الإمارات

الاتحاد

البراجيل·· أبراج التهوية القديمة تنشر الهواء البارد وتشيع دفء المشاعر


وام - من شيخة الغاوي :
بدا مشهد انتشار البراجيل 'أبراج التهوية القديمة أو ملاقف الهواء' الآن في الإمارات فوق ناطحات السحاب والفلل الحديثة غريباً وسط إيقاع الحياة العصرية السريع وزيادة استخدام المكيفات الصناعية التي تعددت وتنوعت أشكالها وأحجامها وأصبحت تعطي أفضل النتائج في مجال التهوية والتبريد·
وزاد المشهد غرابة أن كبرى شركات الإنشاء العاملة في الدولة استحضرت التراث المعماري الأصيل بقوة من خلال المشاريع العملاقة التي تنفذها فظهرت أحياء كاملة من الفلل الحديثة تستخدم عناصر تصميم تقليدية مثل البراجيل وارتفعت ناطحات سحاب عملاقة واجهاتها من الزجاج الذي يعكس أشعة الشمس الحارقة تنتصب فوق زواياها الأربع البراجيل التقليدية·
ويعكس هذا رقيا تراثيا في البناء ويسهم في المحافظة على الإرث المعماري المحلي كون هذه المشاريع العقارية تحافظ على الطراز المعماري التراثي العربي والإسلامي وتستلهم تصاميمها من وحي التراث وعبق التاريخ وتعكس روعة فن العمارة المحلية القديمة خاصة فيما يتعلق بالبراجيل·
وارجع المواطن جمعة حميد خلفان البالغ من العمر 80 عاما في حديث مع وكالة أنباء الإمارات بناء البراجيل الآن في وقت انتفت الحاجة إليها إلى عشق جيل اليوم للآباء والأجداد ولكل ما صنعوه أو لفخرهم بابتكارات ورؤى الماضي الخلاقة في ذلك الوقت وربما من باب الفطرة الإنسانية وحب العودة للماضي دوما·
وقال إن انتشار البراجيل في مناطق الإمارات المختلفة يعتبر نسبياً ويعود إلى حوالي مائتي عام نظراً لأنها توجد على مباني الأجداد فقط ولم يكن لها ظهور على الحصون الأثرية والأبراج القديمة المنتشرة على أرض الدولة·
واضاف ' حاولنا توفير مسكن مناسب لنا قبل اكتشاف النفط يقينا حرارة الجو وطوعنا العمارة وأضفنا لها حلولا مبتكرة مثل البراجيل للاستفادة من مواد الإنشاء المتوافرة واستغللنا الرياح من أجل تلطيف الحرارة داخل منازلنا·
' وعن أثر طقس المنطقة في الطابع الحضاري للمنازل قديماً قال ان المباني الصيفية كانت عادة ذات نوافذ من الجهات الأربع للاستفادة من حركة الهواء داخل المبنى منوها إلى أن المنازل الصيفية تنقسم إلى نوعين النوع الأول البيوت المبنية من الجص 'الصاروج' والحصى وتسمى بالدهاريز ومعظم هذا النوع يحتوي على براجيل أما النوع الثاني فهي منازل سعف النخيل وتسمى العريش ومعظمها يحتوي أيضاً على البراجيل المصنوعة من سعف النخيل الذي يغطى باليواني ثم استبدل بالشراع والكتان المناسب لطبيعة هذه البيوت·
وعن بيوت الشتاء اوضح انها كانت ذات جدران سميكة مبنية من الجص والحصى وتسمى المخازن ولا تسمح بدخول الهواء البارد إلى قاطنيها وتتميز بالفتحات الصغيرة المرتفعة 'المصابيح' التي تحتفظ بأكبر كمية ممكنة من الهواء الدافئ في الداخل وتسمح في الوقت نفسه بتجدد الهواء الفاسد داخل المبنى وطرده إلى الخارج عن طريق دخول الهواء الجديد من أبواب المنزل مشيراً إلى نوع آخر من البيوت الشتوية عبارة عن خيام تبنى من سعف النخيل المرصوص الذي يمنع دخول الهواء البارد داخل الخيمة مما يجعلها تحتفظ بالهواء الدافئ داخلها لفترة طويلة من الزمن·
وذكر المواطن جمعة حميد خلفان أن البراجيل نوعان هما براجيل المباني 'الجص والحصى' وبراجيل العريش مشيراً إلى أن الأهالي عرفوا براجيل الجص أولاً والتي زاد انتشارها في بداية القرن الماضي عندما انتعشت التجارة ووصل التجار والصناع المهرة من المناطق المجاورة واستقروا في إمارة دبي التي ما زال بها عدد كبير من البراجيل حتى يومنا هذا خاصة في منطقة الشندغة والبستكية والفهيدي وتعتبر براجيل بيت الشيخ سعيد من أفضل النماذج الموجودة في المنطقة ثم انتشرت إلى الإمارات الأخرى ومازال بعضها موجوداً في الشارقة مثل بيت النابودة وبيت خالد بن إبراهيم في فريج المريجة وبيت محمد جاسم المسماري·
موضحا ان البراجيل تمثل بالنسبة لجيلنا معالم من الماضي كانت بالنسبة لنا أجهزة تكييف طبيعية تعمل بالفطرة وقوة الرياح على مدار 24 ساعة·
