الاتحاد

دنيا

«الشارخة».. «فياجرا» عُمانية بنكهة البحر

«الاستاكوزا»، ويسمى في أماكن أخرى «الصفيلح».. وهما اسمان يعرفهما أهل البحر، ويبحث عنهما سكان البر. ولأن فوائدهما لها سر يتعلق بالقدرات الجسدية للرجال، فإن أسعارهما تكون مرتفعة دائماً، يضاف إلى ذلك ندرتهما، خاصة بعد تحديد صيدهما مكانياً وزمانياً من قبل الحكومة العُمانية حفاظاً على هذه الثروة من الانقراض في سواحل محافظة ظفار، المترامية نحو ألف كيلومتر بعيداً عن مسقط، فالعاصمة الراقدة على سواحل خليج عُمان لا تعرف مياهها «الصفيلح» على وجه التحديد.
أما صيادو ظفار، فيعرفون جيداً كلمتي «صفيلح» و»الشارخة»، ويدركون ثقل هاتين المفردتين في الميزان الاقتصادي لأي بحار يصادق زرقة المحيط، ولهذين الكائنين موسم محدد للصيد، في غيره يكون بمثابة مخالفة صريحة يعاقب عليها القانون.
وتشير بعض الدراسات إلى أن لـ»الشارخة» و»الصفيلح» فوائد صحية كبيرة تجعل من النوع الثاني جديراً بحمل لقب «الفياجرا البحرية»، والمجربون يقولون إن له مفعولاً أكيداً، لكن صيده ليس بالأمر السهل، فهو قليل في باطن البحر، وصعب المراس للقبض عليه، فاليد التي تغفل قليلاً عن مهارتها قد تدفع الثمن جزءاً منه.
وينتظر الصيادون موسم صيد «الشارخة» كثيراً نظراً لما يحمله من عائد اقتصادي، ويرجع ارتفاع سعره إلى قيمته الغذائية العالية والمذاق الجيد الذي يتميز به وارتفاع نسبة البروتينات في لحمه.
ورغم أن القرار الحكومي بتحديد فترة صيد «الشارخة» في شهرين فقط، إلا أن قرار المنع زاد من إنتاجه، وقد لاحظ الصيادون والتجار أن صيد شهر بعد المنع يعادل إنتاج عام كامل قبل ذلك. وقد استخدم الصيادون قديماً عدة طرق لصيد «الشارخة»، منها استخدام الشباك أو «الليخ» وكانت فترة صيد «الشارخة» تمتد طوال العام، ولم يكن الطلب كثيراً على هذا النوع من الأسماك، وخلال السنوات الماضية ومع وجود أسواق خارجية زاد الإقبال على العمل في صيد «الشارخة» عاماً بعد عام واستخدم الصيادون الأقفاص الحديثة.
وسبب تحديد الأقفاص في صيد «الشارخة» لصيد هذا النوع من الأحياء البحرية لأسباب عدة، أهمها بقاء هذه الأحياء لفترة طويلة حية بداخله، مما يساعد على إعادة الإناث المحملة بالبيض، إضافة إلى صغار «الشارخة» التي يمنع صيدها من قبل المراقبين الذين يشرفون على عمليات الصيد خلال الشهرين المسموح بهما.
ويبلغ الإنتاج اليومي من «الشارخة» للصياد الواحد قرابة 25 كيلوجراماً، وقد يزيد أكثر من ذلك إذا كان الصياد يملك أعداداً كبيرة من الأقفاص وقادراً على عمل إضافي منهك في اليوم نفسه.
و»الشارخة» من أهم الثروات البحرية في عُمان، ويتاح صيده خلال نوفمبر والنصف الأول من ديسمبر، ويبلغ متوسط الصيد خلال الموسم الواحد في ظفار نحو 200 طن، فيما يبلغ إنتاج السلطنة البالغ 428 طن تقريباً.
ومن مميزات هذا الكائن البحري، أنه يعيش في بيئة مرجانية، ويحتمي بالصخور والشقوق، ويعد ليلي المعيشة، ويتراوح عدد بيض الحمل من مائة ألف إلى تسعمائة ألف بيضة، و»الشارخة» يتغذى على المرجان والرخويات والطحالب، إضافة إلى الأسماك.
وينزل الصياد الأقفاص إلى أعماق البحر بين المناطق الصخرية، ويثبتها بقطعة من الحديد أو الإسمنت بعد أن يتم وضع الطعم داخله «مخلفات الأسماك أو قطع سردين»، و يربط القفص بحبل طويل توجد في نهايته عوامة تطفو على سطح البحر لمعرفة موقع القفص، ويأتي «الشارخة» إلى القفص عن طريق الفتحة الأسطوانية الموجودة به سيراً إلى الخلف وعند استقراره داخله يجد صعوبة في الخروج منه نظراً لهبوطه في قاع القفص وارتفاع المدخل عنه.
وتمتلئ الأقفاص في الأيام المظلمة، حيث يخاف «الشارخة» الخروج في الليالي المقمرة، ولذا فإن الصيادين يدركون أهمية هذه الأوقات في عملية الصيد، كما وجد صيده إقبالاً كبيراً من العارفين، وقد يباع حتى قبل صيده نظراً لكثرة الإقبال عليه.
ويتم تحديد أسعار «الشارخة» حسب الطلب وكمية الإنتاج السنوي والذي تم تحديده بشهرين فقط ويتم استقبال هذه الكميات من قبل التجار ونقلها مباشرة في برادات ضخمة إلى مركز المحافظة بولاية صلالة ليتم من هناك تصديرها إلى المستهلكين داخل السلطنة وخارجها. ويعتبر «الشارخة» ذو الحجم المتوسط والذي تصل إلى 800 جرام، هو الأكثر طلباً في السوق العالمية ويصدر كاملاً، بينما يتم تصدير جزء من «الشارخة» الذي يتجاوز هذا الوزن ويتمثل في اللحم فقط بعد أن يفصل رؤوسه وأقدامه.
والثروة الأخرى المعروفة في ظفار هي «الصفيلح»، ويحلو للبعض أن يسميه «الفياجرا العُمانية» نظراً لتاثيراته المعروفة، أما عربياً، فيسمى بأذن البحر، فهو يشبه أذن الإنسان، وفي قاموس الغذاء المتعارف عليه عالمياً فاسمه الأبالوني، وينتشر في بحار العالم ومحيطاته نحو 100 نوع من «الصفيلح» أغلبها في اليابان وأستراليا والمكسيك ونيوزلندا والولايات المتحدة الأميركية وجنوب أفريقيا.. وعُمان التي يبلغ متوسط صيدها من «الصفيلح» 55 طناً سنوياً.
ومعروف لدى أهل ظفار عبر نقطتين أساسيتين: موسمية اصطياده وخطورة ذلك الاصطياد، إضافة إلى قيمته المالية الموازية لقيمته الغذائية، ويصل سعر الكيلوجرام الواحد منه إلى ستين ريالاً عُمانياً، وهذه القيمة العالية أغرت البعض بمراوغة القوانين التي تمنع اصطياده طوال العام، ولم تكتف بالشهرين المحددين في الصين، الأمر الذي جعل من هذه الثروة عرضة لخطر الفقدان.
وتنتشر تجارة «الصفيلح» والغوص في محافظة ظفار بين ولاية مرباط حتى نيابة شربثات بولاية شليم ومن أهم تلك المناطق» مرباط – شعوب بيت سعيد – رأس جنجري – سدح – حات – فوشي – حدبين – حاسك – شربثات» ، وتوجد عائلة واحدة لـ»الصفيلح» يتفرع منها «الصفيلح العُماني» المسمى «هاليوتس ماريا»، وهو من الرخويات غير المتماثلة ويعيش في الشعاب الزبدية المسننة والشواطئ الصخرية، ويتغذى «الصفيلح» على الطحالب والأعشاب البحرية التي توجد على أعماق لا تزيد عن عشرة أمتار، وعند عمر 3 سنوات تقريباً يكون «الصفيلح» قد اكتمل النضوج ويكون قادراً على وضع البيض. وفي موسم وضع البيض، يتجمع «الصفيلح» في مجموعات متقاربة لا تتعدى بعض السنتيمترات لإتمام عمليه الإخصاب.
بعدها يفقس البيض وتبدأ دورة اليرقات التي تستقر على الشعاب المرجانية المحاطة بالطحالب وتمر اليرقات بمرحلتين، بعد ذلك تنحرف اليرقات مع التيار وتستمر في النمو لتصل إلى مرحلة تستقر فيها صغار «الصفيلح» على الصخور وتتغذى على الطحالب حتى تصل لمرحلة النضج.
وللحفاظ على هذه الثروة، قامت وزارة الزراعة والثروة السمكية في عُمان بتحذير الصيادين من صيد صغار «الصفيلح» التي يقل حجمها عن 9 سنتيمتراً، وفي المياه الضحلة التي يقل عمقها عن ثمانية أمتار، مع حظر صيده باستخدام الأوكسجين، كما يحظر صيد «الصفيلح» من غروب الشمس إلى شروقها، وكذلك يحظر تقليب الصخور أثناء عملية الغوص، ويحظر فصل اللحم عن الصدفة قبل تسجيل الكمية في مراكز الاستقبال وإحضار بطاقة الإنتاج مع كل عملية بيع.
ومن مخاطر تقليب الصخور التي يلجأ إليها الغواصون للحصول على كميات أكبر، أن آلاف اليرقات تتعرض للقتل، حيث تجدها الأسماك وجبة جاهزة، ويقوم الصيادون بربط الصخور الكبيرة بالقارب ليحصلوا على ما يمكن أن يكون مختبئاً من «الصفيلح»

اقرأ أيضا