الملحق الثقافي

الاتحاد

سمير عبد الفتاح: الجوائز لعبة تشبه مباريات كرة القدم

ربّما يمثل هذا الحوار الأول الذي يجرى مع الكاتب سمير عبد الفتاح الذي عادة ما يتخفى عن وسائل الإعلام. هنا يتحدث الروائي اليمني عن عوالمه السردية التي بدت في روايتيه “السيد م” و”نصف مفقود” إلى جانب أربع مجموعات قصصية وأربع مسرحيات. وعن نظرته للجوائز الأدبية، حيث فازت إحدى رواياته بجائزة مجلة “دبي الثقافية”.

? القارئ لروايتك وقصصك يجدها مثقلة بالذات، أو لنقل الداخل، ويبدو الخارج كأنه صورتها وليس العكس. ما هي هواجسك الرؤيوية في السرد؟
? لا أستطيع الإمساك بمفردة الهواجس التي يوحي بها السؤال، لكن قريباً من الفكرة التي يدور حولها التساؤل يمكن القول إن هناك عالماً موازياً نعيشه على الأوراق، عالم تتحول فيه الأوراق إلى مرايا عملاقة تعكس صورنا وصور العالم من حولنا، صورنا الخارجية والداخلية كذلك، ومن دون هذا الانعكاس ستفقد الأوراق والكتابة بريقها بعد أوّل صفحة تُكتب وتتحول إلى نجاتيف يكرر الصورة نفسها. هذا أولاً. وثانياً السرد بمثابة فرصة لتحرير الذاكرة الجمعية، وإعادة تشكيلها بما كنا نتوق إليه (سلباً أو إيجاباً) في حياتنا الحقيقية.
? تبدو عبارتك اللغوية منحوتة جمالية تميل غالباً إلى الشعرية. هل انشغالك في اللغة، في هذا المستوى، يحقق هذه الهواجس النصية في الكتابة؟
? اللغة وعاء، بمثل هذه العبارة تشطرك اللغة إلى آلاف المفردات، حسب قاموسك اللغوي، وعندما تحاجج أن اللغة وسيلة نقل، تُعجزك اللغة بقدرتها على المراوغة وتتحول هي إلى أداة فعل. ولا يبقى لديك سوى التمكن من اللغة لتستنفذها كأداة للتوصيل، فتختار العبارات الواضحة أو الملتبسة لإيصال فكرتك الظاهرة المستترة الملتوية، وبعدها اصبغ لغتك كما تريد، اجعلها فضفاضة أو ضيقة، ثرية أو متهالكة... وبالنسبة للغتي الكتابية فأنا أحاول الإمساك بلغة أكثر شفافية لأستطيع التدفق داخل العالم المبهم الذي أريد لصقه على الأوراق. وأعتقد أن لغتي لم تكتمل بعد، وأجد في كل عمل أكتبه انزياحاً أكثر نحو البحث عن فضاء لغوي أكثر قرباً مما أريد التعبير عنه.

? ألا يعيق هذا حوار النص، وصله، مع المباشر واليومي من جهة؛ ووصله مع القارئ من جهة أخرى؟
? ربما، لكن الكتابة أساساً خروج عن العادي، توثيق بعيد عن الثرثرة المعتادة في التخاطب اليومي، وأيضاً في جانب آخر لعبة الكتابة تدور بينك والأوراق أولاً، تقذف حجر النرد الأسود على الأوراق، وتنظر حركة الورقة، وتتابع اللعبة إلى أن يعلن الفائز منكما، أنت أو الأوراق. ونادراً ما يربح الكاتب هذه اللعبة فيلعب مجدداً أملاً في الفوز. بعدها تشعر أنك بحاجة لشهود في هذه اللعبة، شهود وقضاة ومحامون ومدانون أيضاً، فتلجأ إلى الآخرين. فتلقي أوراق لعبتك بين أعينهم، وتنتظر أن يقروا ألعابك ويحكموا عليها. وكلما تمتّع الآخرون بطريقة لعبك كلّما أريتهم المزيد. ومن جانب ثالث أنت لست موظفاً عند القراء لتكتب بالطريقة التي يريدونها، أو المواضيع التي ترضيهم. والاعتماد على الذائقة النمطية للقارئ يفقد الكتابة الكثير من بهجتها في إثارة القارئ ودفعه إلى مناطق غير مألوفة في الحبكة واللغة والفهم. لا أدعو هنا إلى التغريب الدائم، ولكن إلى البحث عن اللغة الأكثر تعبيراً، بعيداً عن أي حسابات ترضي المتلقي وتعيق تدفقك على الأوراق. ومن جانب رابع يعتقد البعض أن القراء يعانون نقص مهارة في جانب اللغة، وأن القارئ العادي لا يستطيع الوصول إلى قصدية الكاتب إلا باستخدام الكاتب مفردات يومية متداولة. أيضاً وفي خط مواز للسؤال يمكن القول إن التركيز الجيد في اليومي الحياتي والعادي يقودنا إلى فضاءات غير مدركة وأكثر تعقيداً وهي التي دفعت الإنسان للتفكير والكتابة في محاولة لفهمها، لذا نحن بحاجة أكثر لفهم ماهية الحياتي العادي والخروج من الفهم الضيق للكلمة.

