لا تكتفي موظفة البنك اليابانية، «يوريكو أساهارا»، بتقديم خدماتها الاعتيادية للمراجعين من وراء واجهة الاستقبال، بل تمعن النظر طويلاً في نوعية خاصة من العملاء لتتأكد من أنهم يضعون أموالهم في المكان الصحيح، ذلك أن كبار السن الذين يطلبون سحب معاشاتهم عادة ما ينسون مكانها ليسألوها مجدداً إن كانوا قد حصلوا عليها بالفعل، هذا الرفق في التعامل مع كبار السن بات هاجساً في اليابان مع تزايد عدد المسنين في المجتمع، وظهور أمراض مرتبطة بالشيخوخة، مثل الخرف تحتم التعامل معهم بطريقة خاصة لهم، فحسب تقديرات منظمة «الزهايمر العالمية» التي تتابع أعداد المرضى في دول العالم وصل العدد إلى أكثر من 44 مليون نسمة، بل من المتوقع أن يقفز العدد إلى أزيد من 135 مليونا بحلول 2050 نتيجة الارتفاع المطرد في نسبة الشيخوخة، لكن وبرغم الطابع العالمي للمرض الذي لا يكاد يخلو منه بلد ولا مجتمع، يظل الخرف هاجساً مطروحاً بقوة في اليابان أكثر من غيرها، حيث يعاني ثمانية ملايين ياباني المرض، أو بدأت تظهر لديهم الأعراض، وبحسب المعهد الوطني للسكان وأبحاث التأمين الاجتماعي سيصل عدد اليابانيين الذين يتجاوزون 64 سنة من العمر عتبة 40 في المئة بحلول 2060، مقارنة بحوالي 24 في المئة اليوم. وعن مهمتها الإضافية تقول «أساهارا» التي ترأس فرعاً محلياً لأحد البنوك اليابانية بطوكيو، «في البداية لم أكن أفهم لماذا يفقد المسنون أغراضهم لمرات عديدة في اليوم، وكنت أشعر بالإحباط جراء ذلك، لكن بالتدريج بدأت أتعاطف معهم وأتفهم ما قد يشغل بالهم»، وبسبب المصاعب الاقتصادية التي تمر بها اليابان، ونسبة الديون العالية قررت الحكومة رفع المساهمات المعاشية، وخفض الدعم المقدم لدور رعاية المسنين، والنتيجة أن عدد كبار السن المسجلة أسماؤهم في لوائح الانتظار الطويلة للاستفادة من خدمات تلك الدور وصل إلى 520 ألف ياباني، وفيما تشجع الشركات اليابانية موظفيها مثل أساهارا البالغة من العمر 64 سنة والتي تقاعدت خلال هذه السنة، على مساعدة المسنين وتذكيرهم بأغراضهم بوحي من الوازع الأخلاقي، إلا أن الأمر أيضاً له اعتبارات اقتصادية، لا سيما إذا علمنا أن كبار السن استهلكوا في العام 2012 لوحده ما يربو على 830 مليار دولار من السلع والخدمات، حسب المعهد الوطني للسكان في طوكيو، ويبدو أن الشركات التي تستهدف شريحة المسنين بدأت تتوسع في إطار تأقلمها مع الواقع الديموغرافي لليابان، وفي ظل هذه الظاهرة تزايد إقبال موظفي الشركات المختلفة من مكاتب إدارة الشقق المؤجرة إلى موظفي البنوك على دورات تدعمها الدولة للتعامل مع كبار السن وتلبية احتياجاتهم، حيث بلغ عدد المستفيدين من تلك الدورات 5.4 مليون ياباني. وعلى سبيل المثال يقول «هاروكو كانامارو»، مدير أحد المحال التجارية الكبرى، إن 10 في المئة من الموظفين خضعوا للتدريب على كيفية التعامل مع المسنين، فبدلا من التأفف من طلباتهم وجهت تعليمات للجميع بالتحلي بالصبر وتقديم المساعدة لهم، ويبدو أن دولاً أخرى بدأت تستلهم التجربة اليابانية في دعم برامج تدريب الموظفين على التعامل مع المسنين، فقد أعلنت بريطانيا أنها ستسلك طريقاً مماثلا، فهي وإن كانت رائدة في معالجة الزهايمر، يبقى برنامجها في تثقيف المجتمع بشأن التعاطي مع المرضى حديثاً بعد انطلاقه في السنة الماضية، مستهدفاً مليون بريطاني بحلول 2015. كانوكو ماتسويما ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»