صحيفة الاتحاد

دنيا

مهمة صعبة: فشل في اقناع المشاهد رغم جودة السيناريو

القاهرة - إيمان إبراهيم:

باستثناء إصرار المذيع طارق علام على إقحام نفسه في مغامرات تمثيلية فاشلة فإننا في فيلم ''مهمة صعبة'' أمام تجربة تحمل الكثير من الطموح، فالإنتاج الضخم الذي توفر، والسيناريو المحكم الذي صاغه المؤلف حمدي يوسف عن قصة هاشم قيسية، وقضية المبيدات المسرطنة التي يعالجها الفيلم والفساد المستشري الذي يتماس وقضية الفساد التي شغلت المجتمع المصري طوال العامين الماضيين واجتهاد الممثلين مجدي كامل وعلا غانم وحجاج عبد العظيم وخالد الصاوي وسليمان عيد ودنيا ومروى وضيوف الشرف سعيد صالح وهشام عبدالحميد وحرفية المخرج إيهاب راضي العالية كلها عوامل كانت كفيلة بتقديم تجربة مميزة·

جريمة في الشارع

الفيلم يبدأ بضباب كثيف يتطاير في فضاء الشارع الخالي إلا من فتاة تسير وحيدة في الظلام، تتسارع خطواتها في خوف واضح، ويزداد خوفها وهي تشاهد مجموعة من الشباب الذين خرجوا من مكان خفي ليبدأوا مطاردتها فتسقط بين أيديهم فيعتدون عليها· الجبل المقابل للشارع يوحي بأن الجريمة تتم في منطقة المقطم أو منطقة مشابهة لها، فجأة يشاهد شاب قوي يرتدي ملابس رياضية ويحمل حقيبة كبيرة يسرع إلى المغتصبين ويدخل معهم في معركة عنيفة دفاعا عن ضحيتهم وشرفها ويستطيع تخليصها من بين أيديهم فيما يحاول أحدهم طعنه بمطواة يتفادها لتصيب أحدهم فيسقط صريعا·
براعة الاستهلال لدى المخرج إيهاب راضي وحرفيته في تنفيذ مشاهد الحركة من اللحظة الأولى نجحت في أن تجعل المشاهدين يتسمرون في أماكنهم واوحت بطبيعة الفيلم الذي ينتمي إلى نوعية ''الأكشن'' التي أصبحت سلعة رائجة في السوق بعد الانتعاشة التي تحققت في السينما المصرية وأدت إلى سعي المنتجين لتوجيه استثماراتهم إلى مجال السينما·
ابتعد الفيلم من أول مشاهده عن شبهة أن إنتاجه ضعيف أو أنه يفتقد عامل الإبهار الذي تحقق في مناطق عديدة داخل الفيلم بصرف النظر عن أن المشهد الأول من الفيلم الذي تتغير بعده مصائر شخصيات العمل الدرامي يواجه أزمة في الحبكة· فسبب تواجد الفتاة التي تكشف الأحداث أنها تعمل ممرضة في هذا الشارع المهجور وسيرها فيه غير مقنع بالمرة· والأكثر من ذلك هو خروج ''سامي'' أو طارق علام من عمق الجبل مرتديا ملابسه الرياضية حاملا حقيبته وكأنه عائد من مبارة تنس بعد منتصف الليل لمواجهة المغتصبين·

المخرج عاوز كده

فما السبب الذي دعا هذا الشاب الرياضي للتواجد داخل هذه المنطقة الصخرية التي لا تلائم زيه أو الوقت الذي تدور فيه الأحداث؟ إلا إذا عدنا إلى مسلمات السينما المصرية التي ترفع شعار ''المخرج عاوز كده''· والأغرب أن المشهد الذي يقوم فيه أحد المعتدين بقتل صديقه دون قصد يكشف عن عدم لمس البطل لأداة الجريمة، ولكن السيناريو يدين البطل لوجود بصماته على سلاح الجريمة ليدخل السجن· ويظل السؤال معلقا كيف جاءت بصماته على السلاح ولماذا احتفظ السيناريست بهذا المشهد في طي الكتمان دون عرضه رغم أنه أهم من مشهد القتال الأجوف الذي يصنع بطلا من ورق استهلكته مئات الأفلام السينمائية من قبل؟
المهم أن البطل يدخل السجن لمدة عام بعد حكم قضائي لا نعلم أسبابه تحديدا تاركا خلفه أمه المريضة وشقيقه والفتاة التي أنقذها وتعلقت به باعتباره المنقذ وفارس الأحلام المنتظر، ويستقبل عالم السجن الذي يتعرف فيه على صديقه ''مجدي كامل '' الذي يتاجر في المخدرات، و''سليمان عيد'' الشخص الضعيف الخفيف الظل الذي يدعي البطولة مع ضعفه والذي استخدمه إيهاب راضي كورقة كوميدية رابحة تخفف جدية العمل وقتامته· وسرعان ما يخرج الثلاثة من السجن ويصطحب مجدي كامل طارق علام أو ''سامي'' للعمل معه لدى ''لولو'' أو حجاج عبد العظيم في تحصيل الديون الميتة بالبلطجة واستخدام العنف·

