الاتحاد

الملحق الثقافي

ضياء يوسف جندو *

ـ أين الحلاق؟
ـ أنت!
ـ تفضل.. أهلاً وسهلاً.
قالها الحلاق ذو القامة القصيرة، والوجه الطفولي الأبيض، تتوسطه نظارة طبية سميكة الزجاج، اندفع نحو الداخل، مفسحاً المجال أمام الزبون الضخم الجثة، اتجه الزبون إلى الداخل، همهم بكلمات غير واضحة، عطس بقوة، تحول ببصرة إلى الكنبة بقماشها الرث، ثم تحول إلى المرآة الكبيرة حيث البريق العاكس الذي بدا يخبو، وإلى الكاونتر حيث الأدوات اصطفت عليها زجاجات ومقصات وأمشاط وعلبة مملوءة بالقطن الأبيض ثم التفت إلى أعماق المحل حيث الحاجز الخشبي الذي لصقت عليه صورة لرجل مصلوب على خشبة، ثم لوى جسمه على كرسي الحلاقة العتيق فجلس فيه، فرش الحلاق الملاءة البيضاء على صدر الرجل حتى الرقبة وقال:
ـ أستاذ.. هل تريده خفيفاً؟
ـ على درجة الصفر، لو سمحت (حجي) هل هذا الدكان ملك لك؟
ـ مجرد مستأجر له.. كنت أعمل عند صاحبه الأصلي أيام زمان، حينما كنت لا أزال فتى، علمني الشغل بأمانة وإخلاص وعندما رحل إلى ربه سالماً غانماً تركه لي، إذ أنه لم يرزق بذرّية قط، ومنذ ذلك التاريخ بقيت أعمل إلى الآن.
تسللت من الخارج أصوات مختلفة رافقتها صفارات شرطة المرور، ثم حل هدوء نسبي حيث أخذت ماكينة الحلاقة بصوتها الخافت الرتيب تسرع بقص الشعر.
ـ ماكينة مستهلكة.. كل شيء هنا تفوح منه رائحة القدم حتى أنت.. (حجي) حتى أنت.. ها ها! قالها باستهزاء وزم شفته السفلى حتى جحظت عيناه باحمرار غريب.
ـ لماذا لا تبيع المحل إذن، وتخلد إلى الراحة.. كم عمرك الآن.. ستون أو أكثر.. تمتع بالراحة ودع هذا العمل للحلاقين الشباب، سأقدم لك عرضاً طيباً، حدد المبلغ الذي تريده من أجل (الخلو) وسأدفع لك أضعافه.. ما رأيك.. عرض جيد!
ـ الرجال إما رجال أو.. الكل يريد أن أخلد إلى الراحة والراحة للكسالى لا أزال قادراً على العمل.. ملعون “أبو زمان”.
طقطق الباب، وأطل من ورائه رجل عجوز ببشرة سمراء مائلة إلى الصفرة، وأنف قصير استقرت فوقه نظارة زجاجها أخضر.
ـ شمعون، يا شمعون.. تعال لحظة نحو الباب لدي شيء أريد أن تسمعه. قالها بصوت به رنين جرس خافت.
ارتسمت على وجه شمعون ابتسامة دائرية طارئة. ترك الماكينة تدور على سطح الكاونتر، خطى بتثاقل مترنحاً بخطواته البطيئة وقال:
ـ أهلا أبا غائب، بماذا أخدمك.. تفضل إلى المغسلة إن شئت.. هذا محلك يا رجل.
ـ يا رجل انتبه إلى نفسك.. هذا الزبون نصّاب.. احذر منه.
ـ من.. نعم.. قصّاب.. نعم.. شكراً لك بكل تأكيد.
ـ شمعون.. إنه (نصّاب) جاء أحدهم وأخبرني بما يريده هذا (النصّاب).. كل ما هناك أنهم مجموعة مثله. وإلا لماذا أخبروني عنه.. كن حذراً.. وإن احتجت إلى مساعدة فسأخبر الشرطة عبر الشارع انتبه فقط.
دار الحديث كله أشبه بالهمس. انسل أبو غائب واختفى خلف الباب. حك شمعون رأسه، شعر بالارتعاش المزمن يعاوده، يجري بصخب في كل أنحاء جسده النحيف.
ـ ماذا قال لك ذلك الرجل هل أنت أطرش؟
تضاربت أصوات، تلاصق، امتدت، صفارات، طلقات نارية متقطعة، مكبر صوت سيارة الشرطة تعلن (قف مكانك) وصوت ماكينة الحلاقة الرتيب:
ـ ماذا قال لك.. هل أنت أبله.
ولوهلة نفد صبر الرجل، دفع كفه من تحت الملاءة البيضاء وأمسك باليد التي فيها الماكينة وصاح بوحشية:
