الاتحاد

الملحق الثقافي

ذكِّريني، مرة أخرى، كم أنتِ جميلة

شعر: إيثلبيرت ميلر
ترجمة وتقديم: جهاد هديب

ما من مبالغة في القول إن شعر إيثلبيرت ميلر يأخذ بساطته وعمقه من بساطة ووضوح قضايا اضطهاد السود الأميركيين، لكن ما يميز هذا الشعر هو إنسانيته المباغتة والواضحة، إنما القاسية أيضاً، وكذلك من تعدد مشاعره من الغضب إلى المحبة، بمعناها المسيحي، أكثر من الحبّ، وصوره الشعرية التي تنطوي على “لذعة” يحتاج المرء معها، أحياناً، إلى التأمل فيها مثلما قد يحتاج إلى إدراك مرجعياتها التاريخية.
ثمة مرجعية لميلر من نوع ما، هي مرجعية شعرية، عادة ما نسميها في الثقافة العربية بـ”التأثر بشاعر” إلى حد الاستلاب وما هو أكثر من “تناص”، بالمعنى النقدي ـ العلمي للكلمة، هذه المرجعية هي بابلو نيرودا بوصفه منجزاً شعرياً وموقفاً إنسانياً بكل ما ينطوي عليه من شعرية رفيعة وممارسة سياسية للثقافة في الحياة اليومية.
يكتب ميلر عن أستاذه الشعري قصيدة غاضبة في إثر رحيله عن العالم كمداً بعد أن هدم الجنرال بينوشيه بمعول أميركي المشروع التقدمي والعقلاني، الذي وقف على رأسه الرئيس التشيلي المنتخب سلفادور الليندي.
يبدو أن الشاعر الأميركي “الأسود” هنا، هو على قَدْر من الذكاء، بحيث قرأ مشروع بابلو نيرودا جيداً، هذا المشروع الذي لا ينفصل فيه الإنساني عن اليومي، والسياسي عن الاجتماعي، والعاطفي عن الحسي والمباشر.
والحال أنّ بابلو نيرودا بكل حراكه الشعري والثقافي والسياسي درْس شعري رفيع في هذا الشأن، بحيث قام شعره بترشيحه لنيل جائزة نوبل للآداب شتاء عام 1968، فيتم بذلك تكريم اتجاه شعري عريض ساد في العالم كله في فترة الاستقطاب العسيرة والأحلام الكبرى والأشواق العليا، التي طبعت بطابعها، القرن العشرين. ولأنه سليل “شعراء هارلم”، أبناء أسافل المدن الكبرى الأميركية والتاريخ الأميركي “الأسود”، بما أنجزوه من شعر صاف وبلوز وجاز ومواهب غنائية وموسيقية رفيعة المستوى، أدرك ميلر هذا الدرس بكل مواصفاته الإنسانية واتخذ منه موقفاً إيجابياً.
يرد في قصيدة “نيرودا” ذكر لمبنى “أو إيه أس” وهو اختصار لواحد من اثنين، إما أنه المبنى الأميركي الشهير في الولايات المتحدة، الذي يعد جنرالات الانقلابات العسكرية في أميركا اللاتينية إبان السبعينات والثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، وهو أشبه بكلية عسكرية تدرِّس “علم الانقلاب”، أو هو الجهاز الأمني المحلي التشيلي، الذي أنجز الانقضاض على سلفادور الليندي عام 1973. غير أن البحث في “جوجل” لم يفض إلى حسم ما، وهو قصور شخصي بالتأكيد.
ويرد أيضاً في قصيدة “شأن رئاسي” تعبير: “الملوّنون” وهو تعبير بات الآن يحمل طابعاً عنصرياً، كان يوصف به السود في العادة لتمييزهم عن البيض، أي للحط من قيمتهم الإنسانية والاجتماعية، إلا أن هذا التعبير قد ألغي تماماً في أميركا، وفي العالم كله، بحيث احتفظ السود بأنهم سود، كما هم وليسوا بملونين، وذلك بفضل كفاح المجتمع المدني الأسود في أميركا بمؤسساته وشخصياته.
وأخيراً، إلى شخصية “هوديني”، التي ترد في قصيدة “دروس من هوديني”، وهو الممثل والساحر هاري هوديني الأميركي الأبيض، الذي ولد في ثمانينات القرن التاسع عشر ومات في العشرينات من القرن الماضي، حيث اشتهر لدى السود بمقدرته على الفرار من أي قيد أو سلسلة أو أي مُعتقل، وفي القصيدة صدى للطرق البشعة، التي كان البيض يعذّبون فيها السود في فترة عبوديتهم عبر خمسة قرون في أميركا، أو تحديداً في ولاياتها الجنوبية، لكنّ الشاعر هنا يقوم بإسقاطها على ما هو راهن بمعنى إنساني مكتمل مثير للإعجاب. الطريف في الأمر أنّ “هوديني” قد أنتج فيلماً عام 1919 من إنتاجه الشخصي يحمل عنوانُه اسمَه، وهو الأثر الوحيد له، حيث لا تاريخ له عندما تُذكر السينما الأميركية، أي السينما البيضاء.


بكل اللغات
ذكِّريني، مرة أخرى، كم أنتِ جميلة.
ذكّريني كيف ترقص كلماتي.
نعم، علّميهم الشعر، دعي كلماتي تنظر إلى
عينيكِ وتتذوق طعم شفاهكِ.
إنه ما أتذكّر الآن فيما أمشي بعيداً (ثانية).
كم الشوارع فارغة بلا ذراعيكِ.


الجائع
رآها تحرّك الطعام في الطبق
وكان هو الذي يتحرّك.
رَغِبَ في أنْ يلحق بالطعام إلى شفاهها
ومن ثمَّ إلى جانبهما الآخر.
رَغِبَ في أنْ يكون في داخلها.
إنه جائع أيضاً.


نيرودا
(إلى نعومي)
رأس نيرودا فوق المدينة
إنه في الحديقة الخلفية لمبنى (أو إيه أس)
أحتاج إلى أنْ أمضي إلى هناك
أحتاج إلى أنْ أجد ما فعل أولئك
بما تبقّى من جسد نيرودا
أين يديه؟
أين رجليه؟
أين قدميه
أيصدّق أحدٌ أنّ قصائد نيرودا كانت تأتي من رأسه فحسب؟
ماذا يفعل به وحده المرءُ عندما يمارس الحبّ؟
أحضِرْ قصائد نيرودا
واطلب منهم الاعتراف.


جغرافيا
عادت ابنتي ذات السنوات الأربع من المدرسة بخريطة العالم. قالت لي: هذه أفريقيا. إنها التي جئنا منها. أبي أنظر إلي لقد لوّنتُ بقية العالم. رأيتها قد لوّنتْ أوروبا والأطلسي كله بالأحمر. حاولت أنْ أستحثها على استخدام الأزرق والأخضر لكنّها ترفض. ترى بعينيها البنيتين هي. أوقفت التلوين ثم وضعت اسمها فوق الخريطة. ياسمين ـ هي تقول مثل كولومبوس شابا. يدور فمها بأعجوبة.
شأن رئاسي
نادتني بـ(إي إي أم)
لكنني (أف دي آر.) إنني أنافح الكآبة.
تمشي إلينور في الغرفة. تجدني
قرب النار أتحدث إلى نفسي
سألتها: ماذا يفعل الملوّنون هذه الأيام؟
فتنظر إلينور إلى نفسها الملونة.
شفتاها تجلبان البلوز
إلى موقعي الرئاسي.


دروس من هوديني
تتمرن على الاختفاء
أمام مرآة.
امرأتك كلها بوسعها أنْ ترى وجهك.
السحر هو كيف يكون جسدك متلاشياً في السرير.
مرة تمرّنْتَ بالسكاكين والقبعات.
حيلةُ الأرنب كانت حركة خاطفة.
عاد هوديني كي يشرح
كيف فرّ أسفل الماء من كائن بلا رأس أو ذراعين.
يأمركَ أنْ تخبّئ الطلاق في زواجك.
أنْ تضغط كي تكسر القفل.
وقل لنفسك: ما من سلاسل.
تمرّنْ على احتجاز نَفَسكَ. احْصِ الأعوام.
واطلع بالألم إلى السطح.


بورتريه لثلاثة
أحياناً
ثلاثتنا فقط.
أنتِ
أنا
والدراجة الهوائية.

أحياناً، أغار من العجلات
كيف تدور ثم تدور بسرعة
كيف تمسك يدكِ
بمقبض الباب
وأنتِ تغادرين.


حيوان السيرك
يومٌ آخر
في هذا القفص

تكسّرتْ حياتي
إلى قطع كثيرة

أحرس كِسَرِ نفسي
قبالة القضبان.

اقرأ أيضا