الاتحاد

الملحق الثقافي

أبوظبي تحت ضوء التاريخ

بالحدود الزمنية أو الجغرافية أو الحسية لا يعترف علم الآثار... ففي كل لحظة تنبعث شواهد تدفع الحياة في اتجاهات جديدة وتدفع الآثاري الى أن يغوص في أبعادها، أن يحدّثها، يستنطقها مستزيداً فتلبي وتعطيه المزيد. وكلما تعمق أكثر عثر على جديد يشده إلى الأبعد ويأخذه إلى أغوار سحيقة ملأى بالألغاز التي تحتاج الى فك والرموز التي تتطلب تحليلاً يقود إلى حلها، ومع ذلك غالباً ما يعود عطشاناً تواقاً الى معرفة أخرى رغم سلاله المعرفية الملأى... تلك هي بكلمات موجزة جداً حكاية علماء الآثار والباحثين في دلالات اللقى مع باطن الأرض التي لن تكف عن مفاجأتهم بأسرارها ووعودها لفهم سيرة الإنسان فوق أديمها.

قبل أن تميط الأرض العربية اللثام عن ماضيها القديم وتفتح نوافذ تاريخها الحضاري، كان الاعتقاد السائد لدى العلماء والبحاثة أن الحضارة نبعت من الغرب حيث ظهرت في بلاد اليونان والرومان ومنها انتقلت إلى أرجاء المعمورة، ولما باحت هذه الأرض بما في جوفها من كنوز، تغيرت المسلمات القديمة هاته، وأخذ خط سير الحضارة الإنسانية يتضح شيئاً فشيئاً مع اكتشاف مئات المواقع الأثرية المهمة في أرجاء الوطن العربي من مشرقه إلى مغربه، وبات معروفاً أن الحضارة الإنسانية انبعثت من المشرق العربي القديم حيث تمت القفزات الحضارية النوعية والمفصلية في تاريخ البشرية كمعرفة الزراعة وتدجين الحيوانات واكتشاف الفخار والغزل فضلاً عن إقامة المدن الأولى في بلاد الشام والرافدين. وفي الإمارات انضمت جهود التنقيب عن الآثار إلى شقيقاتها لتضيف إسهامها الخاص على هذا الصعيد، ولتعلن عن حالة أثرية شديدة الثراء كما يقول معظم المشتغلين في هذا الحقل، وكما أثبتت البحوث الأثرية ونتائج التنقيبات المختلفة.