ـ ماذا قال لك؟
ـ لا شيء.. أراد أن يذهب إلى المغسلة التي خلف الحاجز الخشبي.. هناك.. ها ها
ـ لا أصدقك ربما قال شيء ما عني هيا أخبرني.
حرر يده من قبضة الرجل القوية ببطء ثم فتح فمه الخالي من الأسنان وتمتم:
ـ لا شيء عنك أيها القصّاب العزيز فقط أراد أن يذهب إلى المغسلة من أجل.. من أجل ...
ـ من أجل ماذا؟
ـ صبرك يا أستاذ من أجل أن يبول فيها ها ها. توقفت الماكينة عن العمل، تعثرت على بضع شعرات خشنة.
ـ انقطع تيار الكهرباء اللعنة عليها... قالها الحلاق بعد أن وضعها على سطح الكاونتر وأمسك بالمقص بشكل مقلوب. دارت حول وجه الرجل الضخم ابتسامة ماكرة لم تبرزها المرآة العاكسة بوضوح.
ـ لماذا لا تبيع هذا المحل حجي شمعون؟
ـ إن الدكان هو كل ما تبقى لي... هل يبيع الإنسان حياته أنت تطلب المحال!
ـ أعطيك مبلغاً لم تحلم به يوماً لتعيش منه بقية ما تبقى من العمر سعيداً وحالماً .. هل هذا يرضيك!
رن صوت منبه الهاتف من جيب سروال الرجل.
ـ لا.. لا ليس بعد لم أصل إلى نتيجة حاسمة مع هذا.. احتاج إلى أوقات أخرى... فهمت.. سوف أفعل إذا دعت الحاجة ولكن ليس في هذا الوقت هناك شرطة في الساحة، سأخبرك لاحقاً.. مع السلامة..
أغلق الرجل الضخم جهازه، اهتزت الماكينة من فوق الكاونتر.
ـ جاء الفرج.. عادت الكهرباء.. نحمده قالها الحلاق فرحاً.
ـ إن عملك يميل إلى الكساد.. منذ أن جئت هنا لم يدخل أي زبون.. ستجد، نفسك إن لم تقبل بما قلته لك في مأوى العجزة أو في القبر.. لنتفق إذن.
ـ كثيرون غيرك.. قدموا عروضاً مغرية.. ولكن لا أستطيع أن أفعل ذلك.
ـ لا تستطيع!... إذن هل هذا قرارك الأخير.. سوف أمهلك لبضعة أيام.. وإلا ستجد نفسك مرغماً على الذهاب إلى مكان مجهول تذهب إليه وترتاح!
أحس بالقشعريرة، انفصلت الماكينة وهوت على البلاط، كما شعر بتقلصات في معدته:
ـ من أنت؟.. لماذا لا نتفق على سعر معين مثلاً .. ها؟
انحنى والتقط الماكينة، ووضعها على سطح الكاونتر ثم قال للرجل: مبروك.
ـ لقد انتهيت بسرعة، أسمع أريد كوباً من الماء كي أبتلع ريقي.. هل سمعت!.
ـ ليس لدي ماء سأجلب من صنبور المغسلة.
ـ من مغسلة البول .. تريد أن أشرب بولكم أيها الأحمق.
ـ بلا غلط أستاذ .. الماء حكومي ونظيف صدقني. خطى بضع خطوات ثم توقف ليستدير ببطء إثر سماعه رنة صوت الباب يغلق بعنف.
فتح الباب من جديد.
ـ لقد رأيته يخرج مسرعاً .. ما الذي حدث؟ قالها أبو غائب مستفسراً. حدق كل واحد في وجه الآخر للحظات.
ـ كيف استطاع أن يهرب هذا القصّاب بمثل هذه السرعة؟
ـ قلت لك إنه (نصّاب) وليس (قصّاب) هل سرق منك شيئاً؟
ـ ليس لدي شيء ليسرقه.. اللعنة على الكهرباء.. تصور لم يدفع أجرتي.
جلسا معاً على الكنبة ذات القماش الرث، أصبحت صورتاهما داخل المرآة التي ذبل بريقها العاكس، أحدهما أبيض كالثلج والآخر أسمر لوحته الصفرة.
ـ ليس هناك زبائن، في الماضي ما أكثرهم. على الرغم من (أن ساحة أم البروم) تعج بهم، ربما عليّ أن أفكر في حل، ولكن لن أفكر في البيع.
ـ القرار قرارك.
ـ يقول سوف يرسلني إلى مكان مجهول الإقامة.. ها ها.
ارتسمت صورتاهما معاً، نظارة سميكة الزجاج والأخرى ذات زجاج أخضر. وشرعا يضحكان بلا صوت.

اقرأ أيضا