الاتحاد

عربي ودولي

شارون انقلب على بيجين وعاد إلى مدرسة بن جوريون


القاهرة- أكرم ألفي:
يرى الكثيرون في العالم العربي بل وداخل الدولة الصهيونية أن خطة آرييل شارون رئيس الوزراء الإسرائيلي الخاصة بالانسحاب وتفكيك مستوطنات قطاع غزة وشمال الضفة الغربية تمثل تحولاً نوعياً في التفكير السياسي لشارون، إحدى أهم القيادات الإسرائيلية المؤيدة للاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة· بينما يرى البعض الآخر أن شارون لم يتغير، فهو مازال مؤمنا بأهمية الاستيطان وباستخدام القوة ضد أعداء الدولة العبرية من الفلسطينيين، وأن خطته مجرد لعبة للحصول على المزيد من المكاسب·
إن الاتجاهين يحملان خطة الانسحاب الشارونية فوق ما تحتمل، فهي من ناحية لا تمثل تحولا جذريا في العقلية السياسية لشارون، كما لا يمكن التعامل معها على أنها مجرد حيلة، وأنها لا تعكس أي تغيير في اتجاهات رئيس الوزراء الإسرائيلي، ومن هنا تنبع أهمية استقصاء عوامل الثابت والمتغير في سياسيات شارون التي تحملها هذه الخطة، بغرض إدراك الكيفية التي يفكر بها قائد الدولة الصهيونية·
ليس هناك من يتوقع أن شارون الذي غطى الأراضي الفلسطينية بالمستوطنات، سيكون هو نفسه أول قائد صهيوني لديه الشجاعة لطرح قضية تفكيك المستوطنات، ولكن هذا التحول يمكن فهمه على أساس انتقال شارون من الرؤية التكتيكية التي هيمنت على مواقفه طوال ثلاثين عاما الى الرؤية الاستراتيجية التي يتبناها تاريخياً والقائمة على ضرورة تحقيق الأمن لدولة إسرائيل عبر إقامة حدود دائمة وخلق مناخ موات لاستمرارها في قلب المنطقة العربية·
ويمكننا أن ندرك طبيعة التحولات في سياسات شارون، وإقدامه على حد وصفه في خطابه امام الكنيست في 26 اكتوبر 2004 بأنه 'أصعب قرار في تاريخه السياسي' من قاعدة انه يحمل تراث الحركة الصهيونية التي قادها ديفيد بن جوريون 'مؤسس الدولة العبرية'· فقد حارب شارون خلال حرب 1948 ضمن عصابات 'الهاجاناه' التي قادها بن جوريون وليس ضمن عصابات ' اراجون' التي قادها مناحم بيجن واسحق شامير· وظل شارون تلميذا في مدرسة بن جوريون حتى استقالته من الجيش الإسرائيلي قبيل حرب ·1973
وقامت الصهيونية الواقعية التي قادها بن جوريون على أساس أن إنشاء دولة إسرائيل يجب أن يتم وفقا للوقائع على الأرض وبالتدرج وبالأخذ في الاعتبار توازنات القوى الدولية والمحلية· ولم تكن هذه المدرسة التي تخرج فيها شارون تعتمد على وضع حدود مقدسة أو ثابتة، فالأرض التي يسيطر عليها اليهود وفقا لهذه المدرسة متغيرة وفقا لتركيبة معقدة من الاعتبارات الدولية والإقليمية والديموجرافية والسياسية والاجتماعية· وقد ساهم هذا الموقف البرجماتي في نجاح المشروع الاستعماري الصهيوني في تأسيس الدولة وتوسيعها حتى عام 1977 وسيطرة تيار الصهيونية التصحيحية، الذي قاده مناحم بيجن، لأول مرة على مقاليد السلطة في الدولة العبرية بوصول كتلة 'حيروت ـ الليكود' لسدة الحكم·
كل الأرض
وقد يكون من المفيد هنا أن نرى كيف تفكر المدرسة التي تتلمذ فيها شارون·· فمع إعلان دولة إسرائيل وتعقيبا على موافقته على قرار التقسيم وعقد اتفاق الهدنة مع العرب في عام 1949 أكد بن جوريون أنه يجب أن تكون هناك دولة يهودية ديمقراطية بدون كل 'أرض إسرائيل' بدلاً من أن يكون لدى اليهود كل الأرض بدون دولة يهودية، وشدد في خطاب أمام الكنيست في بداية الخمسينيات على أن الدولة اليهودية لا يمكن أن تتحقق على كل أرض إسرائيل إذا أراد اليهود لهذه الدولة أن تكون ديمقراطية لان عدد العرب يفوق عدد اليهود·ولعلنا نرى بوضوح في الخطاب السياسي لشارون خلال العام المنصرم في مواجهة معارضيه من اليمينيين وداخل الليكود استعارة نفس الحجج وتقريبا بنفس الألفاظ من بن جوريون·
