الاتحاد

الاقتصادي

أندونيسيا تعاني من استمرار عمليات تهريب الأخشاب


محمد عبدالرحيم:
لم تعد التقارير التي تشجب الأضرار الجسيمة التي تلحق بالغابات الإندونيسية جراء عمليات قطع الأخشاب غير المشروعة أمرا جديدا ولا تلك الوعود التي ظلت تبذلها الحكومة الاندونيسية لحسم هذه المسألة· ففي فبراير الماضي على سبيل المثال ادعت مجموعة تطلق على نفسها اسم 'وكالة التحقيق البيئي' ان كمية من الاخشاب تبلغ قيمتها 600 مليون دولار ظل يتم تهريبها من اندونيسيا الى الصين في كل شهر بمساعدة ودعم نشط من رجال الشرطة والجيش في اندونيسيا·
وكان الرئيس الاندونيسي سوسيلو بامبانج يودويونو قد تعهد في شهر مارس المنصرم باتخاذ اجراءات اكثر صرامة للحد من عمليات التهريب قبل ان تعلن السلطات عن إلقاء القبض على 157 شخصا في ولاية باجوا التي يركز عليها تقرير وكالة التحقيق البيئي بالاضافة الى 250 شخصا في مناطق اخرى من اندونيسيا خلال فترة الأشهر الستة الماضية· وكانت الاجراءات السابقة قد تمخضت عن القبض على العديد من العمال الذين تم استئجارهم لقطع الاشجار والبحارة الذين تلقوا اموالا لنقلها الى خارج الحدود·
ولكن في هذه المرة تضمن المحتجزون عددا من رجال الشرطة والجيش بالاضافة الى المسؤولين في مصلحة الغابات والذين ظلت الأصابع تشير اليهم بالضلوع في عمليات القطع والتهريب ولكنهم نادرا ما كانوا يواجهون المحاكمة·
من جهة أخرى فقد اعترف النشطاء في احدى مجموعات البيئة التي تعرف اختصاراً باسم 'والهي' بأن الاجراءات الجديدة اتسمت ولأول مرة بنوع من الايجابية في ظل الشكوى المستمرة من الاعمال التجارية بشأن النقص في كميات الاخشاب· ومع ذلك فإن الحل الجديد الذي توصلت اليه الحكومة ربما لا يعدو مجرد ملامسة سطح المشكلة·
فقد ورد في تقرير وكالة التحقيق البيئي ان اندونيسيا ظلت تفقد منطقة من الغابات بحجم دولة سويسرا في كل عام بينما أشارت تقديرات الحكومة الاندونيسية نفسها الى ان الاخشاب غير المشروعة تفقد ميزانية الدولة لمبلغ 3 مليارات دولار في كل عام ناهيك عما تحدثه من اضرار بيئية· ويعترف المسؤولون في الدولة في مجالسهم الخاصة بأن الجيش والشرطة والاجهزة البيروقراطية جميعها ضالع في تجارة الاخشاب السرية·
وإلى الآن لم يتم القاء القبض الا على احد الجنرالات بينما يصر المتحدث الرسمي باسم الجيش على ان الأمر لا يتضمن الا عددا قليلا من 'التفاحات الفاسدة' المتورطة في العملية· اما الأهم من ذلك فإن القوانين الاندونيسية المترهلة والمحاكم التي يستشري فيها الفساد استمرت توفر العديد من الفرص التي تساعد المجرمين على تجنب المحاكمات· وظلت الحكومة المركزية ورؤساء البلديات المحلية يدعون لأنفسهم الحق في اصدار تصاريح قطع الاخشاب بينما ظل دور الاهالي البسطاء في الاستفادة من هذه الثروة محل نزاع يصعب حسمه· بل ان هنالك مجموعة من اللوائح والقوانين المتناقضة التي تستدعي المراجعة والتعديل· ولكن العيب الأكبر الذي اتسمت به الحكمة الحكومية يتمثل في تركيزها على تقليل مستوى المعروض من الاخشاب غير المشروعة بدلا من العمل على خفض الطلب عليها حيث ظلت الصين من جهتها تستورد كميات متزايدة باستمرار من الاخشاب الاندونيسية·
ومن الناحية النظرية فإن تصدير أي نوع من الاخشاب غير المعالجة يعتبر أمرا غير مشروع· ولكن وكما ورد في تقرير وكالة التحقيق البيئي أن هذا القانون لا يتم تطبيقه إلا في حالات التهريب فقط· وكانت ماليزيا قد عمدت الى تخفيض تدفقات الاخشاب المحظورة من اندونيسيا عير اصدار مجموعة من القوانين الثنائية التي هدفت الى حظر الواردات في العام الماضي· الا أن المسؤولين الصينيين على العكس من ذلك ظلوا ينكرون مسؤوليتهم عن هذه الممارسات وكان آخرها في اجتماع في العاصمة جاكرتا مؤخرا في الشهر الماضي، بيد ان الأهم من ذلك ان حجم الاخشاب الذي تستهلكه الشركات المحلية في اندونيسيا يتفوق بكثير على حجم الصادرات· وكانت وزارة الغابات الاندونيسية قد صرحت للشركات المحلية بحصاد كمية تبلغ 20 مليون طن متري من الأخشاب (700 مليون قدم مكعب) إلا ان سعة صناعة الورق والاخشاب في الدولة تتجاوز هذه الكمية بثلاثة اضعافها· ولكن الحكومة الاندونيسية ظلت مترددة في إغلاق مصانع الورق والاخشاب غير المرخصة مخافة خروج عشرات الآلاف من العمال من سوق العمل وإلحاق أضرار جسيمة بصادرات الورق والاخشاب الاندونيسية التي تدر على الدولة مبلغ 4 مليارات دولار سنويا·
ويدعي خبراء الاقتصاد ان الحكومة الاندونيسية على المدى الطويل بات يتعين عليها التركيز على القيمة بدلا من الكمية في صادرات أخشابها· ولكن المصنعين لجميع المنتجات الخشبية يعانون من فقر البنية التحتية وضعف اللوائح والقوانين واستشراء الفساد· وكذلك فإن المستثمرين اصبحوا يتخوفون من المساهمة في صناعة معالجة الأخشاب وبخاصة بعد أن عمد بارونات صناعة الأخشاب الاندونيسية الى استغلال الأزمة المالية الآسيوية بين عامي 1997 - 1998 في التخلف عن الايفاء بقروض تبلغ قيمتها مليارات الدولارات، لذا فإن الأمر فيما يبدو يحتاج الى أكثر من مجرد عمليات القبض على حفنة من الأشخاص من أجل استئصال عمليات قطع الأخشاب غير المشروعة في اندونيسيا·

اقرأ أيضا

"موديز" ترفع تصنيف الاقتصاد المصري وتشيد بالإصلاحات