الاتحاد

تقارير

التشوكودو تقرب نساء الكونجو من حقوقهن

التشوكودو ··· اختراع بسيط وفوائد جمة

التشوكودو ··· اختراع بسيط وفوائد جمة

تخترق الدراجة الخشبية الطرقات وهي تهتز على الشوارع والأزقة المغطاة بالحمم البركانية المتكلسة في هذه المدينة الواقعة بوسط أفريقيا، وهي اختراع يبدو شكله غريباً كما لو كان لعبة صُنعت للكبار: عجلتان مكسوتان بالمطاط تربط بينهما لوحة خشبية، ومقود على شكل شوكة مقلوبة· وعلى رغم شكلها الغريب، تسير ''التشوكودو'' بسرعة تثير التعجب وتستطيع حمل أوزان ثقيلة؛ ويستطيع صاحبها كسب ما قد يصل إلى 10 دولارات في اليوم -وهو مبلغ ضخم بالنسبة للكونجوليين- عبر حمل السلع· والأهم من ذلك أنها تستطيع المساهمة في تحرير نساء هذه المنطقة من بعض الأعمال الشاقة التي يواجهنها كل يوم· ولنتخيل هنا لو أن ''التشوكودو'' ومنظمات المساعدات الدولية عملا معاً من أجل المساهمة في تقريب نساء الكونجو من حقوقهن!
والحال أن حركة المرور العادية على طرق شرق الكونجو التي تنتشر فيها الحفر هي عادة عبارة عن نساء وفتيات يمشين بأثوابهن الملونة الزاهية على جوانب الطريق كصف نمل، كل واحدة منهن تحمل على رأسها حملا لا يصدق -فحماً كان أو ذرة أو غسيل الأسرة ربما أو ما شابه- إضافة إلى طفل محمول على الظهر، أو وعاء ماء بسعة وعشرين لتراً معلق بحزام حول جبهتها· ويتجاوزهن الرجال مسرعين على متن دراجاتهم أو دوابهم أو مشياً على الأقدام، وهم نادراً ما يحملون معهم شيئاً غير أغراضهم الشخصية وراديو ترانزيستور أو مذكرة؛ فتقسيم العمل هنا واضح ولا لبس فيه·
غير أنه إذا كانت الأسرة تمتلك ''التشوكودو''، تستطيع ''مامان'' (وهي المرأة أو السيدة باللغة الكونجولية) أن تطلب من الرجل نقل الأغراض· وستظل تنتظرها مهام أخرى بالطبع، ولكن حملا ثقيلا على الأقل سيكون قد أزيح عن كاهلها· ثم إنه إذا اقتسم الرجال عبء نقل الأغراض التي تستعملها الأسرة، فذاك يعني أن النساء والفتيات لن يضطررن إلى القيام بنفس العدد من رحلات نقل الأغراض جيئة وذهاباً، مثلما يعني أيضاً أنهن سيكن أكثر أمناً بالنظر إلى تفشي الجريمة في شوارع الكونجو، وبخاصة الاغتصاب· وإضافة إلى ذلك، فإن الرجل الذي يمتلك ''التشوكودو'' يستطيع كسب المال، هذا فضلا عن كون ''التشوكودو'' صديقا للبيئة لأنه مصنوع من الخشب ولا يلوث الجو· غير أن الأمر نفسه لا يمكن أن يقال عن ''ملوك الطريق'' هنا: القوافل البطيئة للسيارات والشاحنات والجرافات المدرعة البيضاء التابعة لبعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام التي تنتج غيوماً سوداء من دخان العوادم وتتسبب في بطء وعرقلة الطرق أينما ذهبت·
ولكن الظروف في مدينة ''كيفو'' الشمالية ليست روتينية على الإطلاق، ومرد الشهرة التي اكتسبتها المنطقة إلى حرب أهلية متعددة الأطراف مازالت متواصلة إلى اليوم، هي في جزء منها استمرار للإبادة الجماعية التي حدثت في رواندا المجاورة في ·1994 فحتى عهد قريب، كانت الحرب مندلعة بين مجموعات التوتسي المتمردة، ومجموعات الهوتو المتمردة، والجيش الكونجولي النظامي وعصابات مسلحة أخرى·
وفي هذه الأثناء، تعد مهمة الأمم المتحدة لحفظ السلام هنا هي الأكبر من نوعها في العالم؛ فمن بين أكثر من 17 ألف جندي في العملية المعروفة باسمها الفرنسي المختصر ''مونيك'' يوجد نحو 6 آلاف في إقليم ''كيفو'' الشمالي وحده· وقد تم تعزيز وتجديد مهمة ''مونيك'' في ديسمبر الماضي، ومهمتها الأساسية هي ''حماية السكان المدنيين''، وهذه مهمة كبيرة وصعبة حيث أرغم النزاع الحالي ما يقدر بمليون شخص أو أكثر على الفرار من منازلهم واللجوء إلى مخيمات النازحين مع عائلات أخرى أو في أوغندا المجاورة· ولا شك أن المهمة الإنسانية في ''كيفو'' الشمالية ضخمة أيضاً حيث تعمل هنا عشر وكالات أممية وأكثر من 60 منظمة دولية غير حكومية، توفر المأوى والطعام والماء الصالح للشرب والمرافق الصحية ومواد أساسية أخرى مثل الأغطية والصابون وأواني الطبخ· كما تسعى لتحسين الاستفادة من المدارس والرعاية الصحية للمدنيين النازحين حيث تقدم برامج استدراكية للأطفال الذين فاتتهم الدراسة بسبب الحرب، والرعاية الطبية والنفسية للنساء والفتيات ضحايا الاغتصاب· وحين تحرك المجموعات المسلحة جنودها مجبرةً السكان على الفرار، وعندما تحاول المنظمات الإنسانية مساعدة النازحين عبر منحهم الدعم الأساسي، ينتج عن ذلك الكثير من التدافـــع والزحــام على الطرقات هنا· وهو ما يعيدنا إلى موضوع ''التشوكودو''، فهذه الآلات المضحكة والقوية في الوقت نفسه تستطيع حمل عشرات الكيلوجرامات من السلع التي توضع على اللوحة الخشبية لـ''التشوكودو''· وهذا قد يعني أكياســـاً مـــن الإسمنـــت أو عـــدداً من صناديق المشروبات الغازية أو عشرات حبات الملفوف أو أكياس الفحم·
وقبل أربع سنوات، وفي مسعى لرفع معنويات الكونجوليين وتشجيع هذه المركبة، نظمت ''مونيك'' ومكتب مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان سباقاً بـ''التشوكودو'' لمسافة 5 كيلومترات في إطار الاحتفال باليوم العالمي لحقوق الإنسان، شارك فيه مئتا متنافس وسُلمت فيه للفائزين دراجات جديدة وهدايا أخرى· وحسب موقــــع ''بادري بيانتشي'' على الإنترنت، وهــــو منظمــــة لرهبان إيطاليين يعملون في جوما، فهناك راهبة كونجولية تدعى ''ديوداتا'' تعلِّم أصحاب التشوكودو الحساب والقراءة؛ وقـــــد نقــــل الموقـــع عن هذه الراهبة قولها: ''الآن تعلمــــوا رفع رؤوسهم وقريباً سيطالبون بحقوقهم''·

آنا هوسارسكا - جوما/ الكونجو
مستشارة لجنة الإنقاذ الدولية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة
لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا