الاتحاد

الملحق الثقافي

رؤية إنسانية لعالم يتجاذبه الخير والشر·· ومنظور جديد للعلاقة بين الشرق والغرب

بهاء طاهر خلال حفل تسليمه الجائزة

بهاء طاهر خلال حفل تسليمه الجائزة

في روايته المعنونة ''واحة الغروب'' التي فازت قبل أيام بجائزة البوكر العربية، يعود بهاء طاهر إلى الماضي، مصر بداية القرن التاسع عشر ومستهل الاستعمار الانجليزي بعد تقهقر ثورة عرابي، بما شاب ذلك من خيانات من قبل بعض بعض اتباعه· في تلك الفترة من التاريخ، يفترض الروائي شخصياته الرئيسية مستحضراً شخصية المأمور محمود عبد الظاهر من شخصية حقيقية عاشت في تلك الفترة، هي المأمور محمود عزمي الذي ورد ذكره باختصار في احد المصادر التاريخية على صيغة خبر يشير إلى قيامه بتفجير معبد آمون الثاني عام 1897 في واحة سيوة، ليبني من حجره بيتا له ويستخدم ما تبقى في بناء سلم مركز الشرطة· من خبر صغير كهذا ينطلق بهاء طاهر ليبني رواية تجاوزت الثلاثمائة صفحة يمثل فيها المأمور أدواراً مزدوجة بين مضطهد ومضطهد ـ بالكسر والفتح ـ في علاقات تتراوح أطرافها بين الاستعمار البريطاني والغرب عموماً، السلطة المركزية المصرية في القاهرة ، وأهالي واحة سيوة المنطقة التي لم تكن قد أصبحت بعد جزءاً من مصر كما هي عليه الآن· تسيطر على الواحة قبيلتان يطلق عليهما تسمية الحي الغربي والحي الشرقي، وقد أرسل المأمور محمود من قبل السلطة المركزية في القاهرة ليضبط النظام في المنطقة التي تمردت على السلطة برفضها دفع الضرائب العالية· تضع هذه الحقيقة المأمور أمام حقيقة مرة، هو القادم من مدينة محتلة غزاها الانجليز بعد اندحار الثورة الوطنية، فكيف يمكن للمرء أن يحمل فكرتين متناقضين معاً، إنه يرغب في تحرر بلاده من المستعمر لكنه يمثله في الوقت نفسه سلطة تضطهد مجموعة بشرية أخرى·
استحضار التاريخ
إن استعادة التاريخ واستحضاره لا يكون مجانياً في هذا النوع من الروايات وإلا تحول النص إلى مرجع تاريخي بارد لا أكثر· وبهاء طاهر في هذه الرواية يجيد النبش في تفاصيل الماضي ليحاكم الحاضر وما آل اليه· يصيغ كل ذلك من خلال شخصيات مدروسة في دلالات حضورها·
زوجة المأمور بريطانية من أصل ايرلندي، لها اهتمامات في الاثار وعلى وجه الخصوص بحثها الدؤوب عن قبر الاسكندر الأكبر الذي تقول الدراسات التاريخية القديمة إنه قد يكون مدفوناً في الواحة· وكاثرين هي أيضاً تحمل شيئاً من التناقض الموجود في شخصية زوجها، فهي في الأساس من أصول تعود إلى ايرلندا المستعمرة من قبل الانجليز وتعيش الآن في بلد تحت سيطرتهم، تستعير منهم عين الغربي الذي لا يرى في الآخر إلا ما هو سياحي تاريخي ومصدر للمعلومات فقط· لكن بهاء طاهر لا يقع في مطبات غيره من الكتاب، فلا يعمم موقف الغرب من الشرق ولا موقف الشرقيين منه· ليس كل الغربيين طامعين في الشرق ولا كل الشرقيين أخيار· لقد اخترع شخصية فيونا توأم كاثرين ليمرر جانباً من هذه المقولة· فيونا تحمل لهذا الشرق وداً ومشاعر طيبة تركز في الأساس على العلاقة مع أهالي الواحة، وقد نجحت في أن تصادق بعضاً من أهلها منذ رافقتهم في القافلة القادمة من الاسكندرية· ولأن فيونا ضعيفة الصحة فقد جاءت تلتمس العلاج الطبيعي من شمس المنطقة وحكمة شيخها يحيى العليم بالطبابة المعتمدة على الأعشاب· إنها الخط الأضعف في هذا الغرب وهي تمثل مجموعاته ذات الحس الإنساني، وهذا سبب انشداد محمود لها فوجد نفسه يعشقها بصمت في لحظة انفصامه النفسي عن كاثرين التي ترمز إلى الغرب غير القادر على فهم الشرق المعاصر، وفتح حوار مع أهله· ويتجسد ذلك على وجه الخصوص في مشهد ذي دلالة معبرة، عندما تلجأ إليها الشابة مليكة متلمسة صداقة وعلاقة إنسانية مختلفة عن علاقاتاتها مع