الاتحاد

دنيا

منال محمود: جائزة أبوظبي كرمتني وأسعدت أهلي

كان والدها يحلم بأن يصبح جميع أولاده أطباء، كل في اختصاص معين، ليؤسس لهم مستشفى متكاملاً تديره العائلة، لكن الظروف حالت بينه وبين تحقيق أمنيته، واستطاع أن يبث في نفوسهم القوة والتحدي والمغامرة لتخطي الصعاب وخلق التميز، هذا ما قالته منال محمود حمد، الفائزة بجائزة أبوظبي في دورتها الخامسة، حيث تفتخر بوالدها الذي تعتبره قدوة لها في التحدي والصبر والتميز، وهو ملهمها في حياتها الشخصية والعملية.

يحمل وجهها ابتسامة رضا وسعادة، لم تكن تحلم بأية تكريم أو جائزة عندما بدأت مشوارها العملي، فقط كان ذلك ينبع من أعماقها، حين قررت مساعدة الطلبة على الخلق والإبداع والتوعية. بدأت ولم تكن تعرف أين ستوصلها خطواتها، فعملت بجد وتميز لتحصد العديد من شهادات التقدير والشكر من مختلف الجهات، حيث فاقت هذه الشهادات أكثر من 70 شهادة، لم تتوقف عن الدراسة والتحصيل، ودخول الدورات لصقل مهاراتها، أبدعت فكرمت، ولم يكن ذلك من فراغ.

دراسة وتفوق

تتحدث منال محمود حمد عن دراستها وتقول: حصلت على شهادة بكالوريوس علوم تخصص ميكروبيولوجي، كما حصلت على ماجستير تخصص علم نفس تربوي تعلم وتعليم، قدمت إلى الإمارات سنة 1994 وفي سنة 2000 عملت بمدرسة حكومية في العين، وبعدها انتقلت إلى المنطقة الغربية في مدينة زايد للعمل في مدرسة الخمائل النموذجية، حصلت على عدة ألقاب وتميزت في مجال التدريس، وحزت إثر ذلك لقب المعلمة النموذجية المتميزة للعام الدراسي 2007 - 2008م، وهو لقب ترعاه مدرسة الآفاق النموذجية ومجلس أبوظبي للتعليم، كما نلت عدة جوائز أخرى كبيرة في معناها بالنسبة لي، وعملت في مركز للفائقين والموهوبين في مدينة زايد كان مقره مدرسة الخمائل النموذجية. ومن بين أعمالي التي أفتخر بها، تقول منال: ترجمت جزءين من كتاب Science book وتصميم مجلتين علميتين، الأولى بعنوان «الهواء»، والثانية بعنوان الضوء، وقد رفدت المجلتين بمعلومات من الإنترنت، وقمت بتوزيعهما على الطالبات، وزودت الموجه الأول بنسخة منها، كذلك مديرة المدرسة والتوجيه الفني، أيضاً صممت مجلة بيئية تحتوي على الأنشطة البيئية المنفذة في المدرسة، وقمت بتوزيعها على الطالبات، إضافة إلى مجلة «صوموا تصحوا»، بمناسبة شهر رمضان، احتوت على القصص المصورة، والمعلومات العلمية، ومسابقات تكشف عن التفكير الإبداعي، وأهمية التفكير بالمقلوب، وكنت قد صممت ووزعت مجلة عزيزتي فتاة المستقبل بمناسبة شهر رمضان 2005 – 2006 وقد تناولت فيها السلوكيات بطريقة محببة وجذابة، مع تطعيم المجلة بالمسابقات العلمية التي تدعو للتفكير بطريقة علمية، أيضاً صممت ونفذت العديد من النشرات في عدة مناسبات تخدم عملي كمعلمة علوم، أو كرئيسة لفريق استشارات، كما لخصت كتاباً مترجماً، وعرضته بطريقة «البوربوينت»، وهو بعنوان «تعليم مهارات التفكير للمعلمين والمتعلمين وأولياء الأمور». وقد قمت بتوزيعه على بعض المدارس النموذجية في أبوظبي، وقدمته إلى إدارة المدرسة والتوجيه والمنطقة الغربية التعليمية، وإلى بعض الأمهات والمعلمات، كما قدمته إلى المكتبة الإلكترونية في المدرسة باعتباري عضوة فيها، وفي هذا الإطار صممت ثلاثة أقراص مدمجة للطالبات بالعناوين التالية «كيف تستخدمين رأسك؟» و»كيف تصنعين قرارا؟» و»كيف تحلين مشكلة؟» هذه الأقراص تهتم بمهارات التفكير، وقد قمت بنقلها عن سلسلة لدار الفكر، وتوزيعها على مدارس المنطقة التعليمية، وعلى إحدى المدارس النموذجية في أبوظبي، بالإضافة إلى كثير من الأعمال الأخرى.

أبحاث ودراسات علمية

من الأعمال المهمة والتي تتميز بها في محيط المدرسة، والتي نبعت من اهتماماتها الكبرى في مجال البيئة تتحدث منال: أنجزت دراسة علمية عن نفايات مطعم المدرسة من وجبة الفطور، وخرجت بتوصيات قدمت لإدارة المدرسة تم تنفيذها، وكان يوم نجاح الدراسة آخر يوم لاستخدام الأكياس البلاستيكية في المدرسة، وذلك من خلال مهرجان بيئي تحولت فيه الأكياس البلاستيكية أزهاراً تم وضعها على جذع شجرة في المدرسة كرمز للحفاظ على البيئة، وقدمت العديد من المقترحات للهيئات الحكومية كهيئة الكهرباء والماء في ما يختص بالحفاظ على الطاقة، وترشيد استهلاك الكهرباء والماء، وفي سياق مواز، قدمت دراسة عن كيفية إزالة قلق الامتحان عند الطالبات لمدة عامين دراسيين، وقد نجحت التجربة بعد تطبيقها على الطالبات أثناء الامتحانات، كما قدمت العديد من المقترحات التي أخذت بعين الاعتبار، بل حققت نجاحاً باهراً.

الأنامل الخضراء

تتحدث منال محمود عن سبب اهتمامها بالمجال البيئي، فتقول: ما لفت انتباهي عند إقامتي في دولة الإمارات اهتمام المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بالبيئة، مما أشعل جذوة الحماس لدي نحو العمل البيئي، وبدأت الأفكار تتوارد إلى ذهني عن كيفية حماية البيئة بشكل غير تقليدي، فبدأت أبحث وأقرأ عن القضايا البيئية، ودخلت المواقع الخاصة بهيئة الأمم المتحدة، وبدأت أراسل الهيئات الدولية المختلفة، مثل اليونيسيف، وأعلن لهم رغبتي في الانخراط بالعمل التطوعي، خاصة في مجال البيئة ومجال الطفل. كما قمت بتشكيل جماعة الأنامل الخضراء التي تم اختيار المساهمات فيها تبعاً لميولهن نحو العمل البيئي، وكان عدد الجماعة غير محدد، فيمكن لكل من ترغب الانضمام إلى الجماعة بناء على استمارة خاصة تم تصميمها بعد تأسيس النادي البيئي في مدرسة الخمائل، التي تعتبر أول مدرسة في المنطقة الغربية، حصلت على دعم هيئة البيئة في أبوظبي لتأسيسها.
وكان اختيار مواضيع المشاريع العلمية يرتبط بالقضايا البيئية التي تطرحها هيئة الأمم المتحدة، حتى يكون العمل موحداً وقوياً، كما كانت المشاريع العلمية والبيئية تعتمد على نتائج استطلاعات الرأي والاستبانات في التخطيط للمشروع، الذي يعتمد على محاور رئيسية.

وتضيف منال متحدثة عن طرائق عملها: يبدأ المشروع بقراءة مستفيضة عن الموضوع المستهدف، ومن ثم تعقد اجتماعات مع المعنيين بالأمر، حيث يتم التركيز على ضرورة إيصال المعلومة أو الفكرة للمتلقي في أبهى صورة بدلا من الصورة التقليدية، لذا كانت المعلومة أو القضية تغلف بأسلوب قريب من النفس والقلب حتى يقتنع بها العديد من شرائح المجتمع، فطريقة التقديم تختلف باختلاف الفئات العمرية ونوعها، كنت أتنقل بأساليب مبتكرة بين أسلوب المطويات والملصقات والبوسترات واللوحات الإعلانية، والمسابقات، والمسيرات وورش العمل، والأبحاث التطبيقية، والمناظرات والتصوير والرحلات الميدانية، وتمثيل الأدوار والتعلم عن طريق اللعب والرسم، وتنفيذ المجسمات والبرامج التعليمية المبرمجة، والندوات. فالتسويق للأفكار البيئية يحتاج إلى الابتكار والإبداع في طريقة التنفيذ.

