الاتحاد

الملحق الثقافي

عندما تحمل السياسة المقص

مصادرة صحيفة عمل مقلق للقائمين عليها وللقراء، لكن هذا يحدث بين حين وآخر، منذ ظهور أو اختراع الصحف في عصرنا الحديث، ويقول الباحث هشام عبدالعزيز في كتابه “صحف مصادرة في مصر حتى عام 1952” ان أدبيات ما قبل 1952 في مصر لم تكن تستعمل كلمة مصادرة، ففي محاضر الشرطة وتحقيقات النيابة وأحكام القضاء كان هناك مصطلح تعطيل أو إلغاء أو توقيف محدد ومؤقت، فضلا عن كلمات مثل إنفراد أو غيرها، وقد استنتج الباحث منها أن مصطلح “المصادرة” كان مرتبطا أو مصحوبا بسوء السمعة لذا تقرر عدم استعماله
ومصادرة أو وقف الصحف لها أسباب عديدة، وليس السبب السياسي فقط، كما يتصور البعض، فقد تتوقف صحيفة لانتهاء الدور أو السبب الذي صدرت من أجله، كما هو الحال بالنسبة لجريدة “اللطائف” التي أصدرها عبدالله النديم للدفاع عن أحمد عرابي والإشادة بانتصارات العرابيين وإثارة الرأي العام، وما أن هُزم عرابي وانتهت ثورته حتى توقفت “اللطائف” خاصة ان النديم نفسه كان مطلوباً للمحاكمة واختفى، وكانت الصحف تتوقف لأسباب أخرى مثل النزاع على الملكية، وهذا ما حدث لجريدة “اللواء” التي أسسها مصطفى كامل وكانت لسان حالة الحزب الوطني الذي أسسه، وما إن مات الزعيم حتى حدث صراع على ملكيتها بين ورثته، مما أدى الى توقفها نهائيا، كانت السلطات تعطل لأسباب سياسية صدور بعض أعدادها، لكن التوقف النهائي وقع من الورثة.
ولم تكن القوانين الاستثنائية من الحكومات التي تضيق ذرعا بالصحافة والصحفيين، بل المجتمع نفسه كانت لديه هذه النزعة، فقد حدث أن هاجم أحد الصحفيين يوسف وهبي، وإذا بعمال مسرح رمسيس يتربصون به ويعتدون عليه، وتبين أن يوسف وهبي هو من أوعز إليهم بذلك، وأحد الصحفيين أيضا استفز بديعة مصابني وتعرض للضرب.
ومن يتابع تاريخ المصادرة فسوف يجد أن معظمها تم لأسباب سياسية ووقع من قبل الجهات التنفيذية وكانت المصادرة سهلة للغاية، ولكن كان استخراج رخص صحيفة أو مجلة شديد السهولة كذلك، وهذا ما جعل كثيرين وخاصة من الصحفيين لا يفزعون كثيرا من المصادرة، ففي اليوم الذي تصادر فيه الصحيفة كان يتم استخراج رخصة جديدة، وتعود الصحيفة للصدور من نفس المقر، لكن تحت عنوان أو لافتة جديدة.