? تكتب القصة، الرواية، السيناريو والنص المسرحي. هل يمكن القول إن نصك يتشكّل عبر هذه الأشكال عامة، أم أن لكل جنس أدبي وجهته؟
? أنا أعتقد أن التصنيف اللغوي للأشكال الأدبية لا يعني عزلها عن بعضها البعض، أو أن ما تصلح مادته كقصة لا تصلح كنص مسرحي أو شعر. لذا فكل فكرة صالحة للتدوير كقصيدة أو قصة أو مسرحية، والفروق هي في طريقة أعداد القالب الذي سيحوي الفكرة. وأعتقد أن بالإمكان مزج كل الأشكال الأدبية من شعر وسرد ودراما مسرحية في نص واحد متكامل، وأقرب مَثل لهذا هو الملاحم القديمة الكبرى التي تجمع الشعر بالحكاية بالدراما بالمسرح. وأنا لا أسعي لهذا المزج، لكن أسوقه كمثال لما يمكن أن تلعبه اللغة والإمكانيات التي تتوافر للكاتب. وعندما أكتب النص كقصة أو رواية أو كنص مسرحي ما يوجهني هو قدرتي على الإمساك الجيد بالفكرة، ومقدار الجهد والوقت الذي يمكنني بذله في مطاردة الفكرة. فالرواية أو النص المسرحي يحتاج (نظرياً على الأقل) إلى فكرة ووقت وجهد أكبر وأطول.

? حصلت إحدى روايتك على جائزة مجلة “دبي الثقافية”. كيف تنظر إلى أهمية الجوائز للكاتب؟
? هناك أكثر من وجهة يمكن النظر منها إلى الجوائز. فالبعض يعتبر الجوائز امتداداً تاريخياً لعطايا السلاطين التي كانوا يغدقون بها الشعراء والظرفاء في العصور السابقة. والبعض يعتبرها ضرورة لاستمرار الكثيرين في الكتابة، وبسببها تزداد الإصدارات الأدبية كونها تدفع العديدين إلى الكتابة ونشر أعمالهم سواء ربحوا أو خسروا، ومن دونها سيفقد الأدب العديد من الكتابات الجيدة، فالكاتب حساس تجاه تقدير الآخرين لما يبدعه، وبحاجة دوماً لمن يقدره معنوياً ومادياً أيضاً. وهناك رأي يقف بين فكرة تدجين الكتّاب وتشجيعهم، فيرون أن الجوائز العربية مهمة لكنها تمتلئ بالسوء، ولا تمنح في كثير من الأحيان إلى مستحقيها، ويرجعون باللائمة في هذا على لجان التحكيم.
وبالنسبة لي ـ على الأقل في هذه المرحلة ـ الجوائز لعبة تشبه مباريات كرة القدم، عليك أن تستمتع إذا شاركت فيها، وتقدم أفضل ما لديك، وفي الوقت نفسه لا تعتبر خروجك مهزوماً منها نهاية العالم حتى ولو تحامل عليك الحكام. الجوائز وطرق التحكيم فيها جزء من النسيج العربي الذي يجب أن تتعايش معه. خصوصاً وأنك قد تجد نفسك مشاركاً في إحدى الجوائز بناءً على ترشيح آخرين لك. لذا يجب وضع الجوائز في حجمها الحقيقي.

اقرأ أيضا