى في لغات لم يترجم عنها، وأثرت في النظريات المعاصرة. منها كتاب الشاي، هذا الكتاب المهم الذي ألفَّه شرقي قبل مائة سنة، ويحمل مقاربة ومنهجية تذكر بالمنهجيات المعاصرة. وفي هذا نحن لا نترجم كتباً فقط، بل نترجم معرفة جديدة تحمل قيماً جديدة لأن العرب بحاجة لأن يتعرفوا على هذه القيم. هنا تكمن قوة “كلمة”، في انفتاح المشروع على كافة التخصصات. أذكر، مثلاً، أننا شكلنا لجنة فنية لاختيار كتب في الدساتير. ففوجئت بنفس الإلحاح على تداول نفس الأفكار، نفس الخيارات. شكلنا لجنة أخرى وقلنا نريد أن نبحث عن الكتب الأكثر مبيعاً في الدستور. اخترنا الدستور الأميركي كونه الأكثر أهمية والأكثر تأثيراً في الدساتير الأخرى، فماذا حدث؟ شيوخ المثقفين (النخب) اختاروا ترجمة الدستور، مقاربة في الدستور، الثيمة الفلانية في الدستور وهكذا.. في حين كنا نبحث عن كتاب يفسر لنا كيف نشأ الدستور الأميركي؟ ما هي المؤثرات التي شكلته؟ من هم الذين صاغوه؟ ما هي خلفياتهم الثقافية؟ كيف نشأت فكرة الدستور وغير ذلك من الأسئلة التي تقدم لنا معرفة جديدة وقيماً جديدة. نحن الآن وفي العصر الراهن ثقافة ناهضة (وهذا لا يلغي أننا ثقافة تمتلك تراثاً وتاريخاً عريقين) وأي ثقافة ناشئة تحتاج الى المعرفة، ولذلك يجب أن تكون المهارات الأساسية حاضرة. على صعيد الكتاب، نحن لا نريد أن نطبع كتباً تنفر القارئ، بل نريد أن نرفع أعداد القراء، ولهذا نبحث عن موضوعات تعنيهم وتكون عميقة جداً في الوقت نفسه. هذا يفرض علينا أن نستشعر إيقاعات العصر وتغيراته. وربما يكون فيما فعلته دار النشر (ري آكشن – Reaction ) ما يوضح ذلك. هذه الدار لديها سلسلة الحيوانات (قمنا بشراء حقوق ترجمتها)، وهي سلسلة متخصصة في التاريخ الطبيعي والثقافي والكيفية التي تطور بها عند الإنسان؟ كيف اكتسب صفة نوع عند الإنسان وفي الطبيعة. كيف تجلى في الكتب المقدسة، في المتاحف، في الأحافير واللقى، في الفلسفة، في الأنثروبولجيا، في الشعر الحديث وغير ذلك. مثل هذه الموضوعات التي ألفها كبار الباحثين كانت طباعتها بأسلوب يصل الى جميع القراء تحديا حقيقيا. بحثت الدار عن صيغ مناسبة حتى توصلت الى طريقة في التأليف، التزم بها كل المؤلفين والكتاب، وذلك بغية الوصول الى القراء لأن الكتاب الذي يخاطب قارئاً معيناً لم يعد له اليوم قيمة، والكتاب الأكثر حضوراً هو الكتاب الذي لا يصنف نفسه ضمن حدود ضيقة ولا يخاطب قارئاً بعينه.

? ماذا عن الصين، هذا العملاق الآسيوي الذي يكتسح الأسواق وينتشر في كل مكان، هل هناك نية للترجمة عن اللغة الصينية لمعرفة كيف يفكر هؤلاء الناس؟
? الغريب أن هذه الإمبراطورية الكبيرة لديها اهتمام كبير بالثقافة العربية، ونحن بدأنا في ترجمة خمسة كتب عن اللغة الصينية. لا يوجد لدينا موقف ثقافي من أي ثقافة، وإذا كانت الترجمة أقل فالسبب يعود إلى قلة المترجمين، وربما نلجأ الى الترجمة الوسيطة التي أعتقد أنها مفيدة جداً في هكذا حال، رغم أن بعضهم ينظر الى الترجمة عن لغة وسيطة نظرة سلبية. بمعنى أن بالإمكان الاستفادة من آليات المترجم لأنه حاول جاهداً أن يتخلص من معوقات الفهم التي تواجه من يترجم من خارج الثقافة التي ينقل عنها، لأن كل ثقافة لها خصوصيتها التي تتطلب من المترجم فهم شيفراتها. وحين يأتي مترجم آخر يجد أن المترجم الذي سبقه قد مهد له الطريق أو قطع نصف الشوط الذي ينبغي عليه ان يسيره. هذا إلى جانب جهد التأويل، فالمترجم فكك النص ومارس دوراً ثقافياً يمكن الإفادة منه في الترجمة.

? مع انتشار تعدد أوعية المعرفة، هل فكرتم بإصدار كتب “كلمة” ككتاب مسموع أو في أقراص مدمجة أو إلكترونياً؟
? نعم.. سنبدأ في السنة المقبلة بعد معرض الكتاب في إصدار الكتاب الصوتي، وهناك قرابة 30 كتاباً في هذا السياق، ثم بعدها سنلتفت الى الكتاب الإلكتروني.
«ثقافة الشعوب».. إحياء الكتب المنسية


أعلن مشروع كلمة قبل فترة عن ترجمة سلسلة بعنوان “ثقافة الشعوب” في إطار معرفة الآخر، وعن هذا المشروع يقول الدكتور علي بن تميم: تكمن قيمة ترجمة حكايات الشعوب في أنها فتحت لنا كنزاً مهملاً رغم ما يتميز به من ثراء وغنى. لقد استدعينا هذه الكتب (73) كتاباً من الموت، وهي كتب تسمى عادة “الكتب المنسية”، وقدمناها للقارئ العربي في طباعة فخمة على ورق جلب خصيصاً من إسبانيا واعتنينا بها عناية فائقة. وقدمنا للثقافة العربية 73 نصاً جمعها أهم الأنثروبولوجيين في العالم، ولم تسبق ترجمة الغالبية العظمى منها. لقد قُمنا بترجمة النصوص وتحليلها وطباعتها بطريقة ربما تنفذ لأول مرة في العالم العربي. ومن ميزات مشروع “ثقافة الشعوب” أننا قدمنا من خلاله قرابة 60 مترجماً منهم 30 مترجماً جديداً جلهم من خريجي الجامعات الذين لم يجدوا فرصة للدخول الى عالم الترجمة. هؤلاء المترجمون الشباب يمتلكون لغة جميلة، وحميمة، تفسر إيقاع العصر. فلماذا أتجاهلهم إذا كان بالإمكان إشراكهم والاستفادة منهم طالما أن هناك مراجعاً للكتاب.

اقرأ أيضا