استفاقة الحجر
يأتي هذا الاستذكار لعلاقة أبوظبي مع نفسها واستبطانها لذاتها لمناسبة معرض “فجر التاريخ: الكشف عن ماضي أبوظبي القديم” الذي تنظمه هيئة أبوظبي للثقافة والتراث تحت رعاية سمو الشيخ طحنون بن محمد آل نهيان ممثل الحاكم في المنطقة الشرقية في الفترة من 2 فبراير ويستمر لمدة ثلاثة شهور في قلعة الجاهلي بمدينة العين، بالتعاون مع متحف موسغارد الدانمركي الذي كان أول جهة تنقب عن الآثار في أبوظبي.
كلنا، تقريباً، نعرف قصة أبوظبي مع عصور التاريخ القديمة، تلك العلاقة التي شهدت وتشهد على انبثاق فجر التاريخ على هذه الأرض، التي ظلت صامتة دهوراً وأزمنة إلى أن قيض لها الله أن تحكي وتبوح بما في أحشائها من مكنونات، وأن تعلن عن كنوزها ودفائنها التي ساهمت في إضاءة حقب تاريخية مهمة.
كانت المنطقة مكاناً منسياً ومهملاً، ثم صارت مكاناً ضد النسيان، وأيضا ذاكرة ضد النسيان، ولم تعد بفضل الاكتشافات الآثارية والحفر الآركيولوجي في أعماقها مجرد صحراء جرداء لا تملك سوى حطاماً متناثراً من المعلومات.
كثيرة هي قصص التاريخ في ذلك البعيد الإماراتي العتيق كما الحجر والبرونز والنحاس والحديد... كثيرة هي الحكايا التي تنطوي عليها مطمورات المدافن في المدن القديمة والعصور الغائرة في بطون التاريخ... وأكثر منها تلك اللقى التي تتلألأ بين طبقات الجيولوجيا لتبرق أبوظبي مثل ماسة عريقة تحت ضوء التاريخ.
بدأت تلك الحكاية في خمسينيات القرن المنصرم، وفي عام 1958 على وجه التحديد، حين حضرت أول بعثة آثارية دانمركية مكونة من 34 آثارياً دنماركياً من متحف موسغارد (الذي سيفتتح في 2013 مبنى ضخما وجديدا للمعارض في الدانمارك، يضم قسما بأكمله مخصصا للتاريخ المبكر والثقافة في منطقة الخليج العربي) بقيادة بي. في. غلوب و تي. جي. بيبي للتنقيب عن الآثار في أبوظبي. وفي ذلك الوقت شحنت جميع المكتشفات إلى المتحف في أرهوس ليجري حفظها وتسجيلها ودراستها، ثم أعيدت إلى أبوظبي بعد افتتاح المتحف الوطني في العين عام 1971.
وقد وفرت الحفريات التي أجريت بين عامي 1959 و1961 اللمحات الأولى حول عصر يعود إلى ما بين 4 آلاف إلى 5 آلاف عام، حين كان هذا الجزء من شبه الجزيرة العربية مركز الحضارة الحية والغنية التي أدارت إنتاج وتوزيع كميات هائلة من النحاس إلى العالم القديم. وسميت هذه الحضارة على اسم الجزيرة: حضارة أم النار، حيث تم استخراج الكثير من القطع الأثرية التي تدلل على أهمية الوحدة داخل العشيرة أو القبيلة.
لقد نام الحجر قروناً طويلة قبل أن يستفيق في الستينيات من القرن الماضي ليقول لنا إن الإمارات في غابر الأزمان لم تكن صحراء، وأن الأحافير التي تم اكتشافها في المنطقة الغربية من إمارة أبوظبي والتي تعود الى حيوانات فقارية، تشير الى بيئة مختلفة تماماً عن البيئة الحالية. يثبت ذلك العثور على عظام فيلة وزراف وفرس النهر وتماسيح وسلاحف وغيرها من الحيوانات اللبونة التي يقدر عمرها بأكثر من ستة ملايين سنة، وكذلك اكتشاف بقايا نهر دارس في نفس المنطقة، وأن هذه كلها مظاهر للحياة الطبيعية فيها سبقت النشاط الإنساني بعدة ملايين من السنين.

