الاتحاد

الملحق الثقافي

أضواء على الدورة التاسعة عشرة

لا يمكن لنا ونحن نتحدث عن الدورة الجديدة (العشرون) لمعرض أبوظبي الدولي للكتاب أن نغفل النجاح المبهر الذي حققته الدورة السابقة (19) من هذا الحدث الثقافي الكبير الذي احتفى في مركز أبوظبي الدولي للمعارض بالمؤسسات الثقافية ودور النشر الإماراتية حيث بلغ عدد أجنحتها 127 جناحاً من ضمن 637 جهة مشاركة مثلت 52 دولة، وهذا بالطبع رقم قياسي نسبة إلى حجم المشاركة في الدورة الثامنة عشرة ونسبة إلى المعارض العربية، بمقابل ذلك استقبل ركن الأطفال في المعرض نحو 15 ألف طفل معظمهم من طلبة المدارس، وكذلك إشراك الجامعات في الفعاليات وهو أمر في غاية الأهمية ضمن استراتيجية القائمين على المعرض في هيئة أبوظبي للثقافة والفنون من تشجيع الصغار على اقتناء الكتاب وتأسيس قاعدة جماهيرية لهذه التظاهرة التي نجحت في الخروج من مأزق عزوف الناس عن القراءة، كما نجحت في تشجيع الناشرين أنفسهم باقتناء 4 نسخ من كل كتاب معروض وبلغت القيمة الشرائية لتلك الكتب نحو مليوني درهم. لكن في النهاية نرى أن أعظم إنجاز للمعرض هو نجاحه في جعل أبوظبي وجهة ثقافية عربية وعالمية من خلال تحقيق حراك ثقافي نوعي من خلال جملة من المبادرات والمشاريع الثقافية التي تحققت خلال وقت قياسي مما جعل من المعرض أحد أسرع معارض الكتب نموا في العالم ليصبح مع الوقت ملتقى للناشرين والكتاب والمفكرين والمبدعين والباحثين والمدافعين عن حقوق الملكية الفكرية.
نستعرض جانباً من هذه الدورة لأنها كانت ألأكثر تميزاً في برنامجها الأدبي والثقافي الذي استقطب رموزا مهمة في المنطقة والعالم، ومن الضروري هنا التذكير بأهمية استضافة أبوظبي لمؤتمر اتحاد الناشرين الدولي السابع لحقوق النشر لتحقيق خطوة مهمة على طريق تفعيل المشاريع الخاصة بصناعة الكتاب.

نادي الكتب
نجح المعرض عبر دوراته السابقة في الخروج من دائرة أن يكون مجرد سوق لبيع الكتب من خلال العديد من المظاهر الفكرية وعلى رأسها مشروع الندوات الذي استقطب نخبة من الكتاب ورجال الفكر في العالم، وعلى سبيل المثال لا الحصر الندوة التي نظمها منبر الحوار بعنوان “الأدب الإسباني جسر الهوة بين الثقافة اللاتينية والثقافة العربية” وأكد المشاركون في الندوة على أن الأندلس هي قنطرة عظمى بين الإسبانية والعربية. ومن ذلك أيضا ما تابعناه تحت عنوان “حلقة نقاشية حول مشاكل توزيع الكتب العربية في المنطقة العربية” وذلك تحت رعاية جائزة الشيخ زايد للكتاب، وطالب المشاركون في ختامها بإنشاء دار نشر عربية موحدة مما سيسهل الكثير من المشكلات التي تواجهها دور النشر.

صالون السيدات
وكان ثمة ظاهرة ملفتة للانتباه ممثلة بالصالون الثقافي للسيدات وتبناه (نادي الكتب) وأتاح ذلك فرصة ثمينة لعدد كبير من السيدات والمثقفات والصحافيات للمشاركة في الحوار الدائر حول صناعة الكتاب، لنخرج من ذلك بأن صفة الحوار الثقافي هي اللغة السائدة في تلك الدورة، إضافة إلى استضافتها نخبة من المتحدثين المختصين بشؤون النشر والأدب والثقافة وخبراء صناعة الكتاب وهو ما أسهم فعليا في إطلاق شركة (كتاب) لفعاليات جديدة منها مبادرة أضواء على حقوق النشر خاصة وأن دولة الإمارات هي الدولة الوحيدة التي سجلت حضورها على قائمة ابرز 20 دولة في العالم لأدنى معدلات القرصنة، وكذلك إقامة أول جناح للكتب القديمة والنادرة في العالم العربي والتي تنتمي للثقافات الشرقية والآسيوية والغربية. وقدم الجناح للجمهور ابرز الكتب والمخطوطات الأثرية ذات القيمة التاريخية والأدبية الكبيرة. ومن ذلك أيضا وفي إطار الترويج للتراث الثقافي تابعنا ندوة دولية للاحتفاء باليوم العالمي للتراث تحت عنوان “التراث من الصون والتوثيق إلى الترويج والنقل لأجيال المستقبل”.
وكذلك فإن استضافة الشخصيات الثقافية والفكرية والأكاديمية من خلال منبر الحوار لعب دورا مهما في إدماج الجمهور في مناخات المعرض والتحاور مع تلك الشخصيات للاطلاع على أحدث التجارب في مجالات الفكر والفن، ومن ذلك الحوار مع المؤلف المسرحي هيننغ مايكل، وكذلك الشاعر الأفروأميركي اثيلبرت ميلر، والكاتبة السعودية رجاء الصانع صاحبة رواية “بنات الرياض”. ولا نغفل مشروع (قلم) وجهوده في تحفيز العمل الثقافي في الإمارات وتأكيد دوره في دعم الأدب المحلي والترويج له خاصة الإنتاج الشبابي والجديد منه. وأيضا مشروع (كلمة) الذي قدم لجمهور المعرض سلسلة من المعاجم التي تتطرق إلى آداب الشعوب. وفي الجانب الآخر ثمة شخصيات مهمة الندوات الفكرية منها لينيث أوين مديرة حقوق التأليف والنشر person ed cation ltd وهي شركة نشر متعددة الجنسيات للمنشورات التعليمية والأكاديمية والمهنية وقد اهتمت على الدوام بمنح تراخيص للبلدان ذات الخلفيات المتنوعة في حقوق التأليف والنشر.
لقد نجح معرض أبوظبي الدولي للكتاب في استقطاب كبرى دور النشر وكبار المؤلفين وابرز المحترفين في مجال النشر، وهو أمر في غاية الأهمية ويسجل قفزة نوعية في مجال الترويج للقراءة وجعلها متاحة للجميع في ضوء هجمة الكتاب الالكتروني ووسائل الإعلام المرئية، كما أن الحضور الإعلامي الكثيف والاهتمام الرسمي والشعبي بهذا المنجز الثقافي يشكل منبرا مهما لدعم مشروع صناعة الكتاب بمقاييس دولية وتحويل العاصمة أبوظبي إلى مركز للنشر وحقوق الملكية الفكرية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ومنطقة الشرق الأقصى والعالم كله، ما يخلق فضاء لحوار ثقافي إنساني وتلاقح بين ثقافات وعادات الشعوب، وربما يكون مثل هذا الحدث على قصر مدته النافذة الأكثر انفتاحا على هذه المسألة المهمة في ظل التطور السريع الذي يشهده العالم على صعيد الكلمة.

اقرأ أيضا