محمد ولد المنى (أبوظبي) تتوالى مواكب الراحلين من نجوم الأدب والثقافة والفكر، تاركةً دنيا العرب، بكل ما فيها، إلى دار الأبدية والبقاء، ومع أفول عامنا الذي أزفت نهايته انضم الشاعر والناقد الدكتور محمد ولد عبدي إلى كوكبة الراحلين، فقد انتقل إلى رحمة الله تعالى أول أمس «الأحد» في أبوظبي، المدينة التي أحبها كثيراً ومنحها نحو نصف عمره، وفيها أنجز أهم أعماله الإبداعية والنقدية، كما عرفته فضاءاتها الثقافية شاعراً من طراز المبدعين الحقيقيين، وناقداً متمكناً إلى أبعد حد من أدوات منهجه. شارك ولد عبدي مع عدد من أصدقائه المبدعين الإماراتيين والعرب الآخرين في الحياة الثقافية المحلية، وأثروا فضاءاتها الجميلة لا سيما في أبوظبي، منذ أن حل بها قبل نحو ربع قرن. وفي هذه المنتديات ألقى من روائع شعره الذي اندرج دائماً في مدارات الحداثة بصيغها الأكثر رصانة وعمقاً. تميز ولد عبدي بقوة الصياغة ونسق الإيقاع اللذين استمدهما من وشائج الافتتان والوله التي ربطته بتراث الأدب العربي، إذ كان بالنسبة له مرجعاً ومصدراً لا ينضب للرموز والصور والإحالات الشعرية في نصوصه الإبداعية واستدلالاته النقدية. وفي إطار هذه العلاقة، مع ما فيها من وعي نقدي حاد وفطن جداً، كان الجاحظ معشوقه في السرد النثري، والمتنبي مثله الأعلى في تكوين الجمل والقيم والأخيلة الشعرية. وفي أبوظبي أيضاً كتب ولد عبدي دواوينه الشعرية، لاسيما عمدتها ديوان «الرحيل»، ومعه ثلاثة دواوين مرقونة.. أمتع جمهور الثقافة والأدب بالكثير من قصائدها. وكان ولد عبدي ناقداً متمرساً ومعلّقاً بارعاً، وكثيراً ما أشرف على الأماسي والمؤتمرات الأدبية والندوات الفكرية وأدار توجيه دفتها، فأبهر السامعين بقدرته على اقتناص جواهر الأفكار الفلسفية والالتماعات الأدبية في ثنايا الخطابات والنصوص. وكان أمراً طبيعياً أن يفضي به مثل هذا التفاعل الخلاق والإيجابي إلى تسليط الضوء على بعض النصوص والنتاجات الإبداعية الإماراتية، حيث أصدر دراسة مميزة بعنوان «تفكيكات: مقاربات نقدية في نصوص إماراتية»، كما قدّم لأعمال إماراتية منها أحد الدواوين الشعرية للمبدع حبيب الصايغ. بيد أن أغلب أعمال النقد التطبيقي لولد عبدي إنما انصبت بالأساس على المدونة الشعرية الموريتانية بعصورها المختلفة، حيث حاول إعادة النظر في «ما بعد المليون شاعر: مدخل لقراءة الشعر الموريتاني المعاصر»، كما درس «السياق والأنساق في الثقافة الموريتانية المعاصرة: الشعر نموذجاً». وفي هذا الكتاب الأخير قدّم مقاربة جديدة وأصيلة، تؤاخي بين مستجدات النقد الثقافي (كما طبق بعض جوانبها عبدالله الغذامي في سياق اجتماعي وثقافي مشابه تقريباً)، وبين مكتسبات النظرية الأدبية الحديثة بتلويناتها الفلسفية؛ البنيوية والتأويلية والتفكيكية. وكما قام بتحليل السياق التاريخي والاجتماعي باختلاف تجلياته، فقد قدم تحليلا نقدياً للخطاب الشعري كاشفاً تطوره ضمن ثلاثة أنساق: النسق التقليدي، والنسق التجديدي، ثم النسق الحداثي. إلى ذلك، اتسع إطار اهتمام الراحل محمد ولد عبدي نحو آفاق أخرى، ليشمل أدب الرحلة وصور الأمكنة والمجتمعات والحقب في كتابات الرحالة، حيث ألف كتاب «فتنة الأثر: على خطى ابن بطوطة في الأناضول». وكان قد حقق قبل ذلك كتاب «موانح الأنس في رحلتي إلى القدس»، لمؤلفه أبي عبدالله الكمليلي. هذا علاوة على نصوص إبداعية وأعمال بحثية متناثرة وغير منشورة، وربما تكون قد ضاعت بسبب انشغالات الكاتب وما عرف عنه من انخراط في مساعدة الآخرين، مما جعله «ضيفاً» في بيته الذي غالباً ما تحول إلى مضافة مفتوحة للأقارب والأصدقاء والمعارف وغيرهم. وفي جو مثل هذا، كانت فسحة الوقت للكتابة والبحث قليلة أمام ولد عبدي، حتى أنه أخبرني ذات مرة بأن فرصته الوحيدة للبحث والتأليف هي بعض الفترات القصيرة ينتزعها انتزاعاً أثناء دوامه اليومي الطويل. ومع ذلك فقد ترك لنا وللمكتبة العربية أعمالاً ثمينة؛ شعراً وبحثاً ونقداً وتحقيقاً. رحم الله الدكتور محمد ولد عبدي وأثابه الثواب الجزيل على ما أعطى وقدّم للثقافة والفكر، وللناس جميعاً، وعلى ما كان له من صفات الخلق الكريم والكرم الصادق.