العصر الحجري
فتحت أبوظبي كتاب حضارتها لتعرض المكتشفات الأثرية التي لعبت دوراً هاماً في ترجمة الماضي الخفي الى كتاب ملموس، وها هي عبر المعرض تروي فصول إرثها الثقافي الغني الذي يبرز تواصلها الحضاري القديم مع الحضارات القديمة. وفي هذا الكتاب نقرأ ثلاث عصور قديمة هي: العصر الحجري والعصر البرونزي والعصر الحديدي.
يتألف العصر الحجري من: العصر الحجري القديم والعصر الحجري الوسيط والعصر الحجري الحديث. أما العصر الحجري القديم فتدلل عليه مشغولات حجرية اكتشفت في جبل الفاية قد تكون تجاوزت في عمرها المليون سنة وذلك استناداً على شكلها وأسلوب صناعتها.
وأما فترة العصر الحجري القديم الوسيط فتؤشر عليه أدوات تم اكتشافها في جبل براكة في أبوظبي بالمنطقة الغربية ومنطقة فاية وفيلي في الشارقة. فيما تدلل الأدوات الحجرية المصنوعة من حجر الصوان بإتقان والمتمثلة برؤوس السهام والمقاشط والشظايا وأنصال السكاكين والمثاقب وأنواع متعددة من الخرز وأدوات الزينة الأخرى على العصر الحجري الحديث الذي يتميز بوجود مستوطنات سكانية، مارس فيها الإنسان حياة الاستقرار والبداوة في آن واحد، وتطلبت حياة البداوة البحث عن الغذاء اللازم وممارسة الصيد وجمع النباتات وغيرها من ضرورات الحياة. أما حياة الاستقرار فقد تمت على السواحل وفي الجزر، وفي بعض المناطق الداخلية مورست مهنة الرعي.
وقد أسفرت نتائج الفحص بواسطة طريقة الكاربون المشع (كاربون 14) عن أقدم دليل لوجود الإنسان في هذا العصر يعود بتاريخه الى الألف السادس قبل الميلاد (أي قبل ما يزيد على سبعة آلاف عام)، ومن أهم مواقع هذا العصر موقع أم الزمول في أبوظبي وموقع دلما ويمثل مستوطنة للصيد حيث عثر فيها على فخاريات مستوردة من وادي الرافدين من طراز فخار العبيد، وجزيرة مروح حيث تم اكتشاف أقدم بناء معروف في دولة الإمارات العربية المتحدة. وموقع جبل البحيص الذي ضم مقبرة واسعة وبقايا استيطان موسمي لرعاة متنقلين يأتون بصورة منتظمة خلال فصل الربيع. ولقد دلت عادات الدفن في هذا الموقع على مراعاة الأسلاف في موقع الدفن المخصص لهم. وكذلك دل على وجود بعض العقائد التي تتضمن دوراً مهماً للشمس وبالإضافة الى الهياكل العظمية تم العثور على العديد من عظام الحيوانات والأدوات الحجرية الصوانية. وهناك موقع جزيرة عكاب بأم القيوين حيث تم فيه اكتشاف كميات كبيرة من عظام بقر البحر (الأطوم) ومجموعة مهمة من الخرز الطويل الشكل الفريد في نوعه في فترة الألف الرابع قبل الميلاد. وفي رأس الخيمة وعلى مقربة من الجزيرة الحمراء عثر على كسر فخارية من النوع المعروف بفخار العبيد وعلى خرز وثقالات الشباك وأدوات صوانية. ولعل أكثر المواقع شيوعاً في هذا العصر هي تلال الأصداف المنتشرة على طول ساحل الإمارات من رأس الخيمة في الشمال الشرقي وحتى منطقة السلع غرباً بامتداد ستمائة كيلومتر.

