الاتحاد

دنيا

قصة تبحث عن مؤلف

يحدثونك عن الخيال القصصي والروائي، وهو خيال إبداعي، ويصل بنا أحيانا الى عتبات العقل، لكنه في النهاية يبقى خيالا، وإن كان خلطة عجيبة من الواقع. لكن أن يصل الواقع الى أعلى قمم الخيال!!.. فهذا هو الإبداع البشري غير المكتوب، لذلك فإنه قد يضيع بين ثنايا الزمن لا بواكي له.
وقد عايشت حكايات واقعية تحمل نكهة الخيال، لا بل تتفوق عليه، وهي قصص وحكايات تبحث عن مؤلف قادر على تحويلها الى نصوص أدبية، وأنوي هنا أن أحدثكم عن واحدة من قصص الواقع الحقيقي:
توفي زوج سمية «وهو اسم افتراضي»، الذي كانت تحبه كثيرا، لكن رد فعل سمية على الوفاة كان باردا، وكانت تقابل المعزين بابتسامة شاحبة قليلا. حتى في يوم وداع المتوفي، قبل الدفن، فقد وقفت قربه بهدوء، التصقت به قليلا، ثم تركته، وشبح الابتسامة يعلو وجهها الخالي من الدموع.
كان الناس ينظرون الى سمية في ذهول، حيث كانت هي وزوجها يشكلان ثنائيا عاشقا يحسدهم الكثير من الناس ويغبطهم البعض، لكن الحاسدين والمغبطين لم يستطيعوا فهم ردة فعل سمية على هذا الرحيل المفاجئ. لا بكاء، لا صرير أسنان، لا إغماءات.. لا تمزيق ملابس ولا تنفيش شعر، حتى لا دموع... هذا عصي على الفهم.
لم تنجب سمية من المرحوم، وبقيت وحدها في البيت، رغم محاولات الأقارب لإبعادها عنه خلال تلك الفترة العصيبة، أم سمية ذرفت طنّا من الدموع لإقناع فلذة كبدها سمية بالعودة الى بيت أبيها، ولو مؤقتا، لكنها لم ترض إطلاقا، وردت على الجميع بابتسامتها الشاحبة قليلا والواثقة كثيرا.
عاشت سمية حياتها بعادية مطلقة، حتى أنها لم تلبس «السواد» على المتوفى- حسب عادة نساء بلدتنا الفاضلات- وكانت تستقبل النساء في بيتها، لكنها زيارات عادية، وتقدم لهن القهوة الحلوة- وليس قهوة العزاء السادة- لا بل إنها قدمت لهن في اليوم الخامس أو السادس بعضا من البسكويت الحلو مع القهوة، وكانت تقابل محاولات النسوة تعزيتها باستهزاء صامت ومتعال، وبابتسامتها الشاحبة طبعا.
لاحظ الناس بأن سمية، وبعد دفن جثة المرحوم بقليل، كانت تنكب على جهاز «الموبايل» طوال الوقت، وقد اقتربت احدى الفضوليات منها، لمعرفة ماذا تفعل، حيث انتشرت بين النسوة فكرة أن الصدمة أوصلتها الى حالة من الإنكار للواقع وجعلتها تهتم بلعب «السوليتير»، أو غيرها من ألعاب الهواتف. المهم، اقتربت المرأة الفضولية ليتبين لها بأن سمية تبعث الرسائل النصية.
يا للفضيحة!!..لم يستطع أحد أن يصدق بأن قصة العشق هذه، بين سمية وزوجها، كانت مجرد أكذوبة، وأنها «مزوبنة»، وهي الكلمة التي يطلقونها على المرأة التي تحتفظ بعشيق لها خلال الزواج. لم يصدق أحد، لأن سمية كانت معروفة بالتصاقها الدائم بزوجها المرحوم، وعدم مفارقتها له معظم الوقت.
خلال فترة الشك هذه، كانت سمية تواصل كتابة وإرسال الرسائل النصية وهي تبتسم، واستمرت هذه الحالة لأسبوعين تقريبا، ثم فجأة أصيبت سمية بالذهول، نظرت الى نفسها والى الآخرين وصرخت بصوت رهيب.
- خلص الشحن
ثم غابت عن الوعي...
تبين أن سمية عندما اقتربت من جثة الزوج لوداعه، وضعت فيها، خلسة، جهاز الموبايل الخاص به، وكانت ترسل له الرسائل النصية المليئة بالمغازلات، طوال الوقت.
هل تصدقون أن هذه القصة حقيقية تماما، وما تزال تبحث عن مؤلف؟!


يوسف غيشان
ghishan@gmail.com

اقرأ أيضا