الاتحاد

الملحق الثقافي

قصةٌ تختارُ مصيرَهَا

هرول الكاتب نحو الغرفة حين داهمته قصة ذلك الصباح، امتدت يده ونفضت الغبار عن سطح الطاولة، جلس وأدواته أمامه، أوراق وقلم، أشعل سيجارة يتيمة ـ هذا ما يطلقه على آخر واحدة تختبئ في صندوقها ـ وفكرة القصة قد امتلكته ونالت إعجابه، يزعم مؤلف هذه القصة أنها ليست قصة واحدة وإنما أربع، ثلاثتهن عن شخصيات فقيرة تسكن الحي الطرفي الذي يستقر به الكاتب الآن. ويستطرد: عُرِفَ عن هذا الكاتب غرامه بالكتابة عن الفقراء ويعلن بفخر أنه نصيرهم، وهذا لا يعجب النقاد ويغضب ناقداً شاباً اتخذ من ما بعد الحداثة ديناً. مسح الكاتب جبهته. يقول المؤلف إنه عصرها حتى تلبكت يداه بعرقها، وهذا لا يعني أن الوقت كان صيفاً، وانشغل بصياغتها وترتيبها، هنا أحس أن القصص اشتبكت وتزاحمت؛ كل واحدة تريد أن تخرج أولاً، صفق بيديه متعجباً وانشرح صدره واسترخى على الكرسي في انتظار حسم العراك.
رأى “ناهد” تقف في أول الصف، وبعدها قصة ذلك الموظف الذي يقسم راتبه على جيرانه ويتسوّلهم بقية الشهر، تليها قصة سكينة بائعة الطعمية في ظل السور القديم، وهي جارة الكاتب في العقد الرابع من عمرها تعول عدداً من الأطفال مات أبوهم قبل سنوات، أما الرابعة، فتحكي قصة عبد الجبار التاجر الوحيد بالحي. همهم الكاتب: صبراً، ستخرجن جميعاً، تمتم: حتى تكتمل مجموعتي التي وعدت بها دار النشر. وانكفأ لداخله فهدأت المعركة وقال: الآن جاء دوري، سأحيل الموظف للصالح العام، وألصق به تهمة الرشوة وأقتل سكينة بطريقة غامضة وأعلن أنها فاسدة في نفسها مفسدة لغيرها، ترتكب الرذيلة ولها علاقات مشبوهة، وأنها راودتني عن نفسي فامتنعت. أما عبد الجبار، فسيصبح عندي تاجراً في أشياء يُهمَس بها همساً. أما ناهد...، هنا رفع الكاتب القلم ووضعه بين شفتيه ونفسه تحدثه بأن يجعل منها فتاة لعوباً ودميمة وأن يمطر عليها لعنات أهل الحي وأن يقتلها بطريقة واضحة ـ حادث حركة مثلاً. انفرجت شفتاه عن ابتسامة رضا. كاد القلم يقع. هتف هاتف به: إنها لا تستحق اسم ناهد، وجد نفسه يردد: نعم، وشرع في البحث عن اسم يلصقه بها. مررت ذاكرته شريط ما يريد من أسماء، وفمه يمج السيجارة التي ذاب نصفها في جو الغرفة. تنهد قائلاً: سأنتقم منها، وأضيف أنها قبل موتها تزوجت من مدمن سجون. هنا عادت إلى فمه البسمة، تحرك في الغرفة وعقله يعيد ترتيب القصة، يبعد مفردة لتحتل مكانها أخرى، والبسمة تزداد اتساعاً، وحيناً تنمو فتصبح قهقهة ولسانه يردد: تستاهل... تستاهل. يجهل المؤلف السببَ الذي جعل الكاتب يصب كامل غضبه على ناهد، ولماذا أراد تشويه القصص الأخرى.
حين اكتملت القصة في رأسه كما يتمنى بلغ رضاه منتهاه. همس: هكذا سيكون انتقامي. جلس وأمسك بالقلم وهَمَّ بأن يكتبها فباغتته نوبة قلبية ساقته معها إلى الحياة الأخرى.
تضايقت ناهد لتأخر خروجها وظنت أن الكاتب أراد وأدها كما فعل مع قصص أخرى تعرفها جيداً؛ بالذات قصة تلك الفتاة المشلولة التي تبكي صباح مساء وتدق على جبهة الكاتب ليخرجها، لكن هيهات ودموعها سالت وملأت الجمجمة ونزَّت عرقاً اشتهر به الكاتب، قال عنه البعض: من فرط السمنة، وبدأت في البحث عن مخرج بإصرار أدهش جثة الكاتب، بعد جهد وجدته. يقول المؤلف إنه لا يعرفه؛ لأنه لحظة خروجها كانت عيناه معلقتين بفتاة جميلة مرت من أمامه. أول ما أوْلته اهتمامها: مشاهدة الكاتب من الخارج ولماذا أرادها دميمة؛ لأنها أقسمت للمؤلف أنها لم ترتكب شيئاً يُغضِب الكاتب فصدَّقَها، أما أنا فليس لدي الرغبة في تكذيبها. هالها ما رأت، كانت تظنه في ريعان الشباب متهندماً وسيماً معتدل المزاج والقوام، فوجدت رأساً أصلع وشعيرات غطاها الشيب وشفاهاً جافة وقميصاً قُدَّ من قبل ومن دبر ومن جنب وكرشاً كلها طيات وترهل، جلست على الرأس وقلبته ذات اليمين وذات الشمال. مر عليها زمن، حضر فيه الموظف وسكينة وعبد الجبار، وقفوا خلفها وقلوبهم قد اجتمعت على الانتقام من الكاتب ليفسحوا المجال للقصص الأخرى لتخرج، امتدت الأيادي تعبث بتلافيف الدماغ فوجدوا بعض القصص تغط في نوم عميق لا تدري ما حدث، وأخريات في لهو، وبعضهن عرفن ما حدث للكاتب فعشن في هرج ومرج، حتى تلك القصة التي أجمعوا على تسميتها “بنت الحرام” لأن الكاتب سرقها من مجلة قديمة، نعم أحدث عليها بعض التعديلات، ولكن لخوفه من النقاد لم يخرجها؛ حتى هي خرجت.
وحين أفرِغت الجمجمة من القصص التفتت ناهد إليها فرأت أعداداً كبيرة من النمل فوقها وتحتها وعليها وحولها فابتسمت وركضت بعيداً عنها.

اقرأ أيضا