طرائف
ولا تخلو عملية المصادرة من بعض الطرائف أحياناً، فقد صودرت جريدة “نزهة الأفكار” بعد صدور عددين، فقد استفزت الجريدة فور صدورها الحكومة بقوة وبأسلوب حاد، فقررت مصادرتها حتى لا تصبح مشكلة فيما بعد، وهو ما حدث مع صحيفة “البلاغ المصري” لصاحبها إبراهيم شيمي، وكان من أقطاب الحزب الوطني، وأصدرها في يوليو 1910، ولما انتقدت الحكومة والاحتلال البريطاني تم توقيفها نهائيا، بعد عدة أشهر فقط.
وهناك أوقات أو مواسم لمصادرة الصحف، فالمصادرة لا تتم عادة من فراغ، ولكن هناك ظروفا ترافقها، وتشجع عليها، وفي مقدمة ذلك أوقات الحروب، حيث يتم فيها تقييد الحريات العامة وحرية الصحافة بشكل خاص، وهذا ما جرى حين قامت الحرب العالمية الأولى، حيث فُرضت الأحكام العرفية في مصر اعتبارا من 19 اكتوبر 1914 وبعدها مباشرة، في الثاني من نوفمبر فرضت الرقابة الكاملة على الصحف وبدأ التحكم فيما تنشره وتوقيف العديد منها.
وفي أوقات الثورات الشعبية وغير الشعبية، السلمي منها أو المسلح، تكثر مصادرة الصحف، حدث ذلك في زمن الثورة العرابية عامي 1881 و1882، حيث تم توقيف عدد من الصحف المملوكة لبعض الشوام، ويبدو أن شكوكاً ساورت العرابيين في مدى اخلاص هذه الصحف وأصحابها لهم، والمعروف أن بعض هذه الصحف كانت على صلة بالخديو محمد توفيق، وبعضها كان يلقى الدعم المادي من رجاله، وكثير من هذه الصحف عاد للصدور مرة ثانية بعد هزيمة عرابي، الأمر الذي أدى الى حالة من القلق لدى الرأي العام تجاهها.
وفي أثناء ثورة 1919، حدث شيء مشابه فقد بدأت الصحف تتابع منذ سنة 1918 تحرك سعد زغلول والزعماء المصريين للمطالبة بالاستقلال، ونشرت انباء المظاهرات التي تجوب المدن تأييدا للزعماء من اجل الاستقلال، وفي 18 ديسمبر وجهت ادارة المطبوعات انذارا لعدد من الصحف بالتوقف عن تغطية المظاهرات ومتابعتها، ولم يستجب كثير من الصحف لذا تم توقيف بعضها مؤقتا.

جدل
وبعيدا عن الثورات، فإنه في أوقات الاحتقان السياسي والاجتماعي يكون الجو مهيأ للمصادرة، وحدث ذلك سنة 1923 أيام الجدل حول الدستور، ورغبة فريق من القانونيين توسيع هامش الحريات العامة في مواد الدستور، وتصدي فريق من المحافظين لذلك الاتجاه ووقتها جرت مناظرات في العديد من الصحف، وحدث كذلك في زمن يمكن أن نعده زمن الانقلاب السياسي وحدث في سنة 1930 مع حكومة صدقي باشا، حيث بطش صدقي بالحريات والغى دستور 1923 وشرع في وضع دستور جديد يضاعف سلطات واختصاصات الملك على حساب القوى السياسية الأخرى.
وتكرر الموقف نفسه سنة 1935 إبان الانتفاضة الشهيرة دفاعا عن الدستور واحتجاجا على تصريحات وزير خارجية بريطانيا الذي رفض الجلاء عن مصر، وتم في العام التالي اثناء تفاوض الوفد لتوقيع معاهدة سنة 1936، هذه الأحداث جميعا صاحبها توقيف لبعض الصحف وانذار لبعضها الآخر، وحدثت مصادرة جزئية أي تصدر صحيفة بلا مقال بعينه أو موضوع محدد، وأحيانا كانت تصدر الصحيفة وبها مساحات بيضاء، وهي التي يقوم الرقيب بحذفها أو مصادرتها من مادة العدد.
ولم يكن الأمر يقف عند حدود المصادرة، ففي حالات عديدة كان يتم تحويل الصحف والكاتب الى المحاكمة، كما حدث مع الشيخ علي يوسف في قضية “التلغراف” حيث تمكن أحد عمال التلغراف من نشر البرقيات المتعلقة بالمخابرات الحربية البريطانية في السودان، وحدث الشيء نفسه مع مصطفى لطفي المنفلوطي الذي هاجم الخديو عباس حلمي بشدة، وكان عباس قد قام بجولة باذخة في أوروبا غير منتبه للفقراء في مصر ولا للقضية الوطنية. وحدث اثناء الثورة العرابية أن غضب عرابي من جريدة الأهرام، خاصة ان صاحبها بشارة تكلا كان وثيق الصلة بالفرنسيين، وكانت الاهرام تصدر من الاسكندرية، فتم توقيف الجريدة، ثم هب العرابيون الى مبنى الجريدة واحرقوا المطبعة وأتت عليها النيران.

اقرأ أيضا