وذكر المواطن جمعة حميد خلفان أن بناء البارجيل يستغرق من شهر إلى شهر ونصف الشهر ويقوم ببنائه في العادة أستاذ 'بناء' ومعه مساعدان على فترات متباعدة لأنهم يبنون دورا أو دورين من الجص ثم يتوقفون عن العمل حتى يجف الجص لكي يتحمل الأدوار الجديدة فوقه مشيراً إلى أن عمال البراجيل كانوا يأتون من جزيرة لنجه ويتقاضى البناء حوالي روبية وربع الروبية في اليوم بينما تبلغ أجرة المساعد حوالي نصفها·
وأوضح أنه لا يمكن استخدام البراجيل الجصية في الدكاكين 'المحال التجارية' من أجل تحقيق أكبر درجة أمان لها منوها إلى أن تجار ذلك الزمن ابتكروا أسلوبا أخر للتهوية من أجل راحة الزبائن سمي المهاف 'ستارة من القماش تشبه السجادة' تثبت رأسية وسط المحل التجاري ويقوم عامل متفرغ لهذا العمل بتحريكها إلى الأمام والخلف فيتجه الهواء نحو البائع تارة وتارة أخرى نحو الزبائن·
وختم حديثه قائلا ' هذا حالنا في الماضي عكس حال اليوم الناس تعيش في التكييف المنعش 24 ساعة تتسوق في المولات المكيفة وانتشرت الأبراج ذات الطابع المعماري الحديث وتم استخدام الخرسانة المسلحة والحديد والزجاج الملون الذي يعكس أشعة الشمس الحارة صيفا ويمتصها أيام الشتاء من أجل زيادة الدفء وتم الاعتماد على الطاقة الكهربائية وزاد استخدام تكييف الهواء كعنصر أساسي أثناء الحل والترحال وما كان جيلنا يتخيل أن يركب السيارات الفارهة التي يتم التحكم في تكييفها' وتحدث المواطن حميد على مانع عن مدى معاناة أهالي المنطقة قديما قائلا ' امتهنت عمل براجيل العريش بكل حرفية واقتدار منذ كان عمري 15 عاما مقابل مردود مادي زهيد حوالي 15 روبية لكل بارجيل إلا أنها تعتبر في ذلك الوقت نعمة وفضلا من الله·
وان عمل بارجيل العريش كان يستغرق يومين واضاف أن المواطن في ذلك الوقت كان يشيد مسكنه بنفسه أيام البرد القارس أو الحر اللافح فكانت اليد العاملة المواطنة نشيطة ومبدعة آنذاك رغم قلة الموارد والإمكانيات البسيطة·
وفيما يتعلق بكيفية عمل براجيل العريش قديما قال ان المواد الإنشائية اللازمة لبنائها تتكون من مربع 'الأخشاب' والدعن 'حصير يصنع من السعف يحضرها الأهالي من الباطنة' واليواني 'الأكياس الفارغة أو الطرابيل' والحبال وبعد تثبيت أربعة مرابيع في الأرض نرفعها إلى الأعلى حوالي عشرين قدما يكون جزء منها فوق سطح المنزل بينما متوسط عرض البارجيل يكون حوالي ستة أو سبعة أذرع وبعد الانتهاء من الهيكل الخشبي وشده بأحكام يتم كساء الجزء العلوي البارز فوق سطح البيت بالدعون وتشد عليها اليواني ويتم تثبيتها بالحبال ويكون الشكل النهائي له مطابق تماما لبارجيل الجص ويعمل بنفس الطريقة·
واضاف 'لا شك أن ابتكار البراجيل كان رحمة ونعمة من الله سبحانه وتعالى للناس في ذلك الوقت حيث كانت نوافذنا المشرعة على الطبيعة ونتنفس منها النسيم البارد·
' وأوضح المواطن حميد على مانع أن وسط العريش يكون في العادة جلسة 'مكان الجلوس' لأهل البيت أو الضيوف وإذا بني البارجيل في هذا المكان فإن قواعده المدفونة في الأرض سوف تعترض الجلسة وتضايق الحاضرين فتعارف الأهالي على أن طرف أو جانب العريش هو الأنسب لبناء البارجيل حتى لا تختل مساحة البيوت ويستفيدون منها كاملة من ناحية اخرى من يفضل الجلوس في تيار الهواء المباشر يجلس في زاوية العريش قرب البارجيل ومن لا يقوى على تيار الهواء المباشر ابتعد وجلس وسط العريش·
وأشار إلى أن براجيل العريش تبنى مع بداية فصل الصيف وتبقى مرتفعة فوق المنازل طيلة أيام الصيف بحره اللافح نظرا لحاجة الناس إليها ومع بداية فصل الشتاء يتم نزع الحبال واليواني وإنزال الدعون ثم تطوى مع اليواني وتلف مع بعضها وتحفظ للصيف القادم بينما تبقى المرابيع مرزوة 'مدفونة' للصيف القادم معللا ذلك بأنه إذا تركت خلال فصل الشتاء كما هي سيتحول البارجيل من نعمة إلى نقمة على أهل البيت نظرا لهبوب الرياح القوية التي تصطدم بالبارجيل فتدخل بقوة أكبر من قوتها الطبيعية داخل البيت وتؤدي إلى إتلاف اليواني والدعون وربما المنزل·
واختتم المواطن حميد على مانع حديثه قائلا 'على الرغم من أن براجيل العريش كانت مكيفاتنا المؤقتة إلا أن وجودها ضروري في كل منزل خلال فترة الصيف·

اقرأ أيضا

خط ساخن موحد لحماية الأطفال في دبي