الاتحاد

دنيا

كيف تحصل على امتنان مجاني؟

يحكى أن يهودياً كان يعيـش في غرفة واحدة مع والديه وزوجته وعشرة أطفال، فلجأ في أحد الأيام إلى الحاخام لينقل إليه الضيق الذي يشعرون به في تلك الغرفة، فأطرق الحاخام ساعة ثم رفع رأسه ونصح الرجل بأن يربي خنزيراً في الغرفـة ثم يخبــره بالنتيجـة بعد أسبوع، فتعجب الرجل من هذا الحل، لكنه مضى في تنفيذ وصية الحاخام لإيمانه بحكمته، ودخل على أهل بيته وهو يجرّ خنزيراً معه.
بقي الخنزير يعيث في الغرفة فساداً، وأصبحت رائحة المكان لا تطاق من روث ذلك الكائن الوردي الذي لا يعرف الطريق إلى الحمّام.
بعد أسبوع وقف الرجل أمام الحاخام وقد ازداد بؤساً، وحكى له ما حصل، فطلب منه الحاخام إخراج الخنزير من الغرفة والعودة إليه بعد أسبوع.
وبطبيعة الحال، كان الرجل يقف بين يدي الحاخام بعد أسبوع وقد أشرق وجهه، والشعور بالامتنان يغمره نحو الحاخام الحكيم الذي أنهى معاناته وأصبح يعيش مع زوجته وأطفاله ووالديه بسعادة وهناء في تلك الغرفة الصغيرة، لا يعكر صفو راحتهم صوت الخنزير المزعج ولا رائحته النتنة.
ويبدو أن شيئاً مشابهاً حصل معي من دون قصد مسبق، فمنذ ثلاثة أشهر وأنا أضرب كفاً بكف صباح كل يوم سبت، وأنظر إلى عيالي مليّاً كلما اجتمعنا على مائدة الغداء، وأرسل ضحكة ساخرة وأقول لزوجتي بأسى: سينتهي كل شيء قريباً، كأنني تاجر غرقت سفنه في البحر وتكالب الدائنون عليه في المحاكم فقرر التخلّص من همومه بالانتحار.
فبعد 19 سنة من العمل الحكومي، حيث الدوام ينتهي عند إشارة عقارب الساعة إلى الثانية والنصف مساء، ويوم السبت إجازة رسمية، والجمعة بطبيعة الحال.
فإنني سأبدأ مرحلة جديدة بالعمل في القطاع الخاص، ولن أجتمع بعيالي على أرز أو مرق، فالدوام يبدأ في الثامنة صباحاً ولا ينتهي قبل الخامسة مساء، وسيكون يوم السبت مجرد يوم عمل آخر.
كما أن أحلامي الأدبية ستتقلص إلى مجرد كتابة مقالات أسبوعية، وسينحدر مستواها أسبوعاً إثر أسبوع إلى أن أتلقى مكالمة الوداع. ولن أجد الوقت لقراءة الكتب والروايات، ولن أجدد اشتراكي في ثلاث صحف كنت أقرأها يومياً منذ سنوات طويلة.
وسأتوقف عن التفكير في الميتافيزيقا والنساء الفاتنات، ولن أفعل أي شيء سوى الذهاب إلى العمل في أول الصباح، والعودة منه في منتصف المساء، والبكاء على حالي في ما تبقى من اليوم.
كان أول يوم عمل لي في الوظيفة الجديدة يوم الأربعاء، مع بداية الشـهر، وفـي اليوم التالي سألني أحد الزملاء الجدد إن كنت سأحضر العمل يـوم الســبت القـادم، فتعجبت من سؤاله، ففاجئني بقوله إن النظام المعمول به هنا يمنح الموظـف راحة يوم السبت في كل أسبوعين، فاتصلت فـوراً بزوجتي لأزفّ لها هذا الخبر السعيد: السبت التالي سأكون معكم.
كان هذا يوم خميس، والساعة تشير إلى الرابعة إلا ربعاً مساء، فقلت في نفسي: يا إلهي الصبر! باقٍ على نهاية الدوام ساعة وربع! ماذا فعلت بنفسي؟ لماذا خرجت من جنة الحكومة وطرقت بعناد أبواب التعب في القطاع الخاص؟ بعد ربع ساعة رأيت الزملاء يتقاطرون على باب الخروج، فقلت لابد أنه حريق وسيتم إخلاء البناية فوراً، لكنني فوجئت للمرة الثانية بأن دوام الخميس ينتهي عند الرابعة عصراً.
يوم السبت كنت أتجه إلى مقر عملي وأنا أترنّم بأغنية: سبت دوام سبت إجازة.
وبعد مضي أكثر من ساعة، سألت صبي المكاتب «الأوفس بوي» عن سبب تأخر الجميع، فقال إن دوام السبت من العاشرة إلى الرابعة.
وقفت في الشرفة أتأمل المراكب على خور دبي وأعبئ صدري من الهواء المنعش بينما وجه صاحب العمل لا يغيب عن بالي، وشعرت بامتنان عظيم نحوه، وفكّرت في أنه لو كان واضحاً لي منذ البداية التنزيلات المطبقة هنا لما شعرت بأي امتنان، بل على العكس، كنت كلما حضرت إلى العمل يوم السبت، سأقول: لماذا لا تكون كل «السُبوت» إجازة؟ لماذا لا يبدأ الدوام في كل الأيام في تمام العاشرة وينتهي في تمام الرابعة؟ ما الحكمة من هذه الأحكام «القراقوشية»؟
لا أعتقد أن صاحب العمل تعمّد حجب تلك المعلومات المهمة عني، والذي حصل أنه تحدث في المقابلة عن مهام عملي وتعمّدت ألا أخوض معه في تفاصيل الحضور والانصراف لئلا أبدو بمظهر من جاء لينام منذ البداية. لكنني في كل الأحوال، سأبقى أشعر بالامتنان نحوه.
وخطرت ببالي فكرة تطبيق هذه السياسة على كل من هم حولي، فما دامت هناك أشياء مزعجة في الحياة لابد أن أكون طرفاً فيها، فلم لا أخفف من وقع الصدمة بها من خلال التكتم ثم مفاجأة الطرف المتضرر بأن الأمر أهون بكثير مما كان يعتقد أو يتخيل؟! فتكون النتيجة: امتنان ذلك الشخص إلى الأبد وتقبيله صلعتي بين الحين والآخر.

أحمد أميري
me@ahmedamiri.ae

اقرأ أيضا