العصر البرونزي
يعرف العصر البرونزي عند الآثاريين ثلاث فترات هي: فترة حفيت وتمثلت بدايته في الإمارات بحضارة حقبة جبل حفيت نسبة الى المدافن التي عثر عليها في جبل حفيت بالقرب من مدينة العين في المنطقة الشرقية لإمارة أبوظبي. ويشير أكثر من باحث الى أن هذه الفترة غاية في الأهمية حيث اكتشف اكثر من 500 مدفن موزعة على مناطق مختلفة. وقد بدأ التنقيب في حفيت على يد البعثة الدانماركية في عام 1962 والتي قدمت وصفاً شاملاً لهذه المدافن وشكلها وتقسيمها. ورغم هذا الحجم من المدافن إلا أن هناك اعتقادا لدى المتخصصين بأن ما عثر عليه قليل جداً، حيث وجد عدد قليل من أوان فخارية صغيرة مستوردة من بلاد ما بين النهرين. وتتميز هذه الأواني بأن بعضها مزين برسومات هندسية وتوريقية وهي من النوع الذي يطلق عليه فخار جمدت نصر، والذي يرجع تاريخه الى نهاية الألف الرابع قبل الميلاد.
كما عثر أيضاً على بعض الخرز الذي ترجع أصوله لبلاد الرافدين. ومن المواقع التي ترجع الى هذه الفترة الحضارية موقع قرن بنت سعود شمالي العين وثمة دلائل كثيرة تشهد على انتشار آثار فترة حفيت على رقعة واسعة شملت الإمارات الشمالية والشرقية. ويركز الآثاريون على أن طابع هذه المدافن محلي، وأنها حوت بعضاً من المكتشفات المستوردة من بلاد الرافدين داخل هذه المدافن مما يعطينا دليلاً حضارياً على العلاقة الحضارية والتجارية التي كانت قائمة ما بين البلدين خلال هذه الفترة.
أما الفترة الثانية فهي فترة أم النار، وذلك نسبة الى جزيرة أم النار التي اكتشفت فيها آثار هذه الحضارة في 2700- 2000 ق. م. وأم النار هي جزيرة صغيرة تقع في الجهة الجنوبية الشرقية من جزيرة أبوظبي وتبعد حوالي عشرة كيلومترات جنوب شرق مدينة أبوظبي. وهي الموقع الرئيس الذي يمثل التاريخ القديم لدولة الإمارات في حقبة النصف الثاني من الألف الثالث قبل الميلاد، ويتداولها الآثاريون بشكل واسع، وسنفرد لها موضوعاً مستقلاً لأهميتها في عدد لاحق.
وتعتبر أم النار أول موقع أثري يتم فيه التنقيب على مستوى أبوظبي والإمارات. وقد أثبتت الدراسات التي تمت حتى الآن أن هذه الحضارة امتدت حوالي سبعة قرون (2700 – 2000 ق. م). وتقول عمائرها الجنائزية ومستوطناتها السكنية ذات المباني البرجية أنها كانت على درجة جيدة من الازدهار، كما يشي تنوع آثارها بعلاقاتها التجارية الواسعة وتفاعلها مع الحضارات الأخرى لمنطقة الشرق القديم.
وتنتشر مدافن أم النار في أماكن متعددة في الإمارات منها الهيلي والعين في أبوظبي، ومليحة في الشارقة، وشمل في راس الخيمة، والمويهات في عجمان، والصفوح في دبي، لكن أهم مستوطناتها وأكثرها شهرة هو مدفن هيلي الكبير في مدينة العين ويبلغ قطره حوالى 12 متراً ويصل ارتفاعه الى أربعة أمتار أو أكثر وبه مدخلان تم تزيينهما ببعض النقوش. ومن يرى مدافن الهيلي يدرك أن هذه لمسة إماراتية لا بد أن تؤخذ بالاعتبار، خصوصاً أن الإماراتيين القدماء كانوا على ما يبدو يصنعون أشياءهم وأدوات حياتهم كما في الأسطورة.

العصر الحديدي
في الفترة من 1300 وحتى 300 قبل الميلاد شهدت جميع مناطق الإمارات حضارة العصر الحديدي، ويفسر علماء الآثار هذا الانتشار بابتكار نظام الفلج وهو أحد أنظمة الري القديمة المتطورة، وينقسم العصر الحديدي إلى ثلاثة مراحل:
? فترة الحديد الأول من 1300 ق. م الى 1100 ق. م ويمثل المرحلة الانتقالية من فترة وادي سوق.
? فترة الحديد الثاني من 1100 ق. م الى 600 ق.م.
? فترة الحديد الثالث من 600 ق. م الى 300 ق.م.
ويمثل موقع الرميلة جنوبي غرب منطقة الهيلي الأثرية أقدم قرى العصر الحديدي المكتشفة، ولا يزال ارتفاع جدرانها البالغ مترين بعد أن طمرتها الكثبان الرملية واضحاً. وتشير مكتشفات الرميلة الى أن السكان فيها قد اشتغلوا في تعدين النحاس أسوة بما كان يجري في مناطق أخرى في ذلك العصر. ومن مستوطنات العصر الحديدي الهامة: مستوطنة الهيلي 2 التي تم اكتشاف عدد كبير من البيوت المتجاورة المبنية باللبن والطين فيها وتم أيضاً العثور على جرار تخزين كبيرة الحجم ولقى صغيرة وبعض الأواني الحجرية، ومستوطنة قرن بنت سعود والتي ثبت استخدام الأفلاج فيها كنظام للري مثلما تأكد كذلك في مستوطنة الثقيبة في الشارقة. ومن السمات البارزة التي ميزت حضارة عصر الحديد بناء الحصون في المناطق الجبلية.

