الاتحاد

عربي ودولي

انتصار فلسطينية ·· قصة صبر وجلد طويل


غزة : محمد أبو عبده
بعد عشرة أيام قضاها على فراش الموت، في إحدى غرف العلاج المكثف بمستشفى الشفاء، في مدينة غزة، استشهد عيد أبو شرخ متأثراً بجراحه التي أصيب بها برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي·
باستشهاده كانت الصدمة الكبيرة لزوجته انتصار، التي ما كانت تطوي جرحها باستشهاد زوجها الأول سمير، حتى نزف جرحها بشدة، بعد أن أصبح مجموع أطفالها اليتامى أربعة عشر، من شهيدين شقيقين·
في بيت صغير قديم، بين أزقة مخيم معسكر الشاطئ للاجئين، غرب غزة، حيث تتعدد صور المعاناة لشعب نزح واغتصب لعدة عقود، تعيش السيدة انتصار 38 عاما، بوجهها الشاحب وعينيها اللتين أذبلتهما الدموع، وجسمها النحيف الذي ما فتئت السنوات تعصر به حزناً وحرمانا، تحمل قصة صبر وجلد طويل، ومستقبل أطفال مظلم ومفقود·
في ساحة بيتها الضيقة التي تعلوها صورة زوجيها الشهيدين، جلست انتصار تتحدث بنبرة من الحزن والأسى، تروي قصة سنوات عمرها، المليئة بالصدمات والمعاناة الدائمة، وتقول: في مخيم النازحين ولدت، كنت أول فرحة لأبي وأمي، والتي سرعان ما يتمت وفقدت حنانها، بعد شهور فقط من ولادتي، ليقدر لي العيش وحيدة لا أعي سوى على والدي المتقدم بالسن، والذي سرعان ما أنهكه المرض، ما استوجب مني رعاية مستمرة له·
يتيمةالأم، محرومة من أخ أو أخت، لا تملك سوى أب مريض هده المرض والفقر،قضت انتصار شبابها، إلا أنها أصرت على نسج أحلام وردية ولو وسط ظلام، وابتسمت للغد عله يكون مغايرا، تنتظر رفيق دربها الذي ينتشلها من مأساتها·
أمضت انتصار ربيع أيامها ترعى والدها في بيتها الصغير، الذى بدى مناسباً لوحدتها، حتى تقدم إبن عمها سمير للارتباط بها مطلع الثمانينات، موافقاً على شرطها الوحيد في العيش بمنزل والدها لتستمر في رعايته، حيث بدأت علاقة دافئة، ورزقت بخمسة أطفال يملؤن فراغا طال مدته في حياتها·
بداية المأساة
عام 1991 بدأ التحول الرهيب في قصة انتصار، حين قرر زوجها الفقير عامل البناء،البحث بشتى الطرق عن لقمة عيش أطفاله الرضع، ليدخل الأراضي المحتلة طالباً للعمل لا غيره، فكانت الرحلة بلا عودة· بدمعة حزينة تصف انتصار ما جرى: 'اصطدمت بعد يومين من سفر سمير، بنبأ استشهاده،
وكانت الصدمة كالزلزال، رغم علمي بخطورة رحلته لعدم امتلاكه تصريحا للعمل'، للبته لو تتوقع انتصار هذا السيناريو المفجع، ولم تصحو إلا وزوجها يوارى التراب في ظروف غامضة، فحتى هذا اليوم لا تدرك ماذا حدث معه، هل قتله مستعمرون؟،أم قوات للاحتلال؟ لكن الواضح لديها أن مأساتها بثت إليها النفس من جديد·
خمسة أعوام قضتها انتصار، تضرب الأرض لتوفر رغيف الخبز لأبنائها ولو كان جافاً وتحاول إشعارهم بشئ من الحنان ولو كان ناقصاً، ففاقد الشيء عرف دائماً أنه لا يعطيه·
يوماً بعد آخر كانت الأرض تضيق بما رحبت، فما يأتي من مساعدات أو ما شابه، لا يفي بالقليل من الغرض، والمسؤولية تزداد ثقلاً حتى عاد الأمل بعودة شقيق زوجها عيد من غربة طويلة، برغبة جارفة لرعاية أبناء أخيه·
تقول: لم يعلم عيد بخبر استشهاد سمير إلا متأخراً لانقطاع الاتصال بينه وبين والده، نظراً لتنقله الدائم، لكنه عندما علم، أدرك المأساة وأصر على إنقاذ أطفال أخيه ورعايتهم في حضنه·
وتضيف: تزوجني عيد معاهداً الله على رعاية الأطفال، حيث كان مولعاً بحبهم كثيراً، بل أنه أصر على توسيع العائلة أكثر، فرزقنا الله بتسعة أطفال معظمهم من التوائم، أضافهم إلى العائلة بقصد تماسكها، دون أن يميز بين أحد من أطفاله وأطفال اخيه·
كان لعيد عشق ثاني هو تربية الطيور واصطيادها، وهو ما شكل جسر وصوله إلى موعده مع القدر·
اغتيال الحلم، فلم تكد السنة الخامسة من حلم انتصار الثاني بملء الفراغ بقدر كبير، وعودة نوع من البسمة على شفاها وأطفالها اليتامى، حتى أيقظها رصاص الاحتلال مفزعة ثانية، حين كان يخترق رأس زوجها، وذنبه أنه كان يصطاد العصافير على مرأى بنادق الاحتلال، لييتم أطفاله التسعة ويضاعف المأساة تاركاً انتصار في مواجهة غير متكافئة مع أمواج الحياة القاسية·
صبر ومقاومة
أمضت انتصار عامين بعد استشهاد عيد وما زالت تزداد صلابة وصبر، تجاهد في استمرار تعليم تسعة من أطفالها وتوفير العناية المناسبة لأطفالها الرضع، إلى جانب رعاية والدها المريض، ولديها يقين بأنه قدر الله الذي اختارها، لتحمل الآلآم والأحزان المتتالية·
وهو أيضاً قدر شعبها الذي قدم ومازال رجاله واطفاله فداء لتراب وطنه، ومن خلفهم أمهات شامخات بصبرهن وعطائهن وجلدهن على المأساة مهما عظمت وتمادت·
وتؤكد انتصار رغم ضخامة مآساتها وعمقها، فإن الانتصار والمستقبل هو للشعب المحتل الذي يتحمل الويلات والمعاناة، في سبيل الحرية والاستقلال·
وتقول: ليقتل الاحتلال أباءنا وشبابنا، وليدمر ويجرف ويقصف بيوتنا، فشعبنا صامد ومقاوم، وعلى الاحتلال الأسرائيلي أن يوقن بأنه راحل وشعبنا منتصر، آجلاً أم عاجلاً·
وتتسائل انتصار عن دور منظمات ومؤسسات حقوق الإنسان، في الدول التي تتغنى
باحترام الإنسان وإبداء حقوقه كاملة دون تمييز، وعن الشعوب العربية التي من واجبها الوطني والديني، نصرة أشقائهم في فلسطين·

اقرأ أيضا

«الصحة العالمية» تحذّر من اتخاذ تدابير على نطاق عام جراء «كورونا»