ثقافة

الاتحاد

نهيان بن مبارك لـ «الاتحاد»: نخطط لتأسيس «التحالف العالمي للتسامح»

نهيان بن مبارك

نهيان بن مبارك

فاطمة عطفة (أبوظبي)

أكد معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التسامح أن دولة الإمارات تقدم للعالم نموذجاً رائعاً في التسامح والتعايش بين الحضارات والأديان والثقافات، وأن هذا النموذج يمكن تعميمه في العالم، وشدّد على المكانة الإقليمية والعالمية المهمة التي تتمتع بها الإمارات الرائدة في تجربتها الثقافية والتنموية، وفي نهجها الحكيم القائم على التسامح والتعايش وضرورة الحوار مع الآخر، وبناء علاقات الصداقة الدائمة والشراكات الإقليمية والعالمية الساعية إلى إرساء سبل السلام في العالم، وقال معاليه في حوار خصَّ به «الاتحاد» إن وراء هذه المكانة المهمة والاحترام الدولي المشهود الذي تتمتع به دولتنا الغالية تكمن حكمة القيادة الرشيدة، ورؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة الواعية للعلاقة مع الآخر، تلك الرؤية التي توازن بين الحفاظ على الهوية والانفتاح على العالم، وكشف معاليه عن أن وزارة التسامح لديها خطط لتأسيس «التحالف العالمي للتسامح»، واعتبر معاليه أن مهرجان «هاي أبوظبي» الذي ينطلق اليوم بمنارة السعديات، حدث عالمي رفيع المستوى يعكس أهمية الإمارات ودورها المحوري في العالم، وأن من شأن إقامته في أبوظبي، عاصمة العقول الحرة والفكر المستنير، أن يقدم الحضارة العربية للمجتمع والعالم في أجمل صورها.. كما تحدث معاليه عن كل ما يتعلق بالمهرجان، ودلالات احتضان العاصمة أبوظبي لفعالياته، وما يمكن لهذه النخبة من مثقفي العالم أن تقدمه، والآثار المترتبة على استضافته... هنا نص الحوار:

* ما هي في رأيكم أهم أهداف تنظيم مهرجان هاي أبوظبي في هذا الوقت، خاصة أن العالم يعاني من مشكلات وصراعات متعددة؟
** هذا سؤال مهم للغاية، وفي الإجابة عنه تفاصيل كثيرة ينبغي التطرق لها، أولاً: مهرجان هاي أبوظبي هو حدث فكري وثقافي وفني على مستوى عالمي رفيع، يعكس في محتواه ونوعية المشاركين والمتحدثين فيه، محورية مدينة أبوظبي، التي تنبع من كونها عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة، هذه الدولة الرائدة، التي بلغت مكانة مرموقة في المنطقة والعالم، وأصبحت معروفة بقدراتها الفائقة، على تنظيم أكثر الفعاليات والمشروعات عظمة وإبهاراً، بل وأصبحت كذلك، دولة مهمة، تقوم عاصمتها أبوظبي بدور ثقافي وفكري وفني رائد، في العالم كله. وكما تعلمين، فإن هذه المكانة المهمة لأبوظبي في المنطقة والعالم هي انعكاس للرؤية الإقليمية والعالمية الواعية لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، أعزه الله، والتي تجمع بين الحفاظ على الهوية الوطنية، والانفتاح الذكي على العالم. إننا نعتز غاية الاعتزاز بدعم سموه للمهرجان، الذي يشكل قوة دفع هائلة للحدث، نظراً لما يعرف عن سموه من اهتمام بالغ بالثقافة والفكر والآداب والفنون.
ثانياً: إن مهرجان هاي أبوظبي، وبانعقاده هنا في عاصمة الدولة، وتركيزه في كافة فعالياته على الثقافة والآداب والفنون العربية، لا شك سوف يسهم في تقديم الحضارة العربية للمجتمع والعالم، في أجمل صورها، فالمهرجان يمثل منبراً مهماً للاستماع إلى المفكرين العرب، ولعرض الإنتاج الفكري والفني العربي في صورته الشاملة، لأنه يركز على الثقافة والفكر بالدرجة الأولى، بصرف النظر عن جنسية المفكر أو الفنان، ومن هنا، يشارك فيه مختصون ومهتمون وممارسون في مختلف جوانب الثقافة العربية، سواء كانوا عرباً أو سواهم، من جميع أنحاء العالم.. والهدف من ذلك كله هو إطلاق النظرة إلى المستقبل والإسهام في إحداث تطور حقيقي في واقع ومستقبل الثقافة والفكر والفنون في الوطن العربي.
وفي هذه المناسبة، أؤكد أن مهرجان هاي أبوظبي هو ملتقى مجتمعي وثقافي، عربي الموضوع، عالمي الإسهامات، متنوع المشاركات، يستطيع أي شخص أن يشارك فيه، دونما تفرقة أو تمييز.. وهو منصّة للحرية الفكرية، والقيم الإنسانية، وبث الأمل في المستقبل، ويلتزم في كافة فعالياته بالمعايير العالمية الرفيعة.
ثالثاً: بما أن وزارة التسامح هي المسؤولة عن تنظيم مهرجان هاي أبوظبي، فإن أهداف التسامح والأخوة الإنسانية، والحوار والتلاقي بين الحضارات والثقافات، هي موضع تركيز خاص في فعاليات المهرجان، وهناك اهتمام كبير بالنموذج الرائع للتسامح، الذي أرساه مؤسس الدولة العظيم، المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وهو الذي جعل من الإمارات نموذجاً فريداً، في التقدم والتنمية، وفي التعايش والتسامح، وفي الاستقرار والرخاء. ويتجلى هذا الاهتمام في ثلاثة عناصر هي: «التعارف» مصداقاً لقوله تعالى: «وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا»، و«الحوار الصادق» تعبيراً عن مقولة مؤسس الدولة، من أن الحوار الصادق مع أتباع الثقافات المتنوعة، من شأنه إيجاد عالم أفضل، أكثر سلاماً، وأكثر رخاءً واستقراراً، لما فيه مصلحة الجميع، و«الأخوة الإنسانية» انطلاقاً من وثيقة أبوظبي للأخوة الإنسانية، التي تمثل إطاراً رائعاً للعمل المشترك بين الأفراد والمؤسسات من خلفيات وثقافات مختلفة من أجل تحقيق الخير للجميع، وفي العالم كله.
دعيني أقول لك هنا، إن التفكير الإيجابي الذي نسعى إلى تأكيده في «هاي أبوظبي»، هو ركن أساسي في المسيرة الناجحة للدولة، وهو تعبير أكيد عن الاعتزاز بالحاضر، والتفاؤل بالمستقبل، والسعادة في الحياة.
بهذا كله، أرجو أن يتأكد لدى القراء الأعزاء، أن مهرجان هاي أبوظبي، سوف يكون، بعون الله، مجالا لتنمية طاقات الثقة والاعتزاز والولاء للوطن والأمة لدى الجميع، وإنارة الطريق لهم، للمشاركة الكاملة في مسيرة الوطن والعالم، والأخذ بمنهج الوسطية في الفكر والسلوك، والسعي الدائم والمخلص، لمواجهة كافة التحديات الإقليمية والعالمية، بذكاء واقتدار.

نهيان بن مبارك مع الشاعر العربي أدونيس (أرشيفية)

النموذج الإماراتي
* بما أن هذا الحدث الضخم يقام تحت مظلة وزارة التسامح، ويرفع التسامح شعاراً ومحتوىً للمهرجان، كيف يمكن نشر قيم المحبة والتسامح والاحترام المتبادل بين الشعوب في العالم؟
** نحن في الإمارات، كما تعلمين، حريصون كل الحرص على التعاون مع جميع دول العالم، ومع جميع الهيئات والمنظمات الدولية المهتمة بنشر التسامح في العالم. وهذا التعاون يأخذ أشكالا متعددة، منها على سبيل المثال، تنظيم المهرجانات المشتركة، والاشتراك في المؤتمرات العالمية، والتواصل مع الشخصيات الدولية المؤثرة، وتبادل الأفكار والتجارب معهم، بالإضافة لتنفيذ مشاريع مشتركة عبر الحدود لدعم قيم التسامح والتعايش، وكذلك تعزيز دور الجاليات المقيمة في الدولة، في بناء العلاقات والشراكات الدولية المفيدة، إلى جانب جعل الأنشطة الثقافية والرياضية وسائل للتعارف والتواصل مع العالم. لدينا خطط لتأسيس «التحالف العالمي للتسامح» لتشجيع التعاون الدولي في مجال التسامح والتعايش السلمي. نحن في الإمارات كذلك، نقوم دائماً بعرض تجربتنا الناجحة أمام العالم، كما أننا حريصون في الوقت نفسه، على التعرف على التجارب الناجحة في البلاد الأخرى، وإنه لما يدعو للتفاؤل حقاً، أننا نجد استجابة طيبة، على مستوى العالم كله، لكافة هذه الأفكار والمبادرات.

ثراء وحرية
* هذا الحضور العالمي لكبار الكُتاب والمفكرين، من مجالات تخصص متنوعة، وحقول إبداعية شتى، يعتبر فرصة مثالية لمناقشة قضايا العالم المعاصر، ما هي أهم القضايا التي ستطرح على طاولة النقاش في جلسات الحوار المتنوعة؟ وكيف تقرؤون آثارها الثقافية على أجيال المستقبل؟
** يتيح مهرجان هاي أبوظبي فرصة استثنائية لعرض ومناقشة بعض جوانب الواقع الثقافي والفني العربي، هناك على سبيل المثال جلسة بعنوان مستقبل الأدب في العالم العربي، وجلسة حول دور المرأة العربية في إخراج الأفلام السينمائية، وجلسات حول رعاية الشباب، والآثار السلبية للحروب على الأطفال، وكيف نزرع الأمل في نفوسهم.. هذا الثراء في النقاش والحوار، في وجود هذه المجموعة من المفكرين والأدباء والفنانين من مختلف أنحاء العالم، سوف يسهم، في تطوير الواقع إلى الأفضل. نحن نرى أن المهرجان وسيلة للتشجيع على تنمية الإبداع لدى الشباب، في ظل تأكيد قوي على حرية المبدعين، ورعاية المواهب الشابة، وإطلاق طاقاتهم الخلاقة، في إطار الاعتزاز القوي بالهوية، والتفاعل المثمر والمستنير مع العالم كله. إننا نتطلع إلى أن تكون لدينا في نهاية المهرجان، مجموعة من التوصيات والملاحظات، التي سوف تتم متابعتها وتنفيذ الممكن منها، وعلينا في ذلك أن نتذكر دائماً، أن النشء والشباب هم عماد المستقبل، وبالتالي تكون علينا مسؤولية خاصة، في توفير كل السبل أمامهم، للإسهام في تحقيق التقدم لوطنهم وأمتهم.. وهذا بُعد مهم في عمل المهرجان.

تطبيق عملي
* في طبيعتها السكانية المتفردة تضم الإمارات قرابة 200 جنسية يعملون ويعيشون بألفة وتعاون واحترام، من دون أية مشكلات قومية أو دينية أو عنصرية، كيف يمكن تعميم التجربة الإماراتية ونموذجها اللافت لنشر هذه القيم في عالمنا المعاصر؟
** نحن في وزارة التسامح لدينا خطط واضحة لنشر نموذج الإمارات في التسامح والأخوة الإنسانية إلى العالم، ومهرجان هاي أبوظبي هو مبادرة مهمة لخدمة هذا الهدف الإنساني النبيل.
خطط الوزارة في هذا المجال، تشمل بناء الشراكات والعمل المشترك مع الأفراد والمؤسسات المعنية بنشر التسامح في العالم، والسعي دوماً إلى وضع مفهوم التسامح والتعايش موضع التطبيق العملي، من خلال تنظيم لقاءات وحوارات بين الجميع، وصولا إلى حلول مقبولة للقضايا والمشكلات التي يواجهها العالم. تشمل خطط الوزارة كذلك تنظيم المهرجانات والمؤتمرات والندوات، حول التسامح والأخوة الإنسانية وذلك للسكان من أعمار وفئات مختلفة (الشباب، المرأة، كبار السن، أصحاب الهمم، ...) وصولا إلى تنفيذ مشاريع عملية مشتركة على أرض الواقع، هذا بالإضافة إلى توفير القنوات الفعالة للتواصل بين الجميع، من خلال تنظيم الزيارات المتبادلة، عبر الحدود والأقطار، ودعم جهود الدبلوماسية الشعبية، فضلا عن بناء قواعد المعلومات، وتجميع المصادر المهمة لحوار الحضارات، والتقريب بين أصحاب الثقافات والأديان والمذاهب. نحن في الإمارات كذلك، حريصون على إصدار المنشورات والكتب والمجلات والمواد المعرفية بشكل عام، وتداولها على أوسع نطاق حول العالم، هذا بالإضافة إلى تنفيذ نظام للجوائز والحوافز يجعل من التسامح والأخوة الإنسانية مجالاً خصباً للدراسة والبحث، واقتراح وتنفيذ المبادرات النافعة، على مستوى العالم كله.
بالإضافة إلى ذلك كله، فإننا نضع في اعتبارنا الدور المهم الذي يمكن للجاليات الأجنبية المقيمة في الدولة أن تقوم به على صعيد تعريف مجتمعاتهم الأصلية بخصائص التسامح والأخوة الإنسانية في الإمارات، وتعميق علاقات التسامح والصداقة بين بلادهم والإمارات. ومرة أخرى أقول، إن كثيراً من هذه الأفكار موجودة أمامنا في مهرجان هاي أبوظبي.

نهيان بن مبارك مع جيل المستقبل

النهج الحكيم
* قامت دولة الإمارات منذ تأسيسها على نهج حكيم يتمثل قيماً إنسانية عالية كالتعاون والأمان والتسامح والسلام واحترام الآخر، تلك القيم الإنسانية التي وضع أساسها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان، طيب الله ثراه، كيف يتم تطويرها ونشرها في ظل القيادة الرشيدة؟
** نحن في الإمارات نحمد الله كثيراً، على أن الأب المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، كان نموذجاً وقدوة في التسامح والتعايش والحوار الصادق مع الجميع. كان يقول لنا دائماً، إن إنشاء قنوات الحوار والتفاهم والعمل المشترك، مع جميع البشر، ضروري تماماً، لكي تكون الإمارات، دولة ناجحة، تنعم بالأمن والاستقرار والرخاء، وتحقق التنمية والتقدم في كافة الميادين، بل وكذلك دولة تناصر قضايا الحق والعدل والسلام في كل مكان.
هذه الرؤية الحكيمة لمسيرة الدولة، يدعمها في حاضرنا الزاهر، وبكل قوة، صاحب السمو الوالد الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، ومعه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، وأخوه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة. إن قادة الدولة الكرام يؤكدون لنا دائماً، أن التسامح والتفاهم والتعايش بين الجميع هو الطريق إلى مجتمع ناجح وإلى عالم يسوده السلام والرخاء.
إننا نرى هذه الرؤية الحكيمة، وهي تنعكس في جهود الدولة لبث الأمل والتفاؤل في العلاقات بين أتباع الحضارات والمعتقدات، كما أنها تتجسد بشكل واضح في وثيقة أبوظبي للأخوة الإنسانية. نراها في القوانين والتشريعات التي صدرت في الدولة من أجل منع جرائم التطرف والكراهية.. نراها في الجهود المتواصلة، لتطوير التعليم وتأكيد دور وسائل الإعلام في هذا المجال. نراها في دورنا المهم في تعريف العالم بالطبيعة السمحة للإسلام، وبإسهاماته الكبرى في مسيرة البشرية. التسامح في الإمارات، هو جزء أساسي في مسيرة الدولة في ظل قادتها الكرام، وبفضل شعبها المخلص، وهو جزء ينعكس بشكل واضح في الدور العالمي المرموق للإمارات، في نشر ثقافة التسامح والتعايش على مستوى العالم.

مرآة صادقة
نحن نسعى إلى أن يكون مهرجان «هاي أبوظبي» مرآة صادقة للعالم العربي، يستطيع من خلاله أهل الفكر وقادة المجتمع في المنطقة والعالم، وبصفة دورية، الاطلاع على الواقع، والإسهام في اقتراح الآليات اللازمة لتنميته وتطويره نحو الأفضل.

تقدم شامل
المهرجان منصّة للحرية الفكرية، والقيم الإنسانية، وبث الأمل في المستقبل، يلتزم في كافة فعالياته بالمعايير العالمية الرفيعة. أعمال المهرجان موجهة للجميع، ليس لطبقة خاصة، أو لمستوى فكري معين دون الآخر، بل جميعها موجهة لتحقيق آمال وطموحات الأمة العربية في تقدم حضاري شامل.

اقرأ أيضا

«نيويورك أبوظبي» يقدم «لنعيد تواصلنا»