الاتحاد

دنيا

ليس في الأفلام فقط!

النسيان نعمتنا، فلولا النسيان لبقي الواحد منا يعاني ويعاني من منظومات كاملة من الأحزان، ليس ابتداء بحبه الأول وليس انتهاء بالهزائم الخاصة والعامة على مر السنين. أقول إن النسيان نعمتنا، ولكن الخيال متعتنا، لأنه يمنحنا فرصة تجاوز الواقع.
تخيلوا أن نستطيع بتغييرات جينية، تفكيك أذاننا وعيوننا، وقتما نشاء وأينما شئنا... تدخل الى الندوة بكل فشخرة وترتمي على أحد المقاعد، وما إن يشرع المحاضر المحترم حتى تشرع في فك أذنيك وتبدأ بتنظيفها من صمغ الأيام الماضية. تتحرك شفاه الخطيب، لكنك لا تسمع شيئا، وربما تستطيع ضبط إيقاع أذنيك وتقوم بتغيير طبلة الأذن كما تغير عدسة العين، وتركب مصافي وحواجز لتسمع ما تشاء، حتى لو كانت أذينك في مكانها الطبيعي.
وإذا لم تعجبك حركات الخطيب، فيمكنك أيضا فك عينيك، فلا تراه وتخلص من وجع القلب.. كما يمكنك تغيير الأوضاع، واللعب على قصة العدسات المقعرة والمحدبة، فتجعل الخطيب، مقلوبا على الجوانب، صغيرا أم كبيرا، ويمكنك تغيير ملامح وجهه عن طريق إدخال برنامج «الفوتوشوب» داخل العين، أو يمكنك تحويل عينيك إلى مرايا مضحكة مثل مرايا السيرك.
هذا في المرحلة الأولى، وإذا رغبت بتصعيد فكرة التخيل، فيمكنك أيضا فك قلبك وتنظيفه من أسخام وأصماغ الأيام، ويمكنك فك المعدة
««««والأثني عشر»»»»
والغدة المعثكلة، وغيرهم، وتغيير أماكن ما تشاء من الأجزاء «حسب الطلب».

???
هناك حالات وأوضاع في أفلام الأكشن الأميركية لا يستطيع الكمبيوتر، حتى الآن، تخليقها، لذلك على بطل الفيلم أن يقوم بها واقعيا وبلا رتوش، مثل القفز من فوق عمارة أو من سيارة مسرعة أو تسلق جبل أو ما شابهها من الحركات الصعبة.
لكن أي إصابة يتعرض لها البطل قد تودي ببقية الفيلم، ويخسر المنتج عشرات الملايين، ولا يخلص في المحاكم من البطل «الممثل» وأقاربه وأبناء عشيرته في فرجينيا وسردينيا وهوليود، وبما أن الحاجة ليست أما للاختراع فحسب، بل للاكتشاف أيضا، اكتشف المنتجون لعبة الممثل البديل.
الممثل البديل – أو الدوبلير كما يسمونه بالإنجليزية غير الفصحى- يقوم مقام البطل في الحركات الصعبة، ويتعرض، بدل البطل، للكسور والحوادث، وربما للموت، مقابل أجر ضئيل نسبة الى مدخولات أبطال السينما، التي تقدر بالملايين عن كل فيلم.
يعني، أننا في الوقت الذي نصفق بحرارة للبطل وهو يتنطط مثل الكنغر من مكان لمكان، يكون ما نراه هو ذلك المسكين الممثل البديل الذي قام بالمجازفة بدل البطل، حيث لبس ملابس الممثل البطل، وعمل ذات تسريح شعره.. ونط.
في بلاد العم سام، هذا الواقع غير الوهمي هو من الأمور الطبيعية التي لا تلفت نظر أحد، ولا يكلف أحد نفسه عناء التدقيق في شخصية من يقوم بالمخاطرة، فهو يصفق للبطل، وليكن ما يكون، وحينما يموت الممثل البديل في مجازفة ما، لا ينعاه أحد، وربما تنشر بعد الصحف والفضائيات خبره في أبواب الطرائف.
ليس في بلاد العم سام، وليس في الأفلام فقط، بل في كل مكان وكل زمان وكل المجالات السياسية تحديدا، ناهيك عن الاجتماعية والاقتصادية والعلمية والبطاطا المحشية... في كل شيء تقريبا من أقصى المعارضة إلى أدنأ الموالاة، نجد أمثال هؤلاء الضحايا الأبطال الذين يقومون بالأدوار الصعبة بدل الكبار ولا يحصدون سوى الفتات.




يوسف غيشان
ghishan@gmail.com

اقرأ أيضا