ما قبل الآثار
يشير الباحث الآثاري البروفسور أندرو هيل إلى ورود تقارير عن حيوانات فقارية أحفورية قديمة في أبوظبي منذ بدايات العام 1946 في سجلات شركات النفط، ويؤكد أنه لم يتم التعامل مع هذه التقارير بشكل مكثف وشامل إلا في أواخر فترة الثمانينات من القرن الماضي عندما ظهرت نتائج دراسات أثرية في العام 1983 عن الجاربية وذلك من خلال أعمال وايبرو وهيل وياسين. كما تم مؤخراً جداً تجديد هذه الدراسات على يد بيبي وهيل وبيتش وياسين العاملين بالاشتراك مع هيئة أبوظبي للثقافة والتراث. وأظهر هذا البحث مناظر طبيعية وبيئات مناخية مختلفة تماماً عن تلك الموجودة في المنطقة حالياً. فقد عاشت في هذه المنطقة آنذاك أنواع كثيرة من الحيوانات بما في ذلك الفيل وفرس النهر والظبي والخنزير والقرد والقوارض والحيوانات آكلة اللحوم الصغيرة والكبيرة والنعام والسلاحف والزواحف والسمك. وبالرغم من وجود أدلة على أن الظروف الصحراوية كانت سائدة آنذاك كما هي الآن، إلا أن هذه المخلوقات بقيت بفضل نظام نهري كبير جداً يتدفق ببطء عبر المنطقة نمت على طوله النباتات بما في ذلك الأشجار الكبيرة. تشبه هذه الحيوانات تلك الحيوانات التي كانت معروفة في أفريقيا قبل 6-8 ملايين سنة. كما يوجد نقاط تشابه مع الأصناف الآسيوية والأوروبية العائدة لتلك الفترة.
وتعتبر العينات الموجودة في أبوظبي الأحافير الفقارية الوحيدة المعروفة في كامل المنطقة العربية التي تعود إلى 17 مليون سنة تقريباً والعصر الحديث الأقرب. إن هذه الحيوانات هامة جداً لأنها تشكل نافذة على الحياة على سطح الأرض والبيئات العربية في الفترات الواصلة بين المناطق البيوجغرافية الرئيسية الثلاث للعالم القديم وهي الإثيوبية (أفريقيا) والبلاركتيك (أوروبا وشمال آسيا) والشرقية (جنوب وجنوب شرق آسيا) وذلك عندما بدأت حيوانات العالم القديم تأخذ شكلها الحديث.

ما تحت الأرض
حجارة ناطقة باسم القلب... هكذا يمكن توصيف مطمورات أبوظبي الآثارية التي تنفض الغبار عن تاريخها لتبوح بأن سكان الإمارات العربية المتحدة الأوائل اتصلوا ببلاد ما بين النهرين فيما يسمى بفترة العُبيد (حوالي 6000 – 4000 ق. م)، كما اتصلوا بها أيضاً في الفترة المعروفة باسم جمدت نصر (حوالي 3000 ق. م)، وليكشف لنا عن موقع الإمارات في نظام التجارة عبر القارات الذي ضم فيما ضم بلاد ما بين النهرين، ومنطقة الخليج، وإيران، وآسيا الوسطى ووادي السند في نهاية الألف الثالث قبل الميلاد، ومعلومات أخرى كثيرة يمكنها أن تضيء التاريخ الإنساني.
الآن، ازدهرت عمليات التنقيب وإعادة قراءة الحجر وخفاياه وما يستكن فيه من معطيات تشكل احتياطي تاريخي لا يقل أهمية عن احتياطي النفط، وربما يحتاج استخراجه واستكمال قراءته إلى سنوات وسنوات. إذن نحن أمام ورشة ثقافية بامتياز لا تتقصى فقط حضور الإمارات في التاريخ بل تعلن رغبتها في أن تصبح بوابة حوار ثقافي تعددي يقرأ التاريخ البشري في وجوهه كافة، قراءة تقصي النظرة الأحادية وتفتح منفذا للضوء لكي يمر.
بقايا ولقى وكسر وعظام وقطع فخارية ومدافن وسهام وحلي و... و... تطل في أكثر من مكان لتضيء الطريق للعابرين في التاريخ. ودون أن يتوقف الأمر عند هذا الحد، ثمة ما يشير إلى أن بعض الدفائن باحت بأسرارها وبعضها ما زال ينتظر.


