الاتحاد

دنيا

المرأة الغزية من نار الحصار إلى جحيم الحرب

إمرأة  غزية  عانت من الحصار والآن تواجه ويلات الحرب

إمرأة غزية عانت من الحصار والآن تواجه ويلات الحرب

تدخل الحرب الغاشمة على غزة أسبوعها الثالث فيما يستمر الحصار المفروض للعام الثاني على التوالي على جميع مناحي الحياة فيها، مما حول غزة إلى سجن لأكثر من مليون ونصف مواطن فلسطيني، هذا التحدي وهذه الحرب تضع المرأة الفلسطينية الغزية في مواجهة وصمود اعتدناهما منها وليس غريباً عليها·
ترى كيف تواجه المرأة الحرب التي تفتح عليها أبواب جهنم وكيف تواجه الحصار الذي اعتبرته المرأة ضيفا خفيفا مقارنة مع هذه الحرب· تتحدث النساء في غزة بالكثير من الألم الممزوج بالسخرية عن الحياة القاسية التي يعشنها، ولكنهن جميعا أجمعن على أن نار الحصار تهون أمام آلة الحرب التي تحصد الأرواح بلا رحمة ولا تفرقة·

أم فادي امرأة في الأربعين من عمرها ولكن من يرى وجهها الأسمر الكالح سيمنحها سنوات كثيرة فوق هذا العمر فتقول: نفذ من عندي كل شيء ، الحصار لم يبق على أي مخزون في بيتي، فزوجي عاطل عن العمل منذ سنوات حيث أصيب بجلطة دماغية، ولا يوجد لدينا أي مصدر للرزق سوى المعونات القليلة التي تقدمها الأونروا لنا، وعندي عائلة مكونة من تسعة أفراد، ولذا كان يجب أن نحتال على سبل العيش لكي نستطيع أن نجتاز هذه الأزمة التي يمر بها كل سكان غزة·
تردف أم فادي قائلة وهي تتنهد: أحصل على الدقيق اللازم لإعداد الخبز من الأونروا فأبيع جزءاً منه لأشتري أشياء أخرى، مثل كتاب لأحد أطفالي أو علبة دواء لزوجي المريض، أما الجزء الباقي فأصنع منه الخبز في المنزل وأقوم بخبز الخبز مستخدمة فرن الطابون تارة وفرن ''الصاج'' تارة أخرى ، والصاج هو قطعة من الألمنيوم المقوسة توقد تحتها النار ويوضع فوقها الخبز حتى ينضج''، العملية بالنسبة لي مرهقة جدا، حيث يقوم أطفالي بالتجول في الحارات بحثا عن الحطب وعلب الكرتون الفارغة لأستخدمها في اشعال النار، وأحيانا كثيرة تتعرض يدي وأجزاء من جسدي للاحتراق بسبب النيران، ولكني في النهاية أعد الخبز اللازم لاطعام أطفالي حيث لا يوجد لدي أي بديل آخر، فلا كهرباء ولا غاز لكي أستخدم أحدهما لإعداد الخبز·
وتتحدث أم فادي بحسرة: منذ عيد الأضحى المبارك لم يتذوق أطفالي اللحوم، كل يوم أعد لهم أطباقا منوعة من الأرز والعدس والمعروفة في فلسطين بـ''المجدرة'' وأعد لهم ايضا المكرونة بدون اضافة اللحم طبعا، وهناك البطاطا المقلية والبصارة وهي أكلة شعبية مصنوعة من الفول المجروش·
وأعد أيضا لأطفالي الجبن واللبنة واللبن الزبادي في البيت، فلا يمكننا شراءها بسبب عدم توفرها في الأسواق، لأن إسرائيل تمنع دخول المنتجات الاسرائيلية لغزة، وأيضا لو توفرت هذه الأغذية في الأسواق فلن نستطيع أن نشتريها لعدم توفر المال لدينا، فأعدها بالبيت من الحليب المجفف الذي أحصل عليه من الأونروا أيضا·
شمع وصابون صناعة منزلية
أم صفوت في الخمسين من عمرها ولكنها تبدو قوية وصلبة كما الرجال تتحدث بكل ثقة لا تخلو من سخرية وتتساءل: هل تعتقد إسرائيل أنها ستنال من عزيمة الشعب الفلسطيني؟، لقد ذاق الرسول ''ص'' العذاب والجوع في حصار قريش له وخرج منتصرا ونحن سنخرج منتصرين بإذن الله تعالى، وتشرح أم صفوت بصوت أهدأ من لهجتها الحماسية الصادقة السابقة فتقول: عندي عشرة أولاد وأكثر من خمسة عشر حفيداً وأنا مسؤولة عن تدبير أمورهم، تخيلي كم كمية الصابون ومواد التنظيف التي يحتاجها هؤلاء وكم شمعة نحتاج لتوزيعها في عدة غرف من بناية مكونة من عدة طوابق حيث يعيش أولادي مع عائلاتهم، الحصار والبطالة لم يتركا أمامي أي خيار، فأصبحت أجمع بقايا الصابون من جاراتي وقريباتي وأضعه على النار مع القليل من الماء، وأقوم بغليه واذابته حتى اذا ما أصبح عبارة عن سائل يميل إلى اللزوجة أسكبه في وعاء خشبي على شكل مربع منخفض الجوانب، وأنتظر حتى يبرد قليلا ثم أقوم بتقطيعه لقطع صغيرة في حجم قطع الصابون التي نشتريها من المحلات ولا ألمسه حتى يجف تماماً·
الأمر نفسه أقوم به بالنسبة لصناعة الشمع حيث اجمع الشمع الذائب الذي سبق أن استخدمناه في الانارة، وأضعه في قوالب صغيرة وفي وسط كل قالب أضع خيطا سميكا وأتركه حتى يجف وبذلك أحصل على كميات جديدة من الشمع نستخدمها لأيام متتالية ومتشابهة من الظلام·
ملابس وأحذية قديمة
نسينا منذ زمن شراء الملابس والأحذية الجديدة هكذا تتحدث بدرية وتقول: أشتري الملابس القديمة من سوق الملابس المستعملة بثمن بخس وأقوم بغسلها ثم أبدأ وباستخدام ماكينة خياطة قديمة لدي أيضا لا تعمل بالكهرباء ولكنها تدار بواسطة قدمي في اعادة تشكيلها لتصبح مناسبة لمقاسات وأذواق أولادي الستة وكذلك افعل بالأحذية حيث أجمع القديم منها واذهب بها إلى ''الكندرجي'' ويقوم هو بالمهمة الصعبة لاصلاح وطلاء ما يمكن اصلاحه وطلاءه، بعد صمت قليل تقول بدرية: شو بدنا نعمل بدنا نعيش· وبعد هذه النماذج القليلة والتي نجد مثلها في كل بيت في غزة تتحدث الأستاذة ماجدة شحادة مديرة قسم المرأة في مركز حقوق الانسان في غزة فتقول: المرأة الفلسطينية هي من شعب الجبارين، فهي جبارة بقدرتها على التكيف في أصعب الظروف فهي الأم التي تنجب الأبطال والمقاومين وفي نفس الوقت هي الزوجة التي تقف إلى جوار زوجها في المحن وربة البيت التي تدير البيت الكبير بعدد أفراده، الضيق بمساحته بالكثير من الحنكة والصبر والتأقلم والخبرة التي ورثتها من أمها وجدتها عبر سنوات النضال الفلسطيني·

اقرأ أيضا