الاتحاد

ثقافة

إبراهيم سالم: العمل يرصد العبث المأساوي والمدمر في عالمنا العربي

ابراهيم سالم (يمين) يوجه الممثلين خلال البروفات (تصوير حسام الباز)

ابراهيم سالم (يمين) يوجه الممثلين خلال البروفات (تصوير حسام الباز)

إبراهيم الملا (الشارقة) - يستعد المسرح الحديث بالشارقة للمشاركة في الدورة القادمة من مهرجان أيام الشارقة المسرحية من خلال مسرحية «ماكبث» التي تعتبر بمثابة تحد فني من قبل المخرج والفنان المسرحي المخضرم إبراهيم سالم، بعد غيابه لسنتين متتاليتين عن الإخراج المسرحي، حيث كانت آخر مشاركاته في أيام الشارقة من خلال مسرحية «أخوان شما» التي تحدثت بجرأة فنية وموضوعية عن أشكال الصراع الخفية والظاهرة بين الأجيال في المجتمع المحلي والتصادم بين الأفكار والسلوكيات الحديثة والتقليدية وما يعتمل في المسافة بينهما من حنين وتيه وخيبات وخسارات على المستوى الشخصي وفي إطار العائلة، وداخل منظومة القيم بشكل عام.
وللتعرف على أسباب اختياره لفضاءات مسرح شكسبير، ولماذا الآن، والمعالجات الجديدة التي يمكن إضافتها لهذا النص الباذخ بالتصاوير العنيفة والدموية، التقت «الاتحاد» بالفنان إبراهيم سالم أثناء إقامة بروفات الطاولة بمقر المسرح الحديث بالشارقة، حيث أشار بداية إلى أن اختياره لمسرحية «ماكبث» للمشاركة بها في أيام الشارقة، هو اختيار أتى لكسر حاجز الخوف والرهبة عند المسرحيين الإماراتيين في نقل النص الشكسبيري إلى خشبة المسرح المحلي، وقال سالم: «إن ذاكرة المسرح المحلي لدينا تكاد تخلو تماما من أي عمل منقول مباشرة من التراث الشكسبيري العريق والمهيب أيضاً».
ومن هنا ــ كما أشار ــ فإن كسر هذا الحاجز العالي يحتاج لعمل جدّي ومغاير لما تم تقديمه في الأعمال السابقة، سواء من خلال الرؤية الإخراجية أو من خلال التقنيات السمعية والبصرية، والأداء التمثيلي.
معالجة النص
وحول المعالجة النهائية للنص والإسقاطات التي يمكن إحالتها على زمننا المعاصر، أوضح سالم إلى أن النص الأصلي تم تكثيفه واختصار بعض حواراته ومشاهده، من قبل الكاتب المسرحي أحمد الماجد، الذي قام أيضاً بكتابة النصوص الشعرية المستوحاة من تفاصيل وثيمات وصراعات الشخوص في النص الأصلي.
وأضاف سالم بأن النص المعدل يتناول بشكل رمزي ومن خلال دلالات مشهدية قوية ما يجري في عالمنا العربي من شعوذة سياسية حولت بلدان الثورات الذابلة إلى ساحات من الدم والدموع والصرخات والعبث المأساوي المدمر، وهي ــ كما قال ــ مشاهد ممتدة مثل الهشيم ومؤلمة حتى النخاع، واختزلها شكسبير في نصه الخالد «ماكبث» كأمثولة على الجنون السياسي وعلى عذابات الضحايا والهوس الأعمى للمتحكمين في اللعبة.
تحديات
وعن أهم التحديات التي واجهته بعد قراره إعادة تجسيد ماكبث ولأول مرة على خشبة المسرح الإماراتي، أكد سالم أن العمل على الممثل وتهيئته للدخول في مغامرة أدائية منهكة ومدوخة مع ماكبث، كان هو التحدي الأكبر والأهم بالنسبة له، لأن شخصيات هذا النص بالذات ــ وكما أشار ــ تتحرك في حقل سردي وبصري ملغوم ومشحون بالنوايا الغامضة والدسائس والمكائد الشيطانية المعتمة، وبالتالي ــ كما أوضح ــ فإنه استعان بمواهب جديدة لم يسبق لها مواجهة الجمهور من قبل، واستعان أيضاً بممثلين شباب حتى يكونوا مؤهلين جسديا لخوض هذا السباق الدرامي القاسي، والماراثوني أيضاً في سياق التقمص النفسي لشخصيات العمل، ومحاكاة صراعها الدامي والمحتدم من أجل التفوق، وإلغاء الخصوم وإقصائهم جسديا إذا لزم الأمر.
وأضاف سالم أنه أراد من خلال تصديه لنص ماكبث، تحقيق رغبته الشخصية المختزنة في تغيير النمط الأدائي الشائع والمهيمن على الممثلين في المسرح الإماراتي، والذي يطلق عليه سالم: «الأداء المعنون» الملتصق بالحالة الدرامية سواء في جانبها الكوميدي أو التراجيدي، منوها إلى أن تركيزه على الأداء التمثيلي في ماكبث يدخل في سياق تغيير هذا المفهوم المكرّس والذي بات بحاجة ــ كما قال ــ لفعل تمردي على مستوى التكنيك والخروج من أسر المحاكاة الظاهرية، إلى المحاكاة الجوّانية الأكثر عمقا، والأكثر إشعاعا وتوهجا بالدلالات والرموز، والأصدق ترجمة للخبايا النفسية والذهنية الفائرة والمتماوجة داخل الشخصية.
وعن ردة الفعل المتوقعة من لجنة الاختيار ومن الجمهور بعد ذلك عند عرض العمل في أيام الشارقة المسرحية، أوضح سالم أنه في كل الحالات والاعتبارات والظروف المعاكسة لطموح المشاركين في «ماكبث» فإن المسرح الإماراتي لن يخسر كثيرا إذا لم يكتب لهذا العرض النجاح، خصوصا ـــ وكما أضاف ــ أن الشباب المشاركين فيه سيكونون هم أول المستفيدين من احتكاكهم بمناخ أدائي مغاير، لم يختبروه من قبل، نظرا لما يتطلبه العرض من جهد وطاقة تحتاج للياقة بدنية عالية واشتغال مرهق على الجانب النفسي، وما يتطلبه أيضاً من تضحيات فردية واجتماعية ومهنية حتى لا ينقطع هذا التواصل الروحي بين الممثل وبين الشخصية التي عليه أن يؤديها بإخلاص وإتقان على الخشبة.
وأكد سالم أن استخراج طاقة الممثل عنده تعتمد على النقاش والاقتراحات الإضافية وتجليات الممثل الذاتية أثناء البروفات، وقال: «أحب الممثل المشاكس والممثل الذي يسأل كثيرا، وكذلك الذي يخطئ لأنه يساهم أحيانا وبدون قصد في نقل الرؤية الإخراجية عندي إلى مستويات جديدة ومفاجئة ومدهشة».
وعن الممثلين المشاركين في العرض ذكر سالم أن جل المشاركين هم من الأسماء الجديدة والمواهب الصاعدة مثل: الفنان الشاب سعيد الزعابي في دور ماكبث وفي أول أدواره الأدائية على الخشبة، ورشا العبيدي في دور الليدي ماكبث، ورائد الدالاتي في دور ماكديف ، وعلي الحيالي في دور بانكو، وعلى نبيل في دور مالكولم، وهيفاء العلي وخليفة البحري والفنان الشاب باسل في دور السحرة المحيطين بماكبث، وفيصل علي في دور الملك دانكن.


تفريغ من أجل تطوير المسرح الإماراتي

ودعا سالم في نهاية اللقاء إلى ضرورة دعم وتفعيل النداءات المطالبة بتفريغ المسرحيين المحليين، والمهمومين وبشكل حقيقي بتطوير المسرح الإماراتي وإقامة مختبرات مسرحية يتصدى لها مسرحيون إماراتيون أكاديميون من أجل تغيير الوضع السائد والمتراكم والذي أدى إلى تناسخ الأعمال وعدم خروجها من الدائرة الضيقة التي حشرت نفسها فيها، والتي تتطلب ــ كما أشار ــ إلى تغيير جذري ونقلة حادة على مستوى المفهوم وعلى مستوى التطبيق وكذلك على مستوى العمل الإداري والفني والتقني، كما دعا سالم إلى ضرورة العمل بشكل مختلف على الممثل، وتهيئة جيل جديد من المخرجين لأنه لا يمكن الاعتماد فقط على الجيل المؤسس، وعلى منهجية ثابتة ومتراوحة في مكانها ومرتبطة موسميا بالحماس المؤقت قبيل إقامة المهرجانات السنوية لمسرح الأطفال والكبار والمسرحيات الاستعراضية الربحية التي لا تنتمي في غالبها الأعم لقيمة وحقيقة وجمالية وتأثير فن المسرح.

اقرأ أيضا

«كريبكه».. عقلٌ غيّر وجه المنطق!