تحرس الموروث الحضاري وتوثقه وتحميه
هيئة أبوظبي للثقافة والتراث.. سياج التاريخ





تتبنى هيئة أبوظبي للثقافة والتراث رؤية شاملة للثقافة تضم التراث المادي وغير المادي على حد سواء، وتسخّر جميع مواردها للحفاظ على الأصول المعمارية والأثرية، وحماية التراث الثقافي المادي في إمارة أبوظبي وإدارته وتطويره بما في ذلك المواقع الأثرية والثقافية والمباني التاريخية والمقتنيات الأثرية والمخطوطات، ودعم الأبحاث والتعاون المؤسساتي بهدف التشجيع على فهم أفضل لثقافة وتراث أبوظبي والإمارات والعالم العربي.
وفي هذا السياق تعمل الهيئة على إنجاز مشروع شامل لإعداد الخرائط لكافة مواقع البقايا الحيوانية المتحجرة في أبوظبي، حيث تنتشر غالبية هذه المواقع على طول امتداد المنطقة الغربية. إضافة لتكثيف جهود توثيق المواقع الأثرية المنتشرة في مناطق واسعة من أبوظبي، وذلك من أجل حصرها وتسجيلها في قاعدة بيانات خاصة. وقد وثقت الهيئة في مطبوعاتها الرسمية ومشاركاتها الخارجية في المحافل الثقافية الدولية، أهم معالم التراث المادي في دولة الإمارات (أكثر من 1200 موقع أثري تمتد من عام 3000 قبل الميلاد إلى فترة الجاهلية المتأخرة قبل ظهور الإسلام، وأكثر من 100 مبنى تاريخي يرجع تاريخ بعضها إلى 300 عام خلت)، فضلا عن ثروة حقيقية من المعلومات والصور عن المناطق الثقافية المهمة.
ومنذ تأسيسها باشرت هيئة أبوظبي للثقافة والتراث خلال عامي 2006
و2007، حملة مسح وتحرٍ بحثاً عن مواقع الأحافير في المنطقة الغربية من إمارة أبوظبي وتقييم الأماكن التي تم العثور فيها على المكتشفات من قبل، والتي ترجع إلى عصر المايوسين الحديث قبل 6 إلى 8 ملايين سنة، وذلك استمراراً للأعمال السابقة التي تمت بالتعاون مع متحف التاريخ الطبيعي في لندن وجامعة ييل في الولايات المتحدة الأميركية، والتي قادت إلى اكتشاف عدد كبير من تلك المواقع على امتداد الساحل الغربي لإمارة أبوظبي موزعة بين جبل براكة في الغرب وطريف في الشرق، والتي أثبتت أن الجزيرة العربية تمتعت بأنهار ومروج خضراء قبل عدة ملايين من السنين.
كما أجرت الهيئة منذ عام 2006 عملية مسح وإسبارات في منطقة الهيلي بمدينة العين بحثاً عن مخلفات أثرية من العصر البرونزي والعصر الحديدي والعصر الإسلامي. وتعود منطقة الهيلي إلى الألف الثالث قبل الميلاد، وتعتبر أكبر مجمع أثري موجود في دولة الإمارات من العصر البرونزي، وتضم مواقع كثيرة غنية بالمعالم الآثرية لم تُعرف بأكملها بعد.