ففي خطابه بالكنيست عند التصويت على الخطة، شدد شارون على أنه ليست لديه أي رغبة في حكم أكثر من مليون فلسطيني ـ يقطنون قطاع غزة ـ وأن هؤلاء 'في إشارة للفلسطينيين' يتضاعفون كل جيل، وإن إسرائيل التي ترغب في أن تصبح ديمقراطية لا يمكنها أن تتحمل هذا الوضع طوال الوقت، وبالتالي فإن خطة فك الارتباط تمثل إمكانية فتح باب لحقيقة وواقع مختلفين'· وينطلق شارون أيضا من رؤية بن جوريون بأنه من المستحيل بقاء دولة يهودية في حالة حرب دائمة وأن السلام ضروري ولكن يجب التعامل مع السلام على أنه وسيلة وليس غاية فالغاية هي التحقيق الكامل والتام للصهيونية·
ولعل هذه الرؤية يمكن استشرافها عمليا في تاريخ شارون السياسي من خلال موقفين أساسيين، الأول: عندما كان مسؤولا عن تنفيذ خطة الانسحاب من سيناء في عام 1982 بصفته وزيرا للدفاع 'بشكل مؤقت'· فقد اتصل به مناحم بيجن الذي خشي صعوبة هذه العملية وأبدى شارون موافقته الواضحة وأكد قدرته على القيام بالأمر، ونجح شارون في إخلاء مستوطنات سيناء وخاصة مستوطنة 'ياميت' الشهيرة، ولكنه في محاولة لكبح غضب اليمينيين المتطرفين قام بتدميرها بدلا من تسليمها للمصريين· لانه رأى أن مصلحة الدولة الإسرائيلية في البقاء والأمن تحتم ترك سيناء للمصريين·
والموقف الثاني: كان في عام 1988 ووسط اشتعال الانتفاضة الفلسطينية الأولى، حيث اقترح شارون على رئيس الوزراء الليكودي في ذلك الوقت اسحق شامير إخلاء بعض المناطق ومنها قطاع غزة لتجنب العودة لحدود ما قبل الخامس من يونيو ·1967 وهو الاقتراح الذي رفضه شامير·
ويعكس الموقفان إدراك شارون ضرورة تقديم تنازلات على الأرض للإبقاء على دولة إسرائيل، مع رفضه التام العودة لحدود عام ·1967
الانقلاب على الليكود
وإذا كانت خطة فك الارتباط تعكس استمرار رؤية شارون السياسية التي ترجع أصولها الى المدرسة الصهيونية الواقعية وبن جوريون، فإنها في الوقت نفسه تعكس انقلاباً واضحاً على الرؤية السياسية التي تبناها شارون نفسه منذ انخراطه في العمل بالساحة السياسية الإسرائيلية في السبعينيات من القرن الماضي·· فقد تحول شارون بعد خروجه من الجيش الإسرائيلي من هذه المدرسة الصهيونية التي خاض تحت رايتها حرب العصابات في عام 1948 الى المدرسة التصحيحية التي تزعهما مناحم بيجن تلميذ اليهودي الروسي الشهير زئيف جابوتنسكي، وهي المدرسة التي تقوم على أساس أن هناك حقا تاريخيا لليهود في أرض إسرائيل 'فلسطين التاريخية'·
وقد انتعشت هذه الحركة التي وجدت تمثيلها في كتلة حيروت 'الليكود فيما بعد' عقب حرب يونيو 1967 واستيلاء القوات الإسرائيلية بالفعل وللمرة الأولى على ارض فلسطين التاريخية بالإضافة الى سيناء والجولان، وهو الأمر الذي انعكس في صعود الليكود الى سدة الحكم في عام ،1977 وانضمام شارون للمرة الأولى الى الحكومة كوزير للزراعة، حيث اشرف بنفسه على بناء عشرات المستوطنات في كافة الأراضي المحتلة·
وفي ذلك الوقت تبنى شارون بوضوح خطاب بيجن القائم على أن حق الشعب اليهودي في أرض إسرائيل خالد، وهو جزء لا يتجزأ من حقه في الأمن والسلام، وبالتالي لن يتم أبداً التنازل عن الضفة الغربية 'يهودا والسامرا' وقطاع غزة، ولن يكون بين البحر المتوسط ونهر الأردن إلا السيادة اليهودية فقط· وشدد الخطاب على أن التخلي عن أي أجزاء مما أطلق عليه 'أرض إسرائيل' والسعي لإقامة 'دولة فلسطينية' هو تهديد لأمن السكان اليهود وتعريض وجود دولة إسرائيل للخطر· وفي بداية السبعينيات كان شارون نفسه من أشد المدافعين عن الإطاحة بالنظام الأردني لإقامة الدولة الفلسطينية في شرق الأردن·
ومع بداية مسيرة التسوية، هاجم شارون بشدة المفاوضات مع منظمة التحرير الفلسطينية، ووصل به الأمر الى التلميح الى خيانة اسحق رابين رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك للمبادئ الصهيونية لموافقته على قيام سلطة فلسطينية في قطاع غزة واريحا·
وبعد انتخابه زعيما لحزب الليكود عقب هزيمة بنيامين نيتانياهو في انتخابات ،1999 شدد شارون على استمراره على منهج الليكود القائم على حق اليهود في ارض إسرائيل ورفضه لأوسلو والتسوية·
ولعل من المفيد هنا أن نقرأ مقتطفات من مقال كتبه شارون في صحيفة 'جيروزاليم بوست' الإسرائيلية في 18 أغسطس 2000 تعقيبا على مفاوضات كامب ديفيد التي قادها أيهود باراك رئيس الوزراء الإسرائيلي في ذلك الوقت· ويقول شارون: 'إنه من أجل بقاء ونمو دولة إسرائيل يجب علينا ان نعمل من اجل سلام قائم على الحفاظ على المصالح الحيوية لإسرائيل وحماية الحقوق التاريخية للشعب اليهودي في أرضه كاملة وعاصمتها القدس الموحدة '· وعلى صعيد قضية المستوطنين كتب في نفس المقال 'إن المستوطنين اليهود في يهودا والسامرا وغزة لن يخرجوا بأنفسهم، وباراك بمحاولاته التفاوضية يعمق عدم الاستقرار ويشعل صراعا داخليا وهو بمثابة خطر علينا جميعاً'·
إن إعلان شارون في فبراير عام 2004 خطة الانسحاب الكامل من قطاع غزة وتفكيك كافة مستوطناته، يمثل تحولاً في رؤيته لطبيعة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، خاصة مع موافقته على قيام 'دولة فلسطينية' وبالتالي تخليه الى غير رجعة عن أيديولوجية 'أرض إسرائيل الكاملة' والدولة الإسرائيلية الوحيدة من البحر المتوسط الى نهر الأردن·
وهذا التحول يضع شارون حدوده في حواره مع صحيفة 'جيروزاليم بوست' في 9 سبتمبر ،2004 حيث يقول: 'لقد بدأ إنشاء المستوطنات في قطاع غزة عندما كنت قائدا للمنطقة الجنوبية وبواسطة حكومة العمل وكنت أرى ذلك شيئا صحيحا تماما ولكن سنوات طويلة مرت والأمور تغيرت· فاليوم أرى أنه لا يمكن أن تستمر المستوطنات في غزة بينما هناك نحو 1,2 مليون فلسطيني، وما يتطلبه ذلك من إجراءات أمنية هائلة لحماية المستوطنين، وأرى أن المستوطنين لا يمكنهم البقاء في غزة· وأن خطة فك الارتباط في ظل الظروف الحالية تمثل فرصة للحفاظ على المناطق الاستراتيجية المهمة لإسرائيل في يهودا والسامرة 'الضفة الغربية'·
ولا يعني اقدام شارون على تغيير مواقفه تحوله الى حمامة سلام· فهو يعرف انه لا يمكن ان يكسب كل شيء بضربة واحدة وان عليه ان يتنازل عن أشياء حتى يحصل على اخرى أهم، فالثابت في رؤية شارون السياسية هو الاقدام على أي شيء من أجل غرض واحد هو تحقيق بقاء وأمن الدولة الصهيونية· ومن هذا المنطلق يمكننا فهم الخطاب الشاروني الحالي والتعاطي معه، بعيداً عن أوهام التغيير الكامل أو غض البصر عن التحولات في رؤيته السياسية·

اقرأ أيضا

بريطانيا لن تعترف بضم إسرائيل للجولان رغم تصريحات ترامب