الطلبة هم محور التعليم وليس المعلم

الكل يتحدث عن طرق تعليم منال في المدرسة، وإقبال الطالبات بكل حب وشغف على المادة التي تدرسها، مما أدى بها إلى اختلاق أفكار أخرى للتميز في مجال توصيل المعلومة والتعليم.
وعن ذلك تقول: وجدت أن ما ينقصنا في مدارسنا هو ممارسة أساليب البحث العلمي التي يتميز بها الغرب، وتحسين قدرة الطالبات على استخدام اللغة الإنجليزية في تعلم العلوم من مواقع الإنترنت أو المجلات العلمية، لذلك اتجهت أولا نحو تعريف الطالبات باستراتيجيات المذاكرة والمراجعة، ثم نحو تعريفهن بالطريقة العلمية، وتنفيذ موحدات مشتركة بين مادة العلوم واللغة الإنجليزية، من خلال مشاريع صيفية كنت أقدمها للطالبات بعد انتهاء العام الدراسي، ولتوسيع مدارك الطالبات العلمية وإشباع فضولهن نحو مادة العلوم، قمت بترجمة وطباعة وتوزيع مجلات علمية بالاستعانة بمصادر مختلفة كالمجلات العلمية والإنترنت، فتجاوبن معها بشكل كبير، وكذلك وجدت الطالبات يتجاوبن مع كل تعليم وتعلم يكون محوره الطالبة نفسها وليس المعلم، وكذلك وجدت حب الطالبات ورغبتهن للإبداع في المجالات البيئية والعلمية، متى وجدن الدعم والتوجيه من المعلم، وفجأة وجدت نفسي أنفذ الحصص الدراسية والإذاعات الصباحية، وورش العمل والمحاضرات بأسلوب عملي تطبيقي، واعتمد كثيرا في التعليم على التعلم باللعب وتمثيل الأدوار، لتسهيل فهم المفاهيم والمصطلحات العلمية مثل الاحتباس الحراري، وفرز النفايات، البناء الضوئي دورة النيتروجين والسلاسل الغذائية وغيرها، فعندما أرغب بتوصيل المعلومة بطريقة مشوقة أجد نفسي أتجه نحو تفكيك مكونات المصطلح العلمي إلى مكوناته الأساسية، التي تبين معناه، وكيفية حدوثه بمعرفة أسبابه ونتائجه وآثاره وكيفية علاج ما يصيبه من خلل بسبب الإنسان.

محكمة المدرسة

من الأساليب التعليمية في مجال البيئة في رحاب المدرسة تقول منال محمود: وضعت قانوناً للمدرسة شاركت الطالبات في وضع تفاصيله، من العقاب والثواب بعد استخدام أساليب مبتكرة للاستبانات، أو أساليب التقييم، مثل القانون الخاص بالعبث في الماء، فإذا عبثت الطالبة بالماء، عقابها أن تكتب لوحة فيها آية أو حديث عن أهمية الماء، تعلقها في المدرسة، وتشرحها للطالبات في الصف، وتعتذر عن العبث في الماء. وكذلك الطالبة المتميزة تقوم بتحفيزها بإعطائها لقب مثل ملكة النظافة، أو سفيرة الأخلاق، أميرة الماء. وتوجد محكمة في المدرسة من الطالبات تتكون من القاضية ومساعدتين ومحامي دفاع ومحام، ويستخدمن القانون في محاكمة السلوك السلبي ومكافأة السلوك الإيجابي.

ترجمة من أجل التعليم

تتحدث منال محمود عن إنجازاتها، وتقول: أعتبر من أوائل العرب الذين قاموا بالترجمة في موضوع التعليم من أجل الفهم الذي قامت جامعة هارفارد بوضع الإطار العام له ضمن مشروع – «صفر Zero-Project «، من أجل تحسين التعليم وجعل المتعلم في صلب العملية التعليمية، منادية باحترام اختلاف طرق تعلم الفرد في مراحل حياته المختلفة، واحترام اختلاف طريقة الأفراد في النظر إلى العالم، وكيفية تعبيرهم عن أفكارهم، كما قمت بوضع استراتيجية خاصة للتعليم عن طريق الفهم، وقمت كذلك بدراسة أثر هذه الاستراتيجية على دافعية الطلبة نحو التعلم ومهارات التفكير العملي.
وقد راسلت الدكتور روبرت ستيرنبيرج في جامعة يال الأميركية، وعملت مع فريقه، وخاصة الدكتور عبدالله الجميعان، عميد كلية الطالبات في الإحساء، في تعديل اختبار ستيرنبيرج للتفكير العملي، لذا أدعو المسؤولين عن التعليم إلى الاهتمام باستخدام استراتيجية التعليم من أجل الفهم، والاهتمام بالتفكير العملي والناقد والأكاديمي على حد سواء، وبقياس مهارات التفكير العملي عند الطلبة.

قوة إيمان

تستمد منال محمود قوتها من تعاليم الدين الإسلامي، وتحفز الطالبات اعتماداً على تلك التعاليم أيضاً، وتقول: أعتبر العمل في مجال التوعية البيئية تطوعا وصدقة وقربى أتقرب بها إلى الله تعالى، كان والداي من أهم الأسباب التي دفعتني للبدء والاستمرار في العمل البيئي، كنت أستمد التشجيع المستمر منهما، فطالما دفعاني للاستمرار وعدم الشعور بالإحباط في المصاعب، يذكرانني بالله وأهمية العمل بإخلاص وإتقان، بغض النظر عن أي منغصات، انتقل أثري إلى أسرتي وإخوتي وأخواتي وأسرهم وأطفالهم، مما شكل لي دافعاً كبيراً على أهمية الرسالة التي أقوم بإيصالها، كانت المدرسة أحد الداعمين للجهود المبذولة في المجال البيئي، ولا أنسى هنا دعم أولياء الأمور من الأمهات اللواتي كن يشجعن بناتهن ويعملون يدا بيد معهن، ويشركن أسرهن في بعض الأحيان في اهتماماتهن البيئية الذي أدى إلى الانخراط الحقيقي بالأنشطة البيئية، وهذا الانخراط والتشجيع قدم الدعم المعنوي الحقيقي بأهمية الاستمرار في تحقيق رسالة العمل البيئي، ومن المشكلات البيئية التي قمت بمعالجتها ما يلي: التدخين السلبي، ترشيد استهلاك الماء والكهرباء، النظافة وفرز النفايات وتقليلها وإعادة استخدامها وتدويرها، وكذلك البصمة البيئية، وكانت المشاريع على مدى السنوات الماضية تحمل عناوين مختلفة لتواكب الشعار السنوي لهيئة الأمم المتحدة وهيئة البيئة أبوظبي.
المواطنة العالمية

بابتسامة عريضة تملأ وجهها تتحدث منال محمود عن تكريمها بجائزة أبوظبي، وتقول: هي جائزة كبيرة جدا في معناها، وأعتبرها قد خرجت عن نطاق المحلية إلى العالمية، فهي تمثل بحق مثالاً حياً على «المواطنة العالمية»، فالفائزون من دول مختلفة يوحدهم العمل تحت مظلة الخير بلا حدود، فيكرمون في دولة الإمارات من قبل الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، الذي يتقن فن التعامل مع الشخصيات، ويعرف كيف يميز المتميزين، ويزيده تواضعه رفعة ويعزز مكانته في قلوب الناس، فشكراً له لأنَّ المسافة التي تفصلنا عنه تمنعه من الوصول إلينا، فنجح في اكتشافنا وتكريمنا، عرف كيف يصل إلى قلوبنا بيسر وسهولة بعطفه وتواضعه وتحفيزه، لذا فالجائزة ليست تشريفاً فقط، بل هي تكليف للاستمرار في دروب الخير، فرسالة التطوع في المجال البيئي، وزرع القيم البيئية بطرق إبداعية إيجابية، هي ضرورة لنحصد سلوكا إيجابيا، كما أن الجائزة بالنسبة لي تكريم على عطائي المتواصل في مجال العمل البيئي وغيره من الأعمال الأخرى، هي تتويج لمجهوداتي وأعاهد الناس والقادة على الاستمرار، وتحفزني الجائزة على البحث في كل الاتجاهات للتميز أكثر، وعندما نادوا على اسمي يوم التكريم رأيت الدموع في عيون والدي، وهذا يوم لن أنساه ما حييت، فهذا فخر لكل العائلة.

اقرأ أيضا