الاتحاد

دنيا

دعوة للتعايش

يذهب الناس إلى سوق الخضروات لشراء بعض الفاكهة المحلية والمستوردة، فتراهم يقلبونها يمنة ويسرة بحثاً عن أجودها وأحلاها. فإن التقط أحدهم فاكهة التفاح –مثلاً- ووجد عليها بقعة بنية ألقاها والتقط غيرها، وهكذا الأمر مع بقية الفواكه. لكن إذا لم يكن في ذلك السوق سوى كمية بسيطة من الفاكهه لسبب من الأسباب، وكلها عليها بقع بنية فماذا يمكن أن يحدث يا ترى؟ فكما هو مشاهد، فإنه سيحدث أحد الأمرين:
إذا كان الشخص ليس بحاجة ماسة لها فإنه لن يشتري منها شيئاً.
أما إذا كان الشخص محتاجاً لها، فإنه لن ينظر إلى البقع البنية حتى وإن كانت كبيرة، لأنَّ عينيه ستقعان على الجزء السليم منها، وسيقوم لاحقاً بقطع الجزء التالف ويستفيد من الجزء الصالح للأكل؛ فحاجته هنا غيرت زاوية نظرته للفاكهة.
وللأسف الشديد أن كثيراً من الناس يريدون من الآخرين أن يكونوا دون عيوب أو أخطاء، فإن زل أحدهم بكلمة أو أتى بتصرف غير مقبول نُبذَ كما يُنبذُ المُصابُ بالجذام.
فلماذا لا تقع أعين هؤلاء على ما بقي من خير في الآخرين (إذا فرضنا جدلاً أنهم هم أنفسهم لا يخطئون)؟ لماذا لا يأخذون بيد أولئك لتكتمل الحياة بهم ويساعدونهم لتجاوز تلك الأخطاء؟ إنها مسألة تتطلب منا التفكير الجاد، خلق الله البشر شعوباً وقبائل ليتعارفوا فيما بينهم، حيث قال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)(الحجرات:13).
فسبحان الله، إذا انقطع ابن آدم في مكان لا يجد فيه بشرا يبحث عن شيء ما، حيوانا كان أو نباتا أو جمادا ليتعايش معه؛ لأن الإنسان بطبيعته مخلوق اجتماعي، ونرى في كثير من المواقف من يسلم وهو متأفف، ومن يمد يده ليصافح بأطراف أصابعه، ومن لا يسلم ولا يصافح ولا ينظر ولا يلتفت، ولا يزور ولا يعود مريضاً، ولا يقدم التهاني والتبريكات، ولا يبتسم! فأي صنف من البشر هذا؟! ونسمع ونرى علاقات دامت سنين طوالا بين أناس، أصبحت مضرب المثل، وبين ليلة وضحاها تحولت تلك العلاقة الرائعة إلى عداء، واشتعلت بينهم حرب داحس والغبراء! فليت هؤلاء يتعلمون من تلك الفئة من البشر الذين يتعاملون بإنسانية، وبحب وتقدير واحترام، يغضون النظر عن زلات غيرهم، ويلتمسون الأعذار لهم، ويذكرونهم بالخير في الجهر والعلن.
قال الإمام الشافعي: «الكيّسُ العاقلُ هو الفطنُ المتغافلُ».
وقال الإمام أحمد بن حنبل: «تسعةُ أعشار حسن الخلق في التغافل»، وقال الحسن البصري: «ما زال التغافل من فعل الكرام».
وهذه دعوة للتعايش مع الجميع ليعم الخير أرجاء المعمورة وتزول الخلافات والمشاحنات بين الإخوة والأصدقاء والأزواج والآباء والأبناء والطلبة والمعلمين والتُّجار وغيرهم.
دعوة تبدأ من عندك عزيزي القارئ؛ لأن الأمور بك تسير، وعندك تقف، فهل أنت مسيرها بالشكل الصحيح لتنعم براحة نفسية جميلة وتحتفظ بإخوة يدعون لك بالخير في ظهر الغيب؟!
الدكتور/ عبداللطيف العزعزي
dralazazi@yahoo.com

اقرأ أيضا