الاتحاد

الملحق الثقافي

قصة حبّ صنعت معجزتها الخاصة

في قاعة “البراحة 2” في فنددق انتركونتننتال مساء الثاني عشر من مارس المقبل في “فيستفال سيتي” بدبي، تنتدي مارغريت فان غيلدرملسين عن تجربتها غير العادية في العيش في أوساط البدو الأردنيين في مدينة البتراء الأثرية، وذلك ضمن فعاليات الدورة الثالثة لمهرجان طيران الإمارات للآداب الذي يقام خلال الفترة ما بين الثامن عشر والثاني عشر من الشهر ذاته. تلك التجربة صارت كتابا وبسببه تحولت امرأة في نهاية الأربعينيات من مجرد امرأة عادية إلى كاتبة سيرة ذاتية تعرض لتجربة من طراز فريد.
تبدو صورة صاحبة كتاب “تزوجت بدويا”، النيوزلندية ـ الأردنية مارغريت فان غيلديرملسين، الصادر عن مكتبة العبيكان في الرياض بدعم من مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم ـ دبي، والتي تظهر في الغلاف الأخير بصحبة مترجمة الكتاب سلمى المقدادي.. تبدو صورةً لامرأة أوروبية عادية في منتصف العمر، فيما هي على الغلاف الأول إلى جوار شاب بدوي وسيم، وتبدو أوروبية في نهاية العشرينيات أو بداية الثلاثينيات من عمرها وقد ارتدت ثوبا بدويا من طراز ما تلبس النساء في منطقة وادي موسى والبتراء وما جاورهما.
في صورة الغلاف الأول تبدو الفتاة سعيدة على نحو خجول ربما، وتكاد تطلق ضحكا من عينيها، فيما تمسك بذراع ذلك الشاب. إن أوّل ما يتبادر إلى ذهن المرء، إذْ يقلب الكتاب ناظرا إلى غلافيه، هو ذلك الجانب السياحي في أمر الصورة، خصوصا وأن إحدى الصورتين ترافقها صورة أخرى مدمجة تبدو فيها خزنة البتراء متداخلة مع الجبال المحيطة بها. لذلك فإن ما يتبادر إلى الذهن مباشرة ما هو نمطية ومسبق عن الجاذبية السياحية وعن العيون الاستشراقية التي لا ترى في المكان وناسه سوى الدهشة التي تتركها عظمتهما عليه، أما ما تبقى فسيكون الكتاب على الأكثر واحدا من كتب الرحلات، فيغلب عليه توصيف المكان وذكر تاريخه وعادات أهله، وذلك على الرغم من العنوان الفاقع والصريح للكتاب: “تزوجت بدويا” وإلى الأعلى منه اسم الكاتبة: مارغريت فان غيلديرملسين، خاصة وان الغلاف يفتقر إلى الأناقة وفاقع الصفرة إلى درجة انه يذكّر مباشرة بالكتب التجارية، كما عليه الحال في صناعة الكتاب العربي.
لكن ما إنْ يفرغ المرء من قراءة هذا الكتاب، أو من رحلة قراءة استغرقت قرابة الأربعمئة صفحة من القطع المتوسط ـ هي عُصارة قرابة الخمسة وثلاثين عاما من العيش الحثيث والمتواصل في صُلب مجتمع البتراء، أي المكان والناس والثقافة الشعبية السائدة ـ حتى تنقلب الأفكار المسبقة كلها رأسا على عقب بحيث تجعل المرء ينحني، بكامل وجدانه الإنساني أمام تجربة إنسانية خالصة ونقية من أي شوائب. إلى حدّ أنه ما من مغالاة في أن يوصف الكتاب بأنه من الندرة، في حقله الأدبي، أي السيرة الذاتية، القادر على إقناع قارئه بتجربة شديدة الفردية وشديدة الخصوصية أيضا. فهو كتاب عالي المصداقية ليس لجهة الوصف أو سرد الحدث بل أيضا لأنه من ذلك النوع من الكتب الذي يكتبه صاحبه بأحاسيسه ومشاعره قبل أن يفكِّر في أن يتخذ موقفا من هذا الأمر أو ذاك.
بل قد يتطرّف المرء قليلا فيقول بأن هذا الكتاب رغم أنه منقول إلى العربية من الانجليزية، إلا أنه، ربما، يكون من بين الأفضل من كتب السيرة الذاتية الأردنية التي كُتبت خلال القرن العشرين ومطلع هذا القرن.

وعي عميق
وهذه “الحماسة”، إذا جاز التوصيف، ليس لأن الكاتبة قد تزوجت من أردني فصارت أردنية بل بسبب وعيها العميق، الذي يكاد يكون فطريا، بطيبة الناس واحترامها لثقافتهم، وفوق ذلك أن الكتاب يأخذ المرء في رحلة مع صاحبته بدءا من سطوره الأولى حتى نهايته مدفوعا بمعرفة التفاصيل الغريبة ومشدودا بخيط خفي هو السرد الذي ينسرب من تحت وعي القارئ دون أن يشعر فإذا به قد استغرق في القراءة وتفاصيل المكان وناسه دون إدراك لذلك تقريبا. وربما أن المعرفة بالمكان، وإنْ كانت محدودة أو غير عميقة، إلا أن الرحلة مع الكتاب تجعله أكثر انشدادا لذلك المكان وأصفى تذكّرا لتفاصيله وتفاصيل الوجوه التي يعرف أسماء أصحابها وتلك لا يعرف وبوسعه أنْ يتذكرها (الآن، وهنا). وتحديدا أن فعل القراءة يُصاب بقَدْر كبير من الاختلاف عندما يكون المرء في ديار غربة، حتى كأنه يقرأ مثلما يريد هو لصاحبة الكتاب أنْ تكتب. هكذا باختصار وبلا رتوش ودون انقطاع لخيط الدهشة.
ويتضح من كتاب “تزوجت بدويا” أن صاحبته لا شأن لها من قبل في ممارسة أي نوع من الكتابة مسبقا بحسب سيرتها، وأنه لم يُتَح لها إلا قراءة القليل من الكتب بالإنجليزية التي كانت تحصل على البعض منها من السياح الأجانب، فضلا عن أنها لم تتقن القراءة بالعربية مع أنها أتقنت اللهجة المحلية وكلام الناس العادي واليومي وتفهمه تماما بما ينعكس على أحاسيسها ومشاعرها سلبا أو إيجابا، بوما يعني أن المرء هنا، وباجتهاد واضح من سلمى المقدادي في فعل الترجمة، بصدد كتاب أول لصاحبته، أو كتاب أوّل بالمعنى المطلق.
في حقول أدبية أخرى، غالبا ما لا يخلو الكتاب من أخطاءات البدايات بكل جمالياتها. هنا، الكتاب، بحسب ما هو منقول إلى العربية، بلا عثرات الكتاب الأول بل بكل جمالياته. وتحديدا فيما يتعلق بتدفق السرد ودفء المشاعر الإنسانية والصدقية العالية في ذِكْر ما جرى بلا أية مبالغات أو إسراف في المشاعر أو اختصار منها، مع أن المرء يلمس بعض الحذر لدى الكاتبة تجاه مسائل تخص الأخلاقيات السائدة ومرجعيتها الدينية أو الثقافية الشعبية، بل يجد المرء تفهُّما إنسانيا عميقا تجاه وضع المرأة إجمالا سواء في علاقاتها الأسرية الناشئة عن كونها زوجة محمد البدول أو تلك التي كانت قد أنشاتها مع بعض النساء من اللواتي يراجعن المستوصف الذي عملت فيه كممرضة.
بمعنى ما، يشكّل الكتاب واحدا من المرجعيات للحياة الاجتماعية لأهل البتراء وجوارها خلال الفترة التي عاشت فيها مارغريت فان غيلديرملسين أُمّا وزوجة بين الناس في عيشهم اليومي.
إنه كتاب مليء بالتفاصيل الاجتماعية الإنسانية الصغيرة والحميمية والعفوية التي تقبّلتها الكاتبة بحكم أنها صارت جزءا من نسيج اجتماعي قائم تعرّض للعديد من الإشكاليات بل والهزات الاجتماعية من قبيل نقل ساكني كهوف البتراء إلى مكان آخر يتوفر على قَدْر أعلى من المدنية حيث الكهرباء والمدارس والانغماس بشؤون الحياة اليومية التي تؤثر في إحداث تراخٍ في العلاقات الاجتماعية، حيث يمكن للمرء أن يلحظ ذلك في تضاعيف السرد وشخصيات مارغريت فان غيلديرملسين التي بدا البعض منها شخصيات روائية بالمعنى الحقيقي للكلمة، كما هي الحال لدى كشفها عن الجانب الآخر لشخصية ذات وزن عشائري من المفترض بصاحبها أنه الذي يسعى دائما لحلّ مشاكل ناسه المرتبطة بالدولة أو سواها.