وفي يونيو 2007 اكتشف موقع أثري في السلع عمره أكثر من 7000 سنة، وعثر فيه على ثلاثة رؤوس سهام ذات صناعة متقنة، تعود في أصلها إلى موقع أحد الصيادين الكائن على أحد الجبال المطلة على سبخة مطي. وفي نوفمبر 2008 تمّ إجراء عملية مسح مكثفة دامت أسبوعين لمدافن جبل حفيت الأثرية، كانت نتيجتها تثبيت 122 مدفناً، واشتملت عملية التوثيق تسجيل إحداثية كل مدفن على حدة بوساطة استعمال جهاز GPS، ثم قياس قطر وارتفاع كل مدفن من تلك المدافن مع ذكر حالة كل واحد منها، وتثبيت المنقب وغير المنقب منها، كما حرص الفريق على تصوير جميع هذه المدافن التي تؤرخ للمرحلة المبكرة من العصر البرونزي. وكان الاعتقاد السائد لدى الآثاريين أن تاريخ أبوظبي القديم يعود إلى العصر الحجري الحديث أي 7500 عام ق. م. لكن اكتشاف موقعين أثريين جديدين في فبراير 2008 في المنطقة الغربية يرجعان إلى العصر الحجري القديم الأوسط، غير هذا الافتراض ودفع بتاريخ أبوظبي القديم إلى أكثر من 150 ألف عام.
وفي يناير 2009 تم العثور على جرة فخارية مُزججة، وعلى بعض الكُسر الفخارية التي تعود إلى الفترة الإسلامية المتأخـرة ضمن طبقات فلج قديم يعود إلى نفس الحقبة الزمنية، بالإضافة إلى كُسر أخرى تعود إلى فترة حضارة أم النار وُجدت في طبقات التربة التي تعلو الفلج. أما بالنسبة إلى الجرة الفخارية المُزججة فهي من الشكل الذي يطلق عليه علمياً (أمفورا) حيث تعود إلى الفترة الهلنستية التي تم فيها تمازج الثقافة الإغريقية بحضارة الشرق إثر احتلال الإسكندر المقدوني لمناطق عديدة من الشرق القديم.
وأعلنت الهيئة في يناير 2010، عن اكتشافات جديدة هي عبارة عن متحجرات تضم جمجمتين كاملتين لتماسيح ضخمة كانت تعيش في المنطقة التي كان ينساب فيها نهر قبل نحو 8 ملايين سنة. ونظراً لأهميتها الاستثنائية على الصعد العالمية والإقليمية والمحلية باعتبارها الأمثلة الوحيدة للمتحجرات تتواصل الجهود الحثيثة للقيام بحماية هذه المواقع وحفظها من الأخطار المختلفة بالتنسيق مع بلدية المنطقة الغربية ومجلس التخطيط العمراني. وذلك باستكمال إنشاء الأسيجة الواقية حولها، حيث إن هذا العمل يشكل جزءاً من استراتيجية هيئة أبوظبي للثقافة والتراث للحفاظ على المناطق الأثرية المهمة في أبوظبي. وفي يناير 2011 أعلنت الهيئة عن اكتشاف عدد من الأحافير الهامة في المنطقة الغربية منها: فك علوي لفرس نهر في موقع المطلعيات، وطبعات أحفورية لعدة حيوانات من ضمنها الفيل في موقعي بدع المطاوعة ومليسه، وسوف تُساعد هذه المكتشفات الجديدة في رسم تصوّر للعلاقة بين تلك الأحافير مع نظائرها المُكتشفة في أفريقيا وشبه الجزيرة الهندية، كما أنّ هذه الأدلة الأحفورية والجيولوجية الموجودة في المنطقة الغربية تؤكد مُجدداً على وجود نهر يمر في المنطقة ضمن بيئة تحتوي على الغابات والمراعي وتتنوع بها الحياة الحيوانية (الثدييات والزواحف والرخويات والطيور).
وجاءت هذه الاكتشافات الجديدة في إطار اتفاقية التعاون العلمي بين هيئة أبوظبي للثقافة والتراث وجامعة ييل بالولايات المتحدة، حيث تم تنفيذ الموسم البحثي المشترك للعام 2010-2011 ، وشملت المسوحات الأثرية مواقع متعددة بالمنطقة الغربية من إمارة أبوظبي، وذلك للكشف عن الأحافير والمتحجرات التي تعود إلى حقبة العصر المايوسيني.

اقرأ أيضا