الاتحاد

عربي ودولي

شكوك حول التزام إسرائيل بمقررات مؤتمر لندن


لندن-فيصل حيالي:
هذا هو أول مؤتمر دولي يعنى بالشأن الفلسطيني خارج اطار المفاوضات التي تعثرت منذ عام 1997 حين رعتها واشنطن أيام عهد الرئيس الاميركي السابق بيل كلينتون· وقد حشدت له الحكومة البريطانية برئاسة توني بلير استعدادات وجهوداً واسعة منذ ما يقرب من سبعة اشهر حين اعلنت واشنطن انها واثقة من قدرة لندن على جمع الفلسطينيين والاسرائيليين في مؤتمر يعزز مساعي السلام عبر رؤية جديدة للاصلاحات التي يحتاجها الواقع الفلسطيني لاسيما انه يعيش مرحلة جديدة بعد رحيل الرئيس ياسر عرفات وتولي محمود عباس رئاسة السلطة الفلسطينية في اطار نهج تكريس جهود الاصلاح·
القائمون على المؤتمر كانوا يدركون منذ البداية انه مؤتمر لآليات الاصلاح وتطوير فرص السلام في الشرق الاوسط عبر تقوية الاجهزة الفلسطينية وليس مؤتمرا للفصل في قضايا خلافية اساسية بين الفلسطينيين والاسرائيليين وخاصة في مسألة الخلاف حول القدس وحق العودة للاجئين الفلسطينيين حيث شكلت هاتان المسألتان معضلتين امام جميع الجهود السابقة لاستئناف المفاوضات على المسار الفلسطيني في حين خرج الجانب الفلسطيني راضيا فهو لا يتوقع نتائج افضل مما حصل عليها بسبب صعوبة المرحلة السياسية دوليا واقليميا·
حضور دولي كثيف
هناك ثقل نوعي دوليا في مؤتمر لندن حيث اشترك ممثلون عن اللجنة الرباعية التي ترعى عملية السلام في الشرق الاوسط فضلاً عن الامم المتحدة ووزيرة الخارجية الاميركية كوندليزا رايس ووزراء خارجية وسفراء عرب ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس وممثلون غير رسميين عن الجانب الاسرائيلي قريبين من شؤون الخارجية والدفاع والامن برغم اعلان اسرائيل انها لا تشترك في المؤتمر· وهذا الحضور يستدعي التحلي بالصبر للوصول الى نتائج مثمرة ربما كانت المناقشات الساخنة مدخلا مناسبا لها لانها تقرب الجميع من سطح الحقائق الا ان هناك واقعا على الارض يثير جدلا سياسياً وامنياً آخر وخاصة في اطار قرار الانسحاب الاسرائيلي من غزة والهدنة (الهشة) التي اتفق عليها ارييل شارون رئيس الوزراء الاسرائيلي ومحمود عباس رئيس السلطة وقد استهدفتها عملية تل ابيب الاخيرة·
الفلسطينيون قالوا في المؤتمر وعلى اعتابه ان بناء الثقة في النيات هو الاساس والمفتاح لعملية السلام وقال مسؤول في الوفد الفلسطيني انه (لا يمكن ان تنسف عملية مارقة ضد الامن الاسرائيلي جميع الجهود التي بذلناها لاقامة سلام بيننا وعلى الجانب الاسرائيلي ان يتفهم ان السلطة الفلسطينية في بداية الطريق للسيطرة على الاوضاع الامنية وان الامر قد يحتاج الى وقت ولابد من التعاون وليس التحجج لنسف كل شيء)·
الاسرائيليون لا يريدون اعطاء هذا المؤتمر حجماً اكبر من حجمه المخصص لقضايا اصلاح وتأهيل الاجهزة الفلسطينية الامنية والقضائية والادارية لتكون على مستوى من التفاعل مع الاستعدادات الجارية على الارض لترتيبات الانسحاب من قطاع غزة وعودة الهدوء للمدن الفلسطينية · وكانوا في المؤتمر يسعون الى اداء دور المراقبة اكثر منه الاشتراك الفعلي·
غير ان الحكومة البريطانية كانت قد اعطت اهتمامها بالرواية الفلسطينية للاصلاح وانصتت لها طويلاً وعملت على دعم محاورها بما يؤمن نجاح التجربة الفلسطينية في عهد السلطة الجديدة· واعلنت عن استعدادها لتدريب عناصر محددة من الامن الفلسطيني على شؤون ادارية وعامة فضلا عن دعم مؤسسات السلطة القضائية لجعلها خط المراقبة الفعلي لاداء السلطة التنفيذية اضافة الى وجود سلطة تشريعية وبرلمانية فلسطينية·
معالجة الانهيار الاقتصادي
جاء الوفد الفلسطيني الى مؤتمر لندن للسلام والاصلاح برئاسة محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية وهو يحمل ثلاثة مطالب رئيسية يسعى الى ايجاد تلبية لها وقد لخصها عضو الوفد وزير التخطيط الفلسطيني غسان الخطيب بقوله (نريد التزاما بالمساعدات الاقتصادية والمالية التي هي ناتجة عن اعتداءات الاحتلال الاسرائيلي التي ادت الى الانهيار الاقتصادي)·غير ان الوفد الفلسطيني وضع امام المؤتمر رؤيته للاصلاح عبر خطة تنموية متوسطة الامد توضح العجز في الميزانية الفلسطينية والاحتياجات المالية في مسعى من الجانب الفلسطيني لحث الدول المانحة على عقد مؤتمر دولي قريب في ضوء النتائج التي يتمخض عنها مؤتمر لندن·وقالت الحكومة البريطانية مرارا انها استضافت مؤتمر لندن لمناقشة الاحتياجات الفلسطينية على الصعيدين المالي والامني ومحاولة لدعم عباس لاستعادة هيبة السلطة بعد اربعة اعوام من قيام اسرائيل باعادة احتلال المدن الفلسطينية حيث قامت اسرائيل بتدمير معظم المقار الامنية الفلسطينية خلال سنوات الانتفاضة الاربع الماضية مما اضعف عمل الاجهزة الامنية·
الوزير الفلسطيني غسان الخطيب اوضح المغزى من عقد المؤتمر عبر تأكيد موقف السلطة الفلسطينية التي تطالب العالم باعلان الالتزام باستئناف عملية السلام على اساس خارطة الطريق وان تكون خطة الانسحاب الاسرائيلي من غزة ايضا جزءا من خارطة الطريق· ولكن المراقبين يشككون في امكانية الوفد الفلسطيني من تحقيق اي ضغط دولي على اسرائيل بخصوص رفع العقوبات الجماعية ضد المدنيين الفلسطينيين مثل محاصرة المدن وتوسيع عمليات الاستيطان والاستيلاء على الاراضي وزيادة الحواجز العسكرية حول الاحياء السكنية والاسواق مما يؤدي الى انتكاسة الوضع المعيشي للفلسطينيين· لاسيما ان البيان الختامي للمؤتمر صدر بعد ان عرض على الجانب الاسرائيلي الغائب رسميا حيث تدخل مستشار ارييل شارون رئيس الوزراء الاسرائيلي دوف فاسيجلاس واحتد بالجدل مع مستشار توني بلير قبيل المؤتمر بسبب صياغة البيان الختامي ·
وكان نبيل شعث وزير الاتصالات الفلسطيني قد توقع عشية المؤتمر دعماً مالياً وتقنياً وسياسياً حيث قال (نتوقع ان يتم التأكيد على اعلان دعم من قبل المؤتمر لتطبيق خارطة الطريق واعلان سياسي هام بالتأكيد على اقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس)·
وتهدف خطة خارطة الطريق الى قيام دولة فلسطينية الى جانب اسرائيل آمنة· ولم تحرز خطة السلام هذه اي تقدم منذ اطلاقها في ·2003
ويرى الفلسطينيون ان آمالهم ستكون كبيرة اذا ما تلقوا الدعم من ممثلين عن اللجنة الرباعية المؤلفة من الولايات المتحدة والامم المتحدة والاتحاد الاوروبي وروسيا في المؤتمر·
من جانبه رئيس الوزراء البريطاني توني بلير اعرب عن تفاؤله بشأن احتمالات السلام في المنطقة وكان واقعياً كعادته حين وصف مؤتمر لندن (بانه خطوة على طريق طويل)· مؤكدا ان عودة عملية السلام هذه الى خارطة الطريق والعودة الى المفاوضات التي يمكن ان تؤدي الى تسوية نهائية لا تزال بعيدة·
استعدادات فلسطينية
السلطة الفلسطينية شكلت منذ وقت مبكر لجنة خاصة من وزراء وخبراء للاعداد لمؤتمر لندن فور اعلان بلير عنه في ديسمبر الماضي· وقال عن تلك الاستعدادات وزير التخطيط الفلسطيني غسان الخطيب العضو في هذه اللجنة (انه تم الاعداد بشكل جيد جدا للمؤتمر، وعملنا على هذا الامر منذ مدة طويلة واعدت الاوراق وكافة مواد اللازمة)·
وقال الخطيب خلال المباحثات التي جرت مع البريطانيين طوال الفترة الماضية تمكنا من اعداد مسودة البيان الختامي للمؤتمر تختلف عن المسودة التي طرحت علينا عند الاعلان عنه مؤكدا على (ان الجانب الفلسطيني في حالة تفاوض مع الجانب البريطاني للخروج ببيان متفق عليه في نهاية المؤتمر)·
واضاف الخطيب (خلال المفاوضات مع البريطانيين توصلنا الى اجراء تغييرات كثيرة على صيغة مسودة البيان الختامي وادخلنا التزامات على المجتمع الدولي)·
وفي غياب تمثيل رسمي لاسرائيل تكون هناك اتصالات حثيثة مع خبراء ومسؤولين اسرائيليين اولوا اهتماماً بمؤتمر لندن ولم يستطيعوا تجاوزه لانه عقد بدعم دولي وبتفويض من جانب الراعي الاول لعملية السلام الولايات المتحدة·
الوفد الفلسطيني قال في المؤتمر: (ننظر الى هذا المؤتمر على انه فرصة لنا لعرض وجهة نظرنا عن الاوضاع الداخلية التي نعيشها والاحتياجات ومتطلبات التنمية التي نصبو اليها)·
ورأى الوفد ان المؤتمر فرصة لتوضيح ان الاوان حان لان يؤدي المجتمع الدولي دوره بفاعلية لاجبار اسرائيل على ان توقف سياستها التي تعيق الاستقرار في المنطقة وتعيق عملية التنمية والبناء·
اهم ما طالب به الفلسطينيون في المؤتمر هو ان ترفع اسرائيل (سياسة تقييد حركتهم وتنقل بضائعهم وسياسة مواصلة الاستيطان)· وحاولوا الحصول على تأييد اللجنة الرباعية لدعم مطلبهم هذا وكما قال وزيرهم للتخطيط غسان الخطيب (حاولنا وضع الكرة في الملعب الدولي للسماهمة في بناء مؤسسات السلطة الفلسطينية وتطبيق خارطة الطريق)·
عباس متفائل
ويقول ريتشارد بيستون الكاتب في صحيفة التايمز البريطانية في تحليل خاص حول المؤتمر ان بريطانيا تسعى لاعادة ضخ دم جديد في جهود السلام في الشرق الاوسط رغم الاثار الضارة للهجوم الانتحاري الذي وقع ليلة الجمعة في تل ابيب والذي نفذه فلسطيني وهو اول هجوم من نوعه منذ اربعة اشهر·
ويتابع كاتب التحليل القول انه على الورق فان الهدف من اجتماع لندن هو ان يكون جلسة قصيرة مركزة تعمد لمساعدة السلطة الفلسطينية على تخليص نفسها من ارث حكم ياسر عرفات·
ويضيف (ان هذا يعني اعادة هيكلة قوات الامن الفلسطينية التي تتسم بالفوضى والتي تتألف في الوقت الراهن من عدة اجهزة تتنافس فيما بينها وكذلك ادخال اصلاحات لتنظيف الادارة والمؤسسات المالية الفلسطينية التي تصفها الصحيفة بانها فاسدة وتفتقر الى الكفاءة بشكل هائل)·
ويرى انه ينظر الى هذه الاصلاحات على انها لازمة بالنسبة للسلطة الفلسطينية قبل الانسحاب الذي تخطط اسرائيل القيام به من قطاع غزة في يوليو حيث ستدخل المنطقة تحت مظلة الادارة الفلسطينية·
ويوضح بيستون ان اجتماع لندن الذي قصد الا يسمى مؤتمرا لعدم توقع ان يسفر عن مفاوضات اوسع للشرق الاوسط يتيح الفرصة لعدد من المشاركين الرئيسيين في ان يسعوا لتحقيق اهداف خاصة بهم·
ويضيف (فبالنسبة لرئيس الوزراء البريطاني توني بلير فان استضافة هذا الاجتماع تثبت لبعض منتقديه والكثيرون منهم داخل حزبه جديته في مساعدة الفلسطينيين على بناء دولتهم وامكان ان يحشد الدعم من اميركا الى اوروبا وبلدان اخرى في العالم)· وتواصل التايمز القول انه رغم نفي بلير ان يكون المؤتمر مجرد فرصة لالتقاط الصور فان تصدره اجتماعا حول السلام في الشرق الاوسط سيساعد على استمالة المنتقدين لسياسته الخارجية في المنطقة خاصة مع اقتراب الانتخابات البريطانية العامة التي لم يبق عليها الا بضعة اسابيع·وحسب تحليل التايمز فان الاجتماع سيتيح لوزيرة الخارجية كوندوليزا رايس فرصة اظهار الالتزام مجددا بعملية السلام وهو الالتزام الذي اكد عليه الرئيس الاميركي بوش خلال زيارته الاوروبية الاسبوع الماضي حيث قال انه مصر على ان تقود العملية السلمية الى اقامة دولة فلسطينية تعيش في سلام جنبا الى جنب مع اسرائيل·وكذلك ترى مصادر بريطانية ان مؤتمر لندن يمثل لمحمود عباس اول تجمع عام كبير مكرس للفلسطينيين منذ انتخابه رئيسا للسلطة الفلسطينية في ديسمبر·وتؤكد المصادر ان لندن ستمثل منتدى يتمكن من خلاله من مناشدة العالم العربي بشكل مباشر لتنحية خلافاته مع نظام عرفات السابق واعطاء الشعب الفلسطيني مساعدة ملموسة في منعطف هام في تاريخهولعل ما نشرته صحيفة الاندبندنت في صورة لعباس والى جانبها بالحرف العريض هو تلخيص للمشهد السياسي الحالي حيث اوردت اقتباسا من الحوار الخاص الذي اجرته معه يقول فيه (امامنا فرصة وسيكون من اللامسؤولية اذا تركناها نحن او الاسرائيليون او العالم تفلت من ايدينا)·
وفي مكان آخر يقول دونالد ماكينتايو من صحيفة الاندبندنت ان محمود عباس اوضح خلال ذلك الحوار الخاص حرصه على الانتقال الى المفاوضات حول تسوية دائمة مع رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون·
وقال عباس ايضا انه (لا يمكننا ارساء اسس دولة دون حكم القانون والنظام العام) مضيفا انه يبذل جهودا بنسبة 100 بالمائة مؤكدا (لن يتم التسامح) مع الافعال من قبيل التفجير الانتحاري الاخير في تل ابيب·ويقول الرئيس الفلسطيني ان اسرائيل تعاونت مع السلطة الفلسطينية بتقديم معلومات تتعلق بالتفجير، غير انه يؤكد انه لا يمكن الاستمرار في وقت العنف ما دام الفلسطينيون يتعرضون لقتل يومي على ايدي الجيش الاسرائيلي·
ويقول عباس في حديثه ان اقامة دولة فلسطينية مستقلة على اراض متصلة وبشكل ممكن التحقق بمقتضى حدود 1967 هو في مصلحة الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي·ويقول عباس ان المطلوب اكثر من مجرد اجراءات لبناء الثقة هو (توجهات لبناء الثقة) ويشرح ذلك بالحاجة لوجود توجه جديد في التعامل مع الالتزامات التي نصت عليها خارطة الطريق فبدلا من اعتبار ان كل خسارة للفلسطينيين هي مكسب لاسرائيل، وان كل تفصيلة تخضع لمفاوضات ممتدة، ينبغي اعتبار ان كل خطوة يخطوها اي من الجانبين تعد خطوة نحو هدف فيه نفع متبادل يؤدي لانهاء الصراع·
ويعرب عباس عن امله في ان يقود اجتماع لندن الى عقد مؤتمر دولي· حسبما تنص عليه خارطة الطريق لبدء مفاوضات الوضع النهائي·

اقرأ أيضا

بريطانيا تشدد العقوبات على الجرائم الإرهابية