الاتحاد

الملحق الثقافي

الحروف في خدمة الفكرة

فنان يلعب بالحروف وبالألوان. يلعب الفنان علي عمر أرميص كفنان محترف، فتصبح الحروف العربية في لوحته عملا فنيا. وفي معرضه الذي تحتضنه صالة “ميم غاليري” في دبي تغدو حروفه ضوءا ونورا على قدر من السطوع والإبهار. وهو يلعب بالنصوص التراثية في المساحة المفتوحة له في اللوحة، نصوص من كتب التراث العربي الإسلامي، تتحول إلى جزء من اللوحة، بحروف صغيرة جدا، وتكوينات ذات دلالات روحانية، تبلغ حدود الصوفية.

هو خطاط يلعب بالحروف، ولكنه يلعب باللون أيضا. يمزج بين الحرف واللون ليجد عملا يتكون من هذين العالمين، ويستخدم النصوص التراثية بصورة تشكيلية، وبالحروف الصغيرة والدقيقة، فينتج لوحة حروفية تنطوي على هذه العناصر كلها. لوحة بالخط والحرف واللون والنصوص. ما يجعلها لوحة تستوقف المتأمل للقراءة المتعمقة.
الحرف يستدعي نصا، أم أن النص هو الذي يتطلب الحرف، ليس مهما، المهم هو اللقاء الحميم والضروري بين النصوص والحروف في اللوحة، فحين يرتبط حرف السين بالسلام، يتبعه حرف العين المرتبط بالعدل، وتصبح المعادلة ارتباط العدل بالسلام، والعكس صحيح. فلم تعد المسألة هنا مرتبطة بالخط العربي وجمالياته، وهي مسألة حاضرة بقوة، لكنها تتعدى ذلك إلى المعنى والمدلولات المتعلقة بالحياة والعلاقات البشرية، ومنها السلام والعدل بين بني البشر، ولكن في الإطار الفني.
هنا يتماهى الفن مع وظيفته الطبيعية، يتماهى مع دوره في تقديم الرسالة التي تأتي عفوية وبلا إكراهات إيديولوجية، يأتي الحرف العربي ليكون عنصرا فاعلا في لوحة حروفية تشع بجمالياتها، ولا تخفي رسالتها المتمثلة في النص المصاحب، في أسلوب فريد ومتميز، يعرف كيف يختار حروفه ونصوصه التراثية، خالقا التناسق والتوازن بين عناصر لوحته.
فهو يرى أن الفن يجب أن يقدم رسالة واضحة. وقد أراد لها في أعماله أن تكون المحافظة على الإرث الاسلامي، وتقديمه لكل العالم. وبخلاف ما هو معروف عن الفنانين في مجال الحروفية، نجد أن أبرز ما يميز كتابات وحروف أرميص، أنها مقروءة، وبالتالي يستطيع من خلال جمالياتها جذب العرب والأجانب، ما يجعل التواصل معها أسهل.
ويعتبر أرميص من قبل العديد من المراقبين وخبراء الفن في جميع أنحاء العالم كفنان عالمي فريد من نوعه. وقد عرضت أعماله على نطاق واسع في العالم ويعتبر من أهم الفنانين التشكيليين المسلمين المعاصرين في العالم. وهو يختار أعماله من كتب المختارات الأدبية العربية مثل كتاب العقد الفريد والأغاني وبهجة المجالس وغيرها من كتب التراث العربي ودواوين الشعراء العرب أمثال النابغة الذبياني، وابن سينا، والمتنبي.
إنه يصنع من الحرف دلالات ذات فخامة، فكل حرف له أسماء تجعل منه حياة ومعنى، فحرف الكاف الأخضر، أو ما يسميه “كوكبة الكاف”، محاط بكائنات وأسماء تبدأ بحرف الكاف، بدءا من كلمة الكون، والكثير من المفردات، وصولا إلى الكتاب، وغيرها من المفردات المهمة في سياق هذا الحرف الكوني الذي يحيل على عبارة “كن فيكون”.
وبالوقوف مع حرف الميم الأحمر، نتوقف مع التشكيل أولا، ثم ننتقل إلى المروءات التي تنبثق من هذا الحرف، ونقف على نص من كتاب “بهجة المجالس” حول المروءة والشهامة، حيث يقول الشاعر:
وإذا الفتى جمع المروءة والتقى
وحوى مع الأدب الحياء فقد كملْ
وفي عالم الصحراء، كما كتب البعض، نجد لوحة (لزوميات اللام)، التي يتداخل فيها حرف اللام في عوالم دافئة، تحمل العديد من المعاني والقراءات التي يستنبطها خيال كل مشاهد بين آثار بنيان مضى، في رفعة الحرف المتداخل في شفافية رمال وكثبان الصحراء التي تحمل في تداخل ألوان كثبانها، التحول الدائم، مع كلمات كالهمس تتدفق من صلب الحرف.
إنها حروفية من نمط مختلف، تربط بين النص والرسم، حيث يمنح لكل حرف لونا، ولكل حرف نصا متميزا، وذلك من خلال المزج بين الأكريليك والأحبار، كما تتميز ألوانه بالبرودة والهدوء غالبا، حتى في الحروف التي يستخدم فيها الأحمر والأزرق.
ويصرح الفنان أن “الهدف في هذه الأعمال التي بدأت من أكثر من 42 سنة، والتي استمررت وغيري في تقديم الإضافات فيها، والتركيز على المقاييس الجمالية للغة العربية، هو أن نرسخ ونوجد مكاناً لنا في الفن العالمي المعاصر”. ويضيف “نميل إلى أن يكون لدينا نصيب في ما يحدث في الدنيا، في إطار ما يحدث في الفن عالمياً، لأننا نريد أن نقدم أعمالاً راقية، تتكلم عن قضايا خطرة، وتتوجه إلى العربي وغير العربي”.
واعتبر الفنان في حديث له للصحافة المحلية “أن فهم العمل يمكن أن يكون من الناحية الجمالية، وليس فقط من ناحية القراءة، لأن العمل يحمل أبعاداً فلسفية ويشتمل على إيحاءات مهمة. وفي ما يتعلق بالأبعاد الفلسفية التي تأخذها اللوحات، أكد أرميص أن الحديث عن اللغة يكون بجوانب مختلفة لا تنتهي، تماما كما الأعداد الحسابية، وبالتالي فإن أوجه التعامل مع الحرف غير منتهية، فالحروف تتألف منها الكلمة، ومن الكلمات الجمل، ثم الكتب. وشبه عناصر لوحته بالعمل المسرحي، إذ اعتبر اللون والحروف والنصوص، من الأمور التي ليس من الضروري أن تكون مترابطة، فهي كأبطال العمل المسرحي، يوجدون معاً ليتعاونوا، وأشبه ما تكون بالجيران الذين يكملون العمل. ورفض أرميص إعطاء تقييم واضح للفن المعاصر، معتبراً أن الفن الجيد يفرض نفسه على الجمهور، ولهذا شدد على أن العمل الفني يقاس بالنية الواضحة، وكل فنان يقصد بناء عمل جيد، سينجح في وقت ما، بينما هناك أعمال فيها تخريب للثقافة وكذلك تخريب للأخلاق، وهي التي لا يمكن أن ندعمها”.

اقرأ أيضا