سن الذهب
من بين تلك التفاصيل تروي الكاتبة حكاية سنّ الذهب وصاحبها “النوَري” الذي يختلف بلباسه وهيئته عن سائر الناس وكيف يجلس قريبا إلى هذا الحدّ من النساء إلى درجة أن يكشف عن أسنانهن ثم مشاعرها تجاهه بوصفه رجلا غريبا لما مسّ أسنانها شعرت كما لو أنها حصان يجري فحصه. يمكن القول أيضا أن هذا الكتاب إذا أُخِذ على محمل الرواية فإن من الممكن التعامل معه بوصفه “رواية عائلة” من الممكن حدوثها في أي مكان، لكنها هنا لا تكتسب طعهما الفريد إلا من خلال المكان وتفاصيله وعلاقة الناس به ودوره في حياتهم الاجتماعية والاقتصادية، وقبل ذلك من خلال عينيّْ المرأة المغامِرة التي تقول وتصف دون أنْ تشرح أو تطيل بل تقول ما جرى فقط.
هكذا تروي الكاتبة عن عيشها في الكهف المطلّ على مشهد الجبال الخلّاب كما لو أنها أميرة في قصر، لكنها تستغرب من نفسها عندما غادرته ـ وكانت قد أنجبت فيه طفلين وتعلمت أن تخبز فيه على طريقة أهل البتراء، وفيه أهداها محمدا خاتما ذهبيا غالي الثمن، ثم كيف انحدرت من أعلى التلة حيث ذلك الكهف، لتساعد مريض، متنقلةً على ظهر حمار ـ تستغرب من نفسها أنها لم تبكِ لوداعه بل اكتفت باحتضان طفليها.
ثمة الكثير من المشاهد الإنسانية الدافئة، لكنها لا تخلو من عذابات فردية سواء في نقل الماء أو تعلم اللغة العربية أوالطبخ والعجن ثم الخبز على الصاج الذي أصاب أصابعها بالكثير من اللسعات الحارّة. وسوى ذلك تروي الكثير من المواقف الشبيهة التي قد تدفع بأي امرأة اوروبية إلى المغادرة، لكن الكاتبة هي التي تفصح بأن الحبّ الذي ربطها بمحمد هو الذي كان يدفعها إلى البقاء معه، وكذلك طيبة الرجل، فهي لا تتذكّر أبدا أنها تعرّضت لإساءة منه او تعنيف بل هو الجانب الإنساني الشفاف في علاقة الرجل بالمرأة، وعندما يغيب للعب الورق مع أصحابه كانت تبكي طويلا وتؤنبه على ذلك وتواصل بكاءها على كتفه إلى حدّ أن الرجل صار يأخذها معه أثناء لعبهم ثم صارت واحدا من اللاعبين، الأمر الذي ندري أنه من النادر لرجل شرقي أن يفعله، لكن لعل طيبة ناس زمان وثقتهم العالية بأنفسهم وبغنى علاقاتهم الإنسانية كانت أكثر مصداقية مما هي عليه الآن.
وهذا كله يعني أن “تزوجت بدويا” هي قصة حبّ صنعت معجزتها الخاصة بها بكل ما تنطوي عليه من أفراح ومسرّات صغيرة وكذلك من أحزان عادية تصيب أغلب الناس في علاقاتهم العاطفية.

لا تنسى
لكن التجربة إذ تستعيدها صاحبتها كتابةً تبدو صافية كنبع رقراق ولم تكن بحاجة إلى الكثير من التفاصيل للوصول إلى نقطة معينة تتطور من خلالها العلاقة بل كانت أشبه بمغامرة شيّقة وملهمة أقدم عليها رجل وامرأة التقيا مصادفة وعاشا حياة مشتركة لم تخل بدورها من المصادفات.
تتبقى ملاحظتان يلمسهما المرء خلال القراءة، الأولى منهما: هي أن مارغريت فان غيلديرملسين، على الرغم من انغماسها الشديد في حياة أهل البتراء وتضاريسها لم تنس أنها أوروبية، ربما حدث ذلك لأنها كذلك، وربما أن هناك ما كان يذكِّرها دائما بأوروبيتها هذه. صحيح أن التجربة كانت غريبة بعض الشيء على أهالي البتراء مثلما كانت غريبة عليها، لكن هناك عين ما لدى الكاتبة، ربما تكون خفية، قد سجلت الكثير من المشاهِد في ذاكرتها الواعية أو اللا واعية هي في آخر الأمر عين كانت ترى كل شيء حولها بقدر كبير من الدهشة دائما. ما يعني أن العين، وبالتالي صاحبتها، ظلّت تشعر بنفسها امرأة مختلفة عن غيرها من النساء.
أما الملاحظة الأخرى، فهي أن انقطاع حبل الحياة في عروق محمد، قد أفضى بها إلى استعادة من نوع ما لأوروبيتها، كما لو أن الحبل السري لاستمرارها في المكان كانت علاقتها بمحمد. ينتهي كتابها عند رحيل شريكها في هذه التجربة البسيطة التي جعلت منها مارغريت فان غيلديرملسين تجربة استثنائية عبر استعادتها بالمخيلة ثم كتابتها. إلى حدّ أن المرء يرى في قصة الحب هذه مادة فيلمية لقصة حب يلتقي من خلالها الشرق، بوصفه محبا للمغامرة والاكتشاف، بالشرق بوصفه إنسانا ومكانا بجاذبيتهما الخاصة وصفاء العلاقة الإنسانية مثلما ببداوته المثيرة للمخيلة “الاستشراقية” أيضا.
غادرت السيدة مارغريت فان غيلديرملسين البتراء، بعد رحيل زوجها، وتقيم الآن في العاصمة الاسترالية سيدني، حيث تعيش شقيقتاها آخذة معها أبناءها وأبناء محمد إلى هناك حيث ترى أن من الممكن لكل منهم أن يقرر مصيره ومستقبله وحياة أفضل له بمحض إرادته.
أخيرا، ثمة سؤال معلَّق بإلحاح، لماذا لم يصدر الكتاب في عمّان؟ ولماذا لم يُحتف به وبصاحبته؟ على جاري عادة عمّان التي تحتفي بفنانين ومثقفين أجانب وعرب، غالبا ما يتلاشى أثرهم فور ذهابهم، مع أنه الكتاب جدير بذلك بالفعل.

اقرأ أيضا