أهل الواحة، هي المنبوذة من قبلهم بسبب أفكارها المنفتحة المغايرة لجمودهم· تعتقد كاثرين بسبب عدم فهمها للشرق وأهله، أن الفتاة تنشد علاقة شاذة معها غير منتبهة إلى حقيقة أن الشرقي يستخدم اللغة الجسدية، مثل اللمس، ليعبر عن نفسه وأفكاره· ويقودها سوء الفهم هذا إلى طرد مليكة من البيت بطريقة صاخبة تلفت انتباه الجوار وتؤدي إلى انتحار الفتاة، أو قتلها، لا ندري، درءاً للفضيحة· وكأن بالغرب يخذل الخط المتنور في الشرق، ويتركه يندحر· إن كان بهاء طاهر قد تناول من خلال روايته السابقة ''الحب في المنفى'' العلاقة بين المثقفين والتيارات الايدلوجية في المنطقة العربية ''قومية/ يسارية'' عشية انهيار المنظومة الاشتراكية وجدار الايديولوجيات المتصارعة أوائل التسعينات من القرن الماضي، فإنه يهجس هنا بموقف المثقف ابن الطبقة المتوسطة من قضايا بلاده وعلاقته بالسلطة واتباعها، وعلاقته بالغرب أيضاً· وما إقدام المأمور محمود على تفجير المعبد وتفجير نفسه - داخل الرواية- إلا إشارة إلى التطرف الذي قد يقوده موقف الغرب ونظرته إلى الشرق· كأنه يقول: إن كان هذا هو أساس العلاقة بيننا، السياحي الغرائبي وكل ما يتعلق بالاثار والتاريخ القديم، فلينته الآن· إنها صفعة في وجه كاثرين الملحاحة في معرفة أسرار الحجر بدلاً من البشر، لقد أهداها زوجها بتفجير المعبد الذي تهجس به نهاية تراجيدية مستوحاة من الموروث اليوناني الذي تعشقه· والتفجير صفعة أيضاً في وجه مساعده المصري سليل المماليك خادم الاستعمار، وفي وجه أهل الواحة الذين يجدون في تلك المعابد والاثار أرضاً خصبة للسحر والغيبيات· إنه نسف يرمز إلى قطيعة مشتهاة مع كل الأسس القائمة·
سرد هادئ
تتسم الرواية بأسلوب سرد هادئ وبسيط يحيك الأحداث ويتقدم بها من غير انقلابات مفاجئة، ما عدا النهاية ربما، ولتلك وظيفتها كما أسلفنا· إيقاع النص الروائي يسير ببطء يقارب الحياة في الواحة وإيقاع قوافل الجمال وبطء الزمن الذي يمر على أهلها· تحت تأثير ذلك الايقاع، يترك بهاء طاهر شخصياته تتأمل ماضيها وعلاقاتها، محاولة الانسحاب من حاضر لا تتوافق معه، كل بطريقتها· على هذا الإيقاع تسير الرواية فلا تتكشف تماماً إلا في النهاية، كواحة خضراء بعد مسار لأيام في الصحراء· رواية ''واحة الغروب'' نص أدبي مضاد لليقين المطلق والحقيقة المطلقة، قام سردها على تعددية الأصوات التي تمنح الخطاب زوايا رؤية مختلفة عادلة: محمود وكاثرين، ثم الشيخ يحيى والشيخ صابر من أهل الواحة، وأيضاً صوت الأسكندر الأكبر في توسيع لحدود الزمن والمكان وهو يراجع الماضي ببؤرة عدس واسعة· وقد يتمنى القارئ لو منحت مليكة صوتاً ولو لمرة واحدة تعبر فيه عن دواخلها وهي المرأة التي تحاول أن تغير من واقعها المحاصر بقوانين اجتماعية جامدة أوصلتها إلى الموت بسبب رغبتها في الاختلاف· لكن غياب صوتها قد يكون مقصوداً وذا دلالة في الرواية التي لم تورد أي حوار على لسان امرأة داخل الواحة· زمن الرواية قام أيضاً على تعدد المستويات بين الحاضر والماضي في تطلع إلى مستقبل بشروط مختلفة·
''واحة الغروب'' متن روائي كلاسيكي متنوع جدد خطابه الروائي من داخله، في سبر للعلاقة بين الشرق والغرب وبين الطبقات بعضها بعضاً وبين الشريحة المثقفة وبقية المجتمع· على ذلك، يصعب تلخيص ''واحة الغروب'' بمقال واحد فهي من الروايات التي تملك رؤية للعالم ولا يمر أي من تفاصيلها بسهولة ومجانية· وهي ليست بالعمل الذي يقرأ مرة واحدة، فالإشارت الواضحة أو المتضمنة تملك الكثير لتقوله في حال هذا الشرق والعالم والبشر، من خلال خطاب روائي اشتغل عليه الروائي بهاء طاهر ثلاث سنوات واستحقت بعد كل ذلك الجهد، فوزها بجائزة البوكر العربية·

اقرأ أيضا