الاتحاد

تقارير

الإسرائيليون يهاجمون «كيري»

كل ذنب جون كيري وزير الخارجية الأميركي أنه تساءل عن نتائج فشل مفاوضات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، جاء هذا في كلمته أمام مؤتمر الأمن في ميونيخ يوم السبت الماضي، فقامت إسرائيل ولم تقعد من التهجم على الرجل حتى كتابة هذه السطور.
لقد أعرب وزير الخارجية الأميركي عن أمله في أن تنجح جهود إدارة الرئيس أوباما في التوصل إلى اتفاق سلام بين الطرفين، وأكد عزمه على تجاوز الصعاب، ثم تساءل بموضوعية عن عواقب الفشل قائلاً: هل سيبقى قادة السلطة الفلسطينية الملتزمون بعملية السلام في الحكم أم سيحدث المزيد من التطرف والعنف؟
هنا ينبه وزير الخارجية الأميركي الإسرائيليين إلى أن تعنتهم يمكن أن يطيح الاعتدال الفلسطيني، ثم يتساءل عن رد الفعل الناتج عن الإحباط لدى العرب، فيقول: وماذا سيكون مصير مبادرة السلام العربية؟ وهو هنا أيضاً ينبه الإسرائيليين إلى أن الموقف العربي لن يبقى ساكناً.
بعد ذلك أشار إلى مخاطر المقاطعة الدولية لإسرائيل قائلاً: إن هناك ازدهاراً مؤقتاً في إسرائيل، لكن هذا وهم سيتبدد إذا ما فشلت المفاوضات وهناك معركة تتصاعد لنزع الشرعية عن إسرائيل والحديث يتزايد عن المقاطعة لها.
في اليوم التالي انعقد مجلس الوزراء الإسرائيلي، وأطلق نتنياهو إشارة لبدء الهجوم على «كيري»، فقال: إن محاولات فرض المقاطعة على إسرائيل غير أخلاقية، وليس بها مبرر فضلاً عن أنها لن تحقق أهدافها، ولن تحملني على قبول المساومة على المصالح الإسرائيلية الحيوية.
لقد تولت جوقة الوزراء اليمينيون مهمة العزف بتنويعات مختلفة على هذا اللحن، فقال «يوفال متنايسي» وزير الشؤون الاستراتيجية إن كلمات «كيري» تسيء لإسرائيل، ولا يمكن احتمالها، وهدد «نفتالي بينيت» زعيم حزب «البيت اليهودي» المهووس بالاستيطان، ولجأ إلى الحيلة التقليدية باتهام من ينتقدون السياسات الإسرائيلية أو يوجهون النصح لها موجهين لها دعوات تحض على الاعتدال، بأنهم من أعداء السامية، وأعرب عما اعتبره خيبة أمله لعدم وقوف أميركا أهم صديقة لإسرائيل ضد حملة المقاطعة لإسرائيل التي وصفها بمعاداة السامية.
انضم «جلعاد أردان» وزير الجبهة الداخلية إلى الجوقة وقال إنه يأسف لعدم قدرة الإدارة الأميركية على فهم الحقائق في الشرق الأوسط وقيامها بممارسة الضغوط على الطرف الإسرائيلي غير المسؤول عن الفشل.
أما وزير الإسكان «أوري آريئيل»، فقد شكك في نزاهة «كيري» واعتبره وسيطاً غير نزيه.
المسألة كلها في نظره تلخص منطق العجرفة الإسرائيلية المستندة إلى تأييد اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة. لقد سبق وأن تسببت هذه العجرفة في عرقلة الرئيس أوباما ومنعه من التقدم في جهود السلام، وذلك خلال ولايته الأولى. وها هي مرة ثانية تحاول وأد محاولة السير في الاتجاه نفسه خلال إدارته الثانية.
وجود أصوات عاقلة في إسرائيل أمر نادر بعد أن سيطرت عجرفة اليمين على مشاعر الساسة والجماهير، وهذه الأصوات تسمع خافتة وسط ضوضاء الجوقة المتطرفة.
ترى هل هناك أي مستقبل للكلمات العاقلة التي قالها «يائير لابيد» زعيم حزب «الطبقة الوسطى المستنيرة» «يشي عاتيد»؟ لقد دعا هذا الرجل إلى تهدئة حملة الهجوم على الولايات المتحدة منبهاً إلى أن كيري لم يحرض على مقاطعة إسرائيل وأن كل ما فعله هو أنه أشار إلى وجودها كحقيقة دولية تهدد إسرائيل تلمسها وزارته.
أعتقد أن الأوروبيين يتفهمون موقف «كيري» بدليل أنهم يلوحون لإسرائيل بفرض عقوبات إذا ما فشلت المفاوضات تضع إسرائيل في وضع النظام العنصري البائد في جنوب أفريقيا. أرجو أن يكون في الجعبة العربية بعض السهام التي يمكن أن تساعد كيري في جهوده وتزيح منطق الغطرسة الإسرائيلية.


‎د. ابراهيم البحراوي
أستاذ الدراسات العبرية - جامعة عين شمس

اقرأ أيضا