فشل طارق

واختيار طارق علام لتجسيد هذا الدور كان خطأ كبيرا لأنه لم يحقق أي نجاح في تجاربه السابقة ''الكافيير'' و''الأجندة الحمراء'' لافتقاده موهبة التمثيل التي تحتاج لتعبيرات وجه وتعبيرات صوت لا تتأتى إلا بمعايشة الشخصية وفهمها· ورغم أن الفيلم يركز على طارق علام كبطل أول فإن مجدي كامل استطاع إثبات وجوده وقدرته كممثل متميز وقادر على أداء أدوار الشر وغيرها من الأدوار التي ارتفعت به ليصبح قاسما مشتركا في معظم أفلام المرحلة الحالية بالإضافة لنجم الكوميديا المسكوت عنه سليمان عيد الذي يضفي حالة من البهجة على الشاشة الكبيرة كلما اتجهت إليه الكاميرا·
ولأن قصة صائدي الديون الميتة لا تصلح وحدها لصنع فيلم، فقد سعى السيناريو إلى استحداث قضية في الجزء الثاني من الفيلم، ورغم أن قضية المبيدات المسرطنة التي شغلت الرأي العام المصري في السنوات السابقة مادة ثرية يمكنها أن تصنع عدة أفلام مختلفة الشكل والمضمون، فإن السيناريو الذي ألقى الضوء على الباحثة التي تعمل في مركز البحوث وتكتشف وجود مبيدات مسرطنة تم السماح بتداولها دمر عمق القضية·

مبيدات مسرطنة

تتفجر القضية الأساسية للفيلم عندما تكتشف الطبيبة التي تجسد شخصيتها علا غانم مخالفات تتعلق بإدخال مبيدات مسرطنة للبلاد، وتتعرض لمؤامرة تدان فيها لتوقيعها على تصريح بتداولها بعد عصيانها لرؤسائها، الذين يدفعونها للمشاركة في هذه المخالفات، لكنها تنجح في الحصول على عينة من المبيدات، وتتعرض لمحاولة قتل· الطبيبة تنجح في الهروب ثم تلجأ لباحث سابق لتحصل منه على مستندات تدين تجار المبيدات المسرطنة، فيقتل الباحث وتودع المستندات لدى خطيبها المحامى الذي دافع عن طارق علام في بداية الفيلم·
ولأن ''الرجل الكبير'' يلجأ لطارق علام للحصول على المستندات مقابل مبلغ كبير من المال، يقوم طارق بالاشتراك مع مجدي كامل بسرقتها، لكن يتحول الفيلم إلى اتحاد بين البلطجية والمحامي والباحثة لمواجهة الرجل الكبير الذي قام بدوره خالد الصاوي·

قضية خطف

وينتهي الفيلم بمشهد غير مبرر· فبعد اختطاف خالد الصاوي لابن شقيقة طارق علام لاستغلاله كورقة ضغط حتى يضمن أن طارق سيسلم المستندات المزعومة، يذهب طارق أو ''سامي'' حاملا الحقيبة إلى حيث خالد الصاوي بصحبة مجدي كامل ويسلمانه الحقيبة التي يربطانها في معصمه ويخبرانه أنها تحتوي على قنبلة·
ورغم أن خالد الصاوي يأمر رجاله بعدم التعرض لهما خوفا على حياته إلا أن أحد الرجال يطلق النار على مجدي كامل فيرديه قتيلا فيضغط طارق علام على المفجر انتقاما لصديقه، وهو فعل غير منطقي ولا يهدف إلى شيء سوى إبعاد مجدي كامل عن مشهد النهاية ليبقى طارق علام البطل الأوحد في الفيلم·
يعيب سيناريو الفيلم أن شخصياته تظهر وكأنها خرجت من العدم· فهي بلا تاريخ وبلا جذور وهو عيب واضح في السيناريو الذي يشترط بناء الشخصيات وتفاصيلها، قبل بناء الأحداث والمشاهد، لأن الشخصية هي التي تؤثر في الجمهور وليس الإبهار المصطنع لمعارك ومطاردات لا هدف لها·