الاتحاد

عربي ودولي

تركيا : جرح الكبرياء يمهد لعودة النزعة الطورانية


أنقـرة - سيد عبد المجيد :
' العلم' التركي ليس قطعة قماش تعلق في الميادين والساحات ومقار العمل، سواء كان حكوميا أم خاصا، ولكنه أكثر من ذلك بكثير، بيد أن المراقب قد لا تسعفه الكلمات التي يمكن أن تصف شغف الأتراك بعلمهم، فتعريف العلم بأنه رمز لتركيا الناهضة قد يكون قاصرا في التعبير عن هذا الولع الهائل الذي قد لا يلمسه سوى من عاش في ربوع الأناضول·
فقطعة القماش هذه سلعة تباع، وتجد من يشتريها، ويقبل عليها فجدران المنازل تزين بها وفي حجرات الاستقبال ستوضع على المناضد بأحجام مختلفة، وبطريقة يمكن لأي جالس أن يراها· وفي المناسبات الوطنية وهي كثيرة سيكون العلم بطلها الوحيد بلا شريك·
وإذا حدث ونال أبناء الاناضول جائزة دولية كفوز فريق 'جلاطة سراي' بكأس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، أو حصول ' سيريتاب إينينر' على جائزة أفضل إداء غنائي في أحد المهرجانات الأوروبية، فإن الآلاف سيخرجون إلى الشوارع·· وكل في يده 'البيرق' بلون الدم يتوسطه هلال ابيض يحتض بدوره نجمة السماء·
الطريف أن شرائح كبيرة تفننت، وقامت بتشكيل أحجام تصلح أن يصبح العلم فيها زيا يرتديه بعض المواطنين من الجنسين· ولعل خير مثال على ذلك ما حدث في محاكمة الانفصالي الشهير 'عبد الله أوجلان' قبل ست سنوات، إذ وجدنا طوال جلسات المحاكمة والتي جرت وقائعها بجزيرة إمرالي ببحر مرمرة، النساء والرجال ممن فقدوا ابناءهم في المواجهات العسكرية الدامية مع الانفصاليين الأكراد، وقد اتشحوا تماما بالعلم بحيث غطى بشكل كامل على ما يرتدونه من ملابس عادية·
لا فصل بينهما ولا انفصال
ناهيك عن تصغير الحجم، ليصبح على شكل ولاعة، أو حافظة نقود أو ميدالية مفاتيح، أو غطاء لمرآة صغيرة بحجم الكف تضعها النساء دائما في حقائب اليد الخاصة بهن· والعلم لا ينفصل عن نشيد الاستقلال، فكلاهما جزء واحد لا فصل بينهما ولا انفصال ، بيد أن التلميذ وفي السنة الأولى من مشواره الدراسي سيتعلم أولا ما هو العلم، وكيف يردد 'مارش' الاستقلال، فليس هناك أهم من العلم، لأنه ببساطة هو الوطن ومؤسسه 'مصطفى كمال أتاتورك ' في آن واحد، وهكذا نخلص إلى أن العلم التركي تعدى في أن يكون رمزا بل صار شاهدا على الكرامة والكبرياء، وبالتالي لنا أن نتصور حجم الهلع، الذي يمكن أن ينتاب الجماهير في كل ربوع الأناضول، حينما ينقل إليها التلفاز بكافة قنواته: حكومية وخاصة ، مشاهد فيها يداس العلم بالاقدام، وأمام الكاميرات وفلاشات المصورين، يسكب عليه الوقود، وبعود ثقاب يحرق، ويسحل على الأرض، والغوغاء يمطرونه باللعنات·
رد الفعل الطبيعي سيكون طوفان الغضب، وهذا ما حدث بالفعل، فالجحافل تزحف إلى الشوارع والميادين، والشرر يتطاير من عيونهم·· الصدور مفتوحة تتهيأ لمعركة، فالموت أهون من إذلال العلم·
زاد من الغضب أنه اقترن بالحسرة ، فمسرح حرق العلم كان في مناطق جنوب شرق البلاد، وهنا تكمن الخطورة والتي يمكن أن تتحول إلى كارثة، فالجماهير الساكنة في عمق الأناضول، والتي توراثت جيلا بعد آخر، قيما شكلت في النهاية إدراكهم لا ترى في تركيا سوى أنها: الأمة الواحدة ، واللغة الواحدة، والعلم الواحد، ومن ثم فهم لم ينسوا بعد حجم التنازلات التي قدمت للأكراد ، بدءا بحق التحدث باللغة الكردية، مرورا بإعلام يبث برامج بغير اللغة الأم، ولا تبدو هناك نهاية· كما أنهم لم ينسوا أنهم سبق أن حذروا نخبتهم من مغبة السير في طريق التنازلات التي لن تتوقف وستتبعها أخرى·
النخبة تثور ·· ولكن
في البرلمان وسط العاصمة، هرج ومرج ·· الأصوات صارخة تشجب ، تنطلق من حناجر لا تعرف هل هي من المعارضة أم الحكومة ، ولا يمكن لأحد أن يتساءل، فمع العلم أنه ليست هناك حكومة أو معارضة، فالجميع هنا صف واحد، والمطلب واضح ألا وهو الوقوف بحزم ضد من يدنسون الوطن ويدعون إلى تفتيته وتجزئته·
لكن الجماهير، وبعد برهة قصيرة ، بدأ الشك ينتابها، فبعضا من النخبة الحاكمة، والذين كانوا قبل قليل يصرخون ويشجبون ظهروا وكأنهم يريدون أن يتراجعوا، بيد أنهم صاروا يدعون إلى التريث، وعدم الانفعال· أليست تلك الطامة الكبرى؟ لقد سقطت ورقة التوت بيد أنهم رضخوا لغضب الخارج الأوروبي·· هذا الخارج الذي عاب على حمية الشعب ومبالغاته المفرطة حول العلم ، فهل هناك قسوة أكثر من ذلك ؟ وليت الأمر توقف عند ذلك ، فها هم يرون نفرا من ابناء الوطن، يسيرون في الاتجاه ذاته، لقد هان الاناضول وترابه ويا لها من سخرية، فالمقابل من جديد هو أوروبا·
قطاع من الغاضبين تساءل: إلى أين يريدون أن نسير؟ قطاع آخر لم يطرح هذا التساؤل، لسبب بسيط هو أنهم صاروا يعرفون الاتجاه الذي يتحتم عليهم أن يذهبوا فيه، وتلك هي المعضلة التي باتت تثير قلق النخبة الحاكمة في البلاد، فهناك عداء لكل ما هو أوروبي، بدأ يتنامى شيئا فشيئا·· والولايات المتحدة هي الأخري صارت تنال جزءا ليس بقليل من سخط الشعب التركي، يتزامن كل ذلك مع دعوات صارت تدعو إلى التمسك بالماضي التركي التليد، وتلك تأخذ مظاهر عديدة، أبسطها هو الحنين إلى الطورانية، أما أقصاها فليس هناك ما هو أعظم من القومية التركية التي يجسدها العلم· ولم يكن في الأمر أدنى مصادفة ، في أن تشهد المكتبات الكبرى والصغرى على السواء، رواجا ملموسا لترجمة تركية لكتاب الزعيم النازي هتلر المعنون بـ ' كفاحي' ، بل قيل والعهدة هنا على صحيفة 'حريت': إن النسخة التركية صارت من أكثر الكتب مبيعا في عموم تركيا، وليس اسطنبول أو أنقرة ، وهذه دلالة تعكس السائد ، ورغم أن الحكومة هونت كثيرا من الأمر، إلا أن مغزى الكتاب لا يزال قائما·
استفتاء على الاتحاد الأوروبي
بالتوازي وفي ظاهرة لم تعرفها تركيا طوال العقود الأربعة الماضية، اتسع الجدل على نطاق واسع، بين قطاعات الشعب التركي، حول جدوى انضمام بلادهم للاتحاد الأوروبي، وبعد ان كانت تطلق بعض التهديدات على استحياء من قبل النخبة الحاكمة بسحب طلب أنقرة التي تقدمت به عام 1963 ردا على التعنت الأوروبي، صار الكلام صريحا وواضحا داخل المجتمع، وهو أن تركيا عليها أن توقف تعلقها الزائد حيال النادي الأوروبي·
زاد أن الشباب باتوا يدلون بدلوهم في هذا الشأن، وقد أكدوا أن الاتحاد الأوروبي لن يقبل بلادهم في النهاية، والأجدر ببلادهم أن تبادر وترفض الانضمام·
وفي برنامج تليفزيوني شهير 'ميدان السياسة ' لمقدمه ذائع الصيت ' علي كريجا ' أذيع على الهواء مباشرة، وامتد لساعات، أكد المجتمعون ومعظمهم من طلاب وطالبات عدد من الجامعات، أن لتركيا قيما وتقاليد لا يمكن أن تستغني عنها بحجة التكيف مع القيم الأوروبية، ثم إن على بلادهم التمسك بقيم الإسلام، ورفض الابتزاز الأوروبي· وإذا كانت الحكومة لا تستطيع أن تقوم بذلك، فعليها أن تجري استفتاء ليتأكد الجميع أن الشعب التركي، يرفض عضوية الاتحاد الأوروبي· المثير أن اتساع دائرة الرفض يأتي مع اقتراب بدء مفاوضات العضوية والمفترض أن يدشن في الثالث من أكتوبر القادم· وعلى الرغم من أن مسؤولا بالخارجية التركية نفى لكاتب هذه السطور أن تكون هناك نية لمثل هذا الاستفتاء ، إلا أن المسؤول نفسه، والذي طلب عدم الكشف عن اسمه، قال: إنه يتفهم غضب الشباب الثائرين·
وعزا مراقبون تنامي ظاهرة رفض بعض قطاعات المجتمع للاتحاد الأوروبي، بأنه نتيجة للشعور بأن ما قدمته تركيا لا تقابله مؤشرات حقيقية تفيد بأن أنقرة ستحصل في نهاية المشوار على العضوية، يعزز ذلك هو أن الطلبات الأوروبية لا تتوقف، كما أن تصريحات الساسة الأوروبيين·· سابقين وحاليين لا تتوقف هي الأخرى، وأخفها ما جاء على لسان المستشار الألماني' جيرهارد شرويدر' في اسطنبول قبل أيام: أن المفاوضات ستكون شاقة وصعبة وطويلة· أما أشدها فيتمثل في استحالة قبول تركيا في الكيان الأوروبي، والأمر الآخر المهم هو أن كثيرين، وبعد التطاول على العلم، صاروا على قناعة بأن كبرياء بلادهم صار محل مساومة·
وهكذا نصل إلى الإشكال الأعظم المعاش الآن ، وهو أن الأمل سيكون في المجد الغابر، غير أن المشكلة، ليست في أن يحلم الأتراك بالماضي، فهذا في حد ذاته يدعو إلى الفخر، بل في انتقال الحلم ليصبح واقعا وتلك هي المعضلة·
فالعلم ستكون أرضيته هي نفسها حمراء بلون الدم ·· والفارق سيتمثل في الهلال، فبدلا من واحد سيصبح ثلاثة ، وكل هلال سيحتضن نجمة، وبالتالي فالعلم في هذه الحالة لن يقترن بوحدة الأرض فحسب، بل سيجسد وحدة الدم الطوراني في صورته الاسطورية، وهنا الخوف كل الخوف في أن يأتي هذا الواقع الجديد على شكل ' الذئاب الرمادية ' شعار الطورانية التركية التي لا تكتفي بلم الشمل على مستوى الأناضول فحسب، بل مستوى آسيا الوسطى والبلقان وشمال قبرص، وهذا مضمون أيديولوجية اليمين القومي المنعوت دوما بالتطرف·

اقرأ أيضا

سلطات سريلانكا تخفض حصيلة ضحايا التفجيرات